كتاب نشوء الأمم

كتاب نشوء الأمم

 

كتاب نشوء الأمم - كتاب نشوء الأمم - في كيفية نشوء الأمم وتعريف الأمّة

في كيفية نشوء الأمم وتعريف الأمّة
طبعة أولى ـــ بيروت 1938

إلى رجال النّهضة القوميّة الجبّارة
ونسائها، العاملين لحياة سورية ومجدها
أهدي هذا الكتاب
المؤلف

الـمقدّمة

إن الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعيّة في عصرنا، وهي الظّاهرة الّتي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدّرجة العالية من التّمدن. ولقد كان ظهور شخصيّة الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النّفسيّة البشريّة وتطوّر الاجتماع الإنسانيّ. أمّا ظهور شخصيّة الجماعة فأعظم حوادث التّطوّر البسريّ شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقةً ولطافةً وأشدّها تعقّداً، إذ إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعي ـــــ اقتصاديّ ـــــ نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه.
كلّ جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القوميّ، الشّعور بشخصيّة الجماعة، لا بدّ لإفرادها، من فهم الواقع الاجتماعيّ وظروفه وطبيعة العلاقات النّاتجة عنه. وهي هذه العلاقات الّتي تعيّن مقدار حيويّة الجماعة ومؤهّلاتها للبقاء والارتقاء، فبقاؤها غامضةً يوجد صعوبات كثيرةً تؤدّي إلى إساءة الفهم وتقوية عوامل التّصادم في المجتمع فيعرقل بعضه بعضاً ويضيّع جزءاً غير يسير من فاعليّة وحدتهه الحيويّة ويضعف فيه التّنّبه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من الخارج.
وإنّ درساً من هذا النّوع يوضح الواقع الاجتماعيّ الإنسانيّ في أطواره وظروفه وطبيعته ضروريّ لكلّ مجتمع يريد أن يحيا. ففي الدّرس تفهّم صحيح لحقائق الحياة الاجتماعيّة ومجاريها. ولا تخلو أمّة من الدّروس الاجتماعيّة العلميّة إلا وتقع في فوضى العقائد وبلبلة الأفكار.
على أنّه ليس كلّ درس اجتماعيّ درساً مفيداً. فإنّ من الدّروس ما هو كتبيّ أو مدرسيّ، فيكوّن مجموعه موادّ عامّةً أو معلومات أوّليّةً لا تساعد على تقرير نظرة أو معرفة طبيعة واقع اجتماعيّ معيّن. وليس عالماً اجتماعيّاً ولا خبيراً بالاجتماع من درس موادّ علوم اجتماعيّة مدرسيّة منظّمة تنظيماً خاصّاً في جامعة معيّنة وأدى عنّ دروسه امتحاناً نال به لقب مخرج أو دكتور أو غير ذلك.
ومنذ ألّف ابن خلدون [1332-1406م] مقدمةً تاريخه المشهورة، ووضع أساس علم الاجتماع، لم يخرج في اللّغة العربيّة مؤلّف ثان في هذا العلم، فظلّت أمم العالم العربيّ جامدةً من الوجهة الاجتماعيّة، يتخبط مفكّروها في قضايا أممهم تخبّطاً يزيد الطّين بلّةً. ولا نكران أنّ الكاتب الاجتماعيّ السّوريّ نقولا حدّاد وضع مؤلّفاً معتدل الضّخامة أسماه علم الاجتماع [القاهرة، 1924م]. ولكنّ هذا الكتاب من النّوع المدرسيّ ولا يأمن قارئه الشّطط. وهو مع ذلك المحاولة الأولى من نوعها، على ما أعلم، لفتح طريق علم الاجتماع الحديث.
ولفقر اللّغة العربيّة في المؤلّفات الاجتماعيّة نجدها فقيرةً في المصطلحات الاجتماعيّة العلميّة. فوضعت في هذا الكتاب مصطلحات جديدةً أرجو أن أكون قد توفّقت في اختيارها للدّلالة على الصّفة المعيّنة، كقولي: «الواقع الاجتماعيّ» و«المتّحد الاجتماعيّ» و«المناقب» و«المناقبيّة» (للمورال) [Moral].
إنّ نشوء الأمم كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظريّة وسائر فروع الفلسفة، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. وقد أسندت حقائقه إلى مصادرها الموثوقة. واجتهدت الاجتهاد الكليّ في الوقوف على أحذث الحقائق الفنيّة الّتي تنير داخليّةً المظاهر الاجتماعيّة وتمنع من إجراء الأحكام الاعتباطيّة عليها.
وقد فرغت من تأليف الكتاب الأوّل وأنا في السّجن، بين أوائل شباط وأوائل أيّار 1936 وكنت قد كتبت الفصول الأولى الثلاثة قبل دخول السّجن.
وكنت أودّ أن أعود إلى مراجعة هذا الكتاب في متّسع من الوقت ليجيء أكمل في الشّكل ويكون أكثر إسهاباً في بعض المواضع ولكنّ تعاقّب السّجون والظّروف السّياسيّة الصعبة الّتي وجدتني فيها بعد سجني الأوّل جعلت العودة إلى هذا الموضوع العلميّ أمراً مستحيلاً. ولما كانت حاجة النهضة القومية إلى هذا الأساس العلمي ماسّةً رأيت أن أدفع المخطوطة الوحيدة إلى المطبعة وهي في حالتها الأصليّة، كما خرجت من السّجن.
أمّا الكتاب الثّاني من هذا المؤلّف فقد درست معظم موادّه ووضعت له الملاحظات والمذكّرات وهذه جميعها صودرت أثناء الاعتقالات الثّانية في صيف 1936 وسأسعى للحصول عليها من المحكمة، لأنّها أوراق شخصيّة لا دخل لها في القضيّة، وأنتهز الفرصة لتأليف الكتاب الثّاني.
ومهما يكن من الأمر فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة. ومع أنّ نشر هذا الكتاب الأوّل لا يسدّ الحاجة إلى الكتاب الثّاني فهو يسدّ الحاجة إلى كتاب في نشوء الأمم بوجه عامّ.
يتناول الكتاب الأوّل تعريف الأمّة وكيفيّة نشوئها ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بمظاهر الاجتماع. ويشتمل الكتاب الثّاني على نشوء الأمّة السّوريّة ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بالأمم الأخرى وبالاتجاه العامّ.
عسى أن يفي هذا المؤلّف بالغرض الّذي وضع لأجله فيوضح من حقائق الاجتماع ما يجلو الغوامض في فهم الأمم والقوميّات.


25 سبتمبر/أيلول 1937
أنطون سعاده


كتاب نشوء الأمم - الفصل الأوّل - نشوء النّوع البشريّ


التّعليل الدّيني:
كانت مسألة نشوء النّوع البشريّ من المسائل الّتي شغلت عقل الإنسان منذ ابتدأ الإنسان يشعر بوجوده ويعقل نسبته إلى مظاهر الكون ونسبة هذه المظاهر إليه. فأخذ يتكهّن صدوره عن عالم غير هذه الدّنيا يعود إليه بعد فناء جسده. ولم يكن هذا التكهّن الرّاقي في التّصوّر ممّا تنبّه له الإنسان كما يتنّبه للموجودات الواقعيّة، بل كان درجةً بارزةً في سلّم ارتقاء الفكر سبقتها درجات من التّخرّصات الغريبة الّتي ليس هذا البحث مختصّاً بها. ولكن لا بدّ من الإشارة إلى هذه الدّرجة لأنّها ذات صلة متينة بنشوء الدّين وفكرة الله وحكاية الخلق المستقلّ الّتي أثّرت فينا تأثيراً عظيماً.
في هذه الدّرجة نشأت اعتبارات النّفس والجسد، ففي الهند اشتقّت النّفس من النّفس وشاعت في أماكن كثيرة عقيدة لفظ النّفس مع النّفس، حتّى إذا بلغ التّطوّر الدّينيّ إلى فكرة الله القادر على كلّ شيء الخالق السّماوات والأرض وما عليها كان ما يشبه البديهيّ أن يعلّل الإنسان نشوء نوعه بخلق مستقلّ وإن الرب الإله فجبل الله تراباً ونفخ فيه من روحه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيّة» [تكوين7:2].
ولم يكن العقل البشريّ عند تلك الدّرجة من الدّقة في التّمييز بحيث يحاول الدّخول في افتراض وتقرير خلق مركّب، معقّد للإنسان وسلالاته فلجأ إلى جعل الخلق بسيطاً ومعقولاً بحيث ينطبق على الظّاهر البسيط، فخلق الله رجلاً واحداً هو «آدم» ثمّ خلق له امرأةً واحدةً من ضلعه هي «حواء» وسنّة التّوالد تكفّلت بتعليل تكاثر البشر وانتشارهم في الأرض.
ومنذ انتشرت توراة اليهود مع كتاب المسيحيّة وشاعت المسيحيّة في العالم رسخ في عقول المؤمنين «بالكتاب المقدّس» الاعتقاد بتسلسل البشر من مخلوق واحد. ثم جاء القرآن مؤيداً حكاية الخلق الواردة في توراة اليهود وتأصّل في أذهان المؤمنين به الاعتقاد بصحّة هذه الحكاية.
هذا هو التّعليل الدّينيّ لنشوء النّوع البشريّ وقد فرض الدّين على كلّ مؤمن الاعتقاد بصحّته وعدّه حقيقةً ثابتةً أصليّةً وعليه بني علم السّلالات القديم الذي جعلها متسلسلةً من آدم ومتفرّعةً عن سام وحام ويافث.

نقد التّعليل الدّينيّ ونقضه
ظلّ هذا الاعتقاد مستولياً على عقول العالم المتمدّن بالدّين إلى أن أخذت العقول الممتازة تلاحظ في ترتيب الكون ومظاهر الحياة ما يدلّ على وجود حقائق لا يوصلنا التّعليل الدّينيّ الأوليّ إلى كشف القناع عنها. فكان من وراء ذلك نشوء المدرسة العلميّة الّتي قام النّزاع بينها وبين الدّين فيما يتعلّق بالحياة ومظاهر الكون وحقيقة الأشياء، وكان ولا يزال نزاعاً شديداً.
اكتشفت المدرسة العلميّة أنّ علاقة الإنسان بالحيوان وعلاقة الحيوان بالنّبات أشدّ كثيراً ممّا حدّده الدّين. اكتشفت هذه المدرسة أنّ اللغات لم تتوزّع على البشر في برج بابل وأسطورته، وأنّ النّجوم ليست مجرّد «نجوم» وأنّ الشّمس لا تدور حول الأرض، ولو لم تتّفق هذه الحقيقة مع مجد يشوع بن نون، وأخيراً اكتشفت مدرسة العلم التّاريخ الّذي سطّرته الأرض في طبقاتها المنضّدة، فظهرت إلى النّور حقائق غريبة لم تخطر على قلب بشر من قبل.
كانت حكاية الخلق الخياليّة أقرب إلى تصديق أهل الدّرجة المشار إليها آنفاً لأنّها اقتصرت على تسمية وجود الشّيء خلقاً مباشراً، تخلّصاً من الدّخول في أيّ بحث يتطلّب أدلّةً راهنةً يصحّ اعتبارها حقائق واقعيّةً. ولكنّ الإدراك البشريّ الّذي كان آخذاً في الارتقاء بما يعرض للإنسان من الاختبارات الموسّعة أفق النّظر، الفاتحة أبواب المقابلات والاستنتاج، لم يعد يقنع بالتّعليلات الخياليّة البحتة المعزوّة إلى افتراض وجود شخصيّة وراء نظام الكون تُحدث النّظام وتُحدث بلا نظام، إليها يُنسب كلّ ما يقف أمامه عقل الطّفل وعقل البالغ المجرّد من العلم حائراً. ففتح كتابع التّاريخ الطّبيعيّ وكتاب الجيولوجيا الّذي نضدت الأرض صفحاته بكلّ ترتيب ونظام، ووجد من ضمن الحقائق الغريبة الّتي يعلنها هذا الكتاب أنّ الأرض أقدم كثيراً من عهد يسبق آدم بستة أيام فقط وأنّ الإنسان أقدم من آدم بعشرات ألوف السّنين.
وأنشأ الإنسان علم الحيوان وعلم النّبات ووجد بين أصناف الحيوان وبين هذه والنّبات صلات أمتن جدّاً من أن تسمح بالقول، بالخلق المستقلّ. وأضاف علم الحياة من مكتشفات أسرار الحياة إلى معومات العلوم المتقدّمة ما أيقظ الفلسفة من سباتها. وتجاه الحقائق الّتي أبرزها العلم أخذت مسألة الخلق المستقلّ تنحطّ وتتراجع حتى لم يعد يهتمّ بها إلا الطامعون بالخلود الأنانيّ.


التّعليل العلميّ
إنّ الحقائق الّتي اكتشفها الإنسان ومنها أنشأ المدارس العلميّة العصريّة ابتدأت بتسجيل الملاحظات التّاريخيّة والمشابهات الطّبيعيّة فتنبّه تدريجاً لتقارب الأنواع من حيوان ونبات قبل نشوء مدرسة التّطوّر الحديثة، حتّى إنّ مؤرّخاً وعالماً كبيراً عاش في القرن الرّابع عشر ــــ الخامس عشر (ابن خلدون) استطاع أن يدوّن لنا بلغتنا ما لاحظه الفلاسفة قبله من أنّ للكائنات الحيّة اتصإلا غريباً معناه أنّ آخر أفق بعضا مستعدّ لأن يصير أوّل أفق الّذي بعده «واتّسع عالم الحيوان وتعدّدت أنواعه وانتهى في تدريج التّكوين إلى الإنسان»(1). ولم يكن هذا القول من الكلام الملقى على عواهنه ولا طائل تحته، بل كان نتيجة ملاحظات دقيقة، لم يتح لها أن تبلغ درجة الكمال بالاستقصاء والتّحريّ حتى كان القرن الماضي الّذي أخرج لنا الدّروينيّة [On the Origin of Species, 1859].
لاحظ القدماء أنّ أوّل أفق الإنسان متّصل بآخر أفق الحيوان، كأشباه الإنسان الأوران ــــ أوطان والغورلا [Gorilla] والشّبنزي [Chimpanzee]. ولعلّ الفينيقيّين كانوا أوّل من اهتمّوا بغرابة الشّبه بين القرود العليا والإنسان، إذ هم أول قوم رحلوا في سبيل الاكتشاف والعلم وكانت رحلة حنّون (Hanno) الفينيقيّ القرطاضيّ إحدى الرّحلتين العلميتّين الجغرافيتين الأوليين اللّتين حدثنا في العالم المتمدّن وكلتاهما فينيقيّتان. فقد ارتحل حنّون حوالي 520 ق،م، بستّين مركباً كبيراً وكان القصد من رحلته إيجاد محطّات قطرطاضيّة على شواطىء مراكش أو إمداد المحطّات الموجودة بالقوّة. ولكنّه لم يقتصر على ذلك بل تقدّم جنوباً إلى نهر الذّهب (Rio de Oro) وجزيرة كرني أو هرني، ثم تابع وجاوز نهر السّنغال. وقد سافر هذا الأسطول الفينيقيّ سبعة أيام وراء غمبيا. وفي إحدى الجزر وجدت هذه البعثة رجإلا ونساءً يكسو أجسامهم الشّعر «سمّاهم التّراجمة غورلا» فحملت بعض إناث هذه «الغورلا» معها ولكنّها اضطرّت في الطّريق إلى قتلها وحملت جلودها إلى هيكل يونو(2).
كان ذلك أوّل اتّصال العالم المتمدّن بأشباه الإنسان، ثم مرّت أجيال قبل نشوء مدرسة الاستقصاء الّتي أخذت على عاتقها درس علاقات الكائنات الحيّة بعضها ببعض. وفي هذه الأجيال العديدة كان التّعليل الدّينيّ التّعليل الوحيد لنشوء الإنسان وسائر الكائنات. فلمّا نشأت هذه المدرسة ابتدأت بالملاحظة الظّاهريّة الّتي أدّت إلى تقرير ما ذكره ابن خلدون في مقدّمته، ثمّ أخذت تتدرّج في الارتقاء حتّى اكتشفت العلاقات البيولوجيّة الوثيقة فيما بين الكائنات الحيّة وبين هذه والجماد.
رأت المدرسة العلميّة أنّ الإنسان ليس إلا كائناً واحداً من الكائنات الحيّة، وأنّه خاضع للنّظام الجاري عليها كلّها. فحيث الحياة في كلّ مظاهرها غير ممكنة لا يستطيع الإنسان أنّ يعيش. ولمّا كان الإنسان مظهراً من مظاهر الحياة العامّة فلا يمكن البحث في كيفيّة نشوئه على حدة ولذلك لا بدّ من جعل السّؤال «من أين جاء الإنسان؟» ضمن نطاق سؤال أوسع هو: منّ أين جاءت الحياة؟
وليس القصد من بحثنا هذا الدّخول في سلسلة الأبحاث الفلسفيّة العلميّة الّتي ينطوي عليها هذا السّؤال، لذلك نكتفي منه بالحصول على النّتيجة الّتي تهمّنا في درسنا نشوء النّوع البشريّ وهي أنّ الإنسان جزء من الحياة نشأ بالتّطوّر حتّى بلغ شكله الحاليّ، ولذلك فعهد نشوئه يرجع إلى عهد نشوء الحياة نفسها(3).
أثبتت العلوم الطّبيعيّة على اختلافها أن الحياة أقدم كثيراً ممّا قال به التّعليل الدّينيّ، وأنّ الأنواع من حيوان ونبات متّصلة اتصإلا وثيقاً ينفي مبدأ الخلق المستقلّ. وفوق كلّ ذلك أثبتت الكيمياء وحدة العناصر الّتي تؤلّف ما هو عضويّ وما هو غير عضوي(4) فيكون ما ذهب إليه الفيلسوف السّوريّ الكبير أبو العلاء المعرّيّ من ارتباط الحيوان بالجماد رأياً يتفق كلّ الاتّفاق مع نتائج المدرسة العلميّة:
والّذي حارت البريّة فيه حيوان مستحدث من جماد 
ومهما يكن من شيء فجميع الأدلّة تثبت أنّ اتصال الكائنات الحيّة بعضها ببعض كان تسلسليّاً ممّا لم يبق مندوحةً من التّسليم بنظريّة التّطوّر. والتّطوّر هو التعليل العلميّ لنشوء الإنسان نوعاً من أنواع الحياة قائماً بنفسه.
وقد اكتشف علم طبقات الأرض والأحافير بقايا بشريّةً قديمةً جدّاً وآثار شراذم بشريّة في حالة وحشيّة. ووجد العلماء من هذه البقايا والآثار أنّ أشكال الإنسان في تلك الأزمنة المتطاولة في القدم كانت أحطّ من أشكال الإنسان الحديث، كالإنسان الهيدلبرغي [Heidelberg] والإنسان النيندرتالي [Neanderthal]. وإنسان جاوى (Pithecanthropus Erectus)(5) الذي اكتشف بقايا جمجمت ديبوى (Dubois)، هو من أغرب الاكتشافات المسهّلة لنا تتبّع خطوات الإنسان في طريق ارتقائه من الحيوانات العليا.

نقد التعليل العلمي:
لا نستطيع، ممّا أبرزه لنا العلم، أن نعيّن بالضّبط الزّمن الّذي ابتدأت فيه الحياة. ولا يمكن إقامة الدّليل. بكلّ معنى الكلمة، على كيفيّة حدوث التّطوّر منذ بدء الحياة حتّى نشوء الإنسان، إذ ليس بين البشر الكاتبين من كان شاهداً يسجّل تفاصيل هذا الحدث الخطير، فمن يطلب من العلم أنّ يروي حكاية تطوّر كلّ كائن حيّ كما حدث تماماً لا يحصل على جواب. ولكنّ التّعليل العلميّ يأتي بدلائل تعطي برهاناً معقولاً لوجودنا وكيفيّة حدوثه. ولكلّ فرد يطلع على هذه الدّلائل أنّ يرى لنفسه هل هي كافية لإقناعه أم لا.
استطاع العلم أن يقيم لنا أدلّةً تقنعنا بأنّ الأنواع العديدة الّتي تملأ الدّنيا إنّما هي تنّوعات حياة عامّة، وتركّب عناصر أوّليّة واحدة تمتدّ في سلسلة تطوّرات يغيب أوّلها وراء الطّيات الجيولوجيّة. وكلّ ذلك، طبعاً، لا يسجّله العلم تسجيل شاهد عيان، بل يتوصّل إليه بالمقارنة والمقابلة ودرس خواصّ الكائنات الحيّة والجماد، كما يتوصّل رجال القضاء إلى تتبّع أثر المجرم ومعرفته من الأدلّة والشّبهات المتجمّعة لديهم، حتّى إنّه مهما أصرّ المجرم على الإنكار يظلّ القضاء يأتيه بأدلّة وشواهد حتّى يفحمه فيعترف بجريمته وليس عليها شاهد عيان.
وصحيح أنّ العلم لمّا يتوفّق إلى تعيين كيفيّة حدوث كلّ نوع بصورة قطعيّة؛ وعلى الخصوص كيفيّة حدوث النّوع البشريّ، هل كان باشتقاق أب واحد أو جماعة آباء أو جماعات نوع واحد. وكذلك لمّا يتوفّق إلى تعيين المكان الّذي نشأ فيه النّوع البشريّ بالضّبط. وإن كان جمهور العلماء يرجّحون نشوءه في أواسط آسية. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ العلم لم يتوصّل إلى كشف القناع عن سرّ تنوّع الكائنات، بل إنّ ما لديه من الحقائق والأدلّة البيولوجيّة والأنتربلوجيّة والكيماويّة والجيولوجيّة إلخ. يجعل العقل يدرك بالمنطق والشّواهد ترابط الكائنات في سلسلة تطوّر الحياة. بل إنّ التّطوّر قد قام عليه الدّليل والبرهان الجزئيّ، فلبعض النبّاتات استعداد غريب للتّطوّر، والإنسان نفسه قد تطوّر بعد نشوئه، فبين الإنسان العصريّ والإنسان الهيدلبرغيّ أو النيندرتاليّ شوط من التّطوّر لا يستهان به.
أمّا أنّ الإنسان نشأ بالتّطوّر فما لا جدال فيه وأمّا كيفيّة حدوث التّطوّر، أكان بتجمّع تغيّرات بطيئة تحت تأثير البيئة المتطوّرة أم بالتّغير الفجائيّ استعداداً للدّخول في بيئة جديدة، فممّا لم يتّفق عليه العلماء لحاجتهم إلى استكمال اختباراتهم. وقد كانت النّظريّة الأولى القائلة بالتّغير البطيء وفاقا للانتخاب هي السّائدة. ولكنّ نفراً من العلماء الحديثين يعتقدون بسبق التّطوّر لموافقة البيئة وبحدوثه دفعةً واحدة(6).

هوامش الفصل الأول
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 96 [طبعة دار الجيل، ص 106].
(2) ولز ص 163.
(3) وينرت Ursprung ص 3.
(4) المصدر نفسه، ص 2.
(5) [“Called also Java Man.” Websyer N.C. Dictionary, p. 643]
(6) مقالة قلدشمت “Some Aspedts of Evolution”. Science (December, 1933).


 

الفصل الثاني - السّلائل البشريّة

 مدلول السلالة

إذا وضعت تحت البحث قبيلةً من القبائل أو شعباً من الشّعوب وأخذت تعود القهقرى بأنسابه حتّى تردّها إلى أب واحد، ثمّ تردّ هذا الأب إلى عائلة متفرّعة من أبناء نوح، وتستمرّ في ذلك حتّى تبلغ إلى آدم، وقسّمت بعد ذلك الأقوام البشريّة على هذه القاعدة إلى فروع آدم وهميّ، وقلت إنّ معنى السّلالة مشتقّ من هذا التقسيم فإنّك قد اختلط عيك علم السّلائل وعلم الأنساب، فلا تميّز بين الواحد والآخر.
بيد أنّه على مثل هذا جرى الأوائل في العصور المتمدّنة الأولى، فكان النّسب عندهم أصل الأجناس وتعليل حدوثها، لأنّ ما استندوا إليه في معرفة ذلك كان حكاية الخلق الخياليّة الّتي تنوّعت رواياتها في متعدّد الأديان. ومن غريب هذه الرّوايات ما نقله المسعوديّ [ت956م] (1) مستنداً إلى «ما جاءت به الشّريعة ورواه الخلف عن السّلف والباقي عن الماضي»، وهو أنّ السّبب في اختلاف ألوان البشر يعود إلى أنّ ملك الموت الّذي أرسله الله أخيراً ليأتيه بطين من الأرض يخلق منه آدم أتاه بتربة سوداء وحمراء وبيضاء فلذلك اختلفت ألوان ذرّيّته. وعلى هذا لا يكون البشر إلا ذرّيّةً تربطها الأنساب. وبديهيّ أنّ مثل هذا القول لا يوصلنا إلى حقيقة مدلول السّلالة أو ماهيّتها.
إذا تركنا وجهة التّخمين والتّقديرات التّخيّليّة في الفوارق الظاهرة في جماعات النّوع البشريّ وبحثنا عن مدلول كلمة «السّلالة» العلميّ وجدنا أنّ هذه اللّفظة هي من مصطلحات العلم الطّبيعيّ. والغرض منها تقسيم النّوع الواحد إلى فروع (أجناس) تتوارث صفاتها ومزاياها الخاصّة(2) ، أمّا النّوع فيقصد منه تحديد الكائنات الحيّة الّتي ينتج تزاوجها نتاجاً ناجحاً يكون له ذات المقدرة بلا حدود(3) . فالأجناس تقبل الاختلاط والتّزاوج والإنتاج ويمتنع ذلك في الأنواع إلا شذوذاً نادراً.

معتقدات السّلالة
ليس بين جميع العقائد البشريّة عقيدة غير الدّين لعبت دوراً خطيراً في السّيطرة على عواطف الأقوام كعقيدة السّلالة فقد كانت السّلالة مقرونةً بالنّسب ومرادفةً للفوز والمجد والأرستوقراطيّة ولذلك كانت سبباً للفخار والمباهاة والعجرفة.
وكما أنّ العرب أولعوا بالافتخار بالأنساب وهجْو بعضهم بعضاً بالقدح في القبائل المختلفة التي ينتسب إليها المتهاجون، كذلك كانت شعوب أخرى كثيرة تجري على مثل ذلك في أوائل عهودها. ففي القرون الوسطى كان الأشراف يعدّون أنفسهم من دم أفضل من دم العامّة المحتقرة منهم. وكان المظنون أنّ الفلاحين هم من نسل حام الذي قيل إنّ نوحاً دعا عليه بالعبوديّة. وكانت طبقات الفرسان في أقاليم مختلفة تعتقد أنّها متحدّرة من أبطال طروادة الّذين قيل إنّهم قطنوا إنكلترة وفرنسة وألمانية بعد سقوط تلك المدينة العظيمة. وفي فرنسة، موطن الفرنك، كان هؤلاء يردّون بالتّسلسل إلى فرنسيون، أحد أبناء هكتور [Hector] (4). ويقال في الحقيقة إن نقولا فريره (Nicholas Freret) سجن في الباستيل سنة 1714 لأنّه خطّأ هذه النّظريّة!
وفي سنة 1749، حاول أستاذ ألمانيّ في روسيا اسمه مللر أن يثبت أنّ الرّوسيّين هم من سلالة فنّيّة ــــ تترّية. فأمرت الامبراطورة اليصابات بالقبض عليه وسجنه في الحال وأن يجلد ناموس المجمع العلميّ، تردبا كوفسكي، الّذي قال إنّ مللر على صواب. وقد أجبر مللر على تكذيب نفسه(5)!
شغفت أقوام كثيرة بحبّ «السّلالة» وعدّها مصدر جميع الخلال والمناقب الحميدة، بشرط أنّ تكون نقيّةً خالصةً. وهكذا نشأ أفراد وجماعات تتشبّث بنقاوة سلالاتها وكلّ فرد أو جماعة تدّعي أنّ سلالتها أفضل السّلالات وأكرمها عنصراً. ولم يسلم مثل هذا الادّعاء من الغلوّ البعيد، فقيل إنّ جميع السّلالات الأخرى منحطة من الأصل ولا تستطيع كلّ قوى التّمدن والتّربية أنّ ترفعها إلى مستوى السّلالة الفضى، وإنّ الشّيء الوحيد الّذي يرفعها هو امتزاجها بهذه السّلالة، ولكنّ هذا الامتزاج أمر غير مرغوب فيه لأنّه يؤدّي إلى انحطاط هذه السّلالة الكريمة على نسبة ارتفاع السّلالة، أو السّلالات الأخرى. ومن أغرب معتقدات السّلالة ما أدّى إلى الادّعاء أنّ البشر مفطورون على الشّعور بالسّلالة ولذلك يجب رفض كلّ محاولة من شأنها إضعاف أو إبطال النّزاع الطّبيعيّ(6) .

عقيدة السّلالة في فرنسة وبلجيكا [Blgique]
اندغم حبّ السّلالة، في تلك الأزمنة القليلة العلم بالعصبيّة القوميّة الغامضة. وليس ذلك غريباً بالنّظر إلى تأخّر ذلك العصر، ولكنّ الغريب نّ هذا الاندغام استمرّ إلى عصرنا الحاضر. ففي فرنسة مثلاً، الّتي ظهرت فيها إلى الوجود نظرّيات سلاليّة غريبة تعددّت واختلفت بمقدار تعدّدها، ظلّ الاعتقاد بالسّلالة القوميّة وسيلةً للاستغلال حتّى في الكتب العلميّة. فإنّ بين الّذين علّلوا أسباب الحرب بين فرنسة وألمانية عدداً من السّياسيّين والعلماء البارزين قالوا بأنّ النّزاع إنّما هو خصومة طبيعيّة بين السّلالة الجلالقيّة أو اللاتينيّة العالية والسّلالة الجرمانيّة الوضيعة. وإنّ بين الكتب المدرسيّة الموضوعة بعد الحرب الكبرى [1914-1918] كتاباً ألّفه عالمان بنفسيّة الأحداث بلجيّان، أحدهما مركه (Mirquet) وهو رئيس مدرسة والآخر برغميني (Pergameni) وهو أستاذ جامعة تجد فيه: «يظهر أنّ الحرب قد برهنت على أنّ للألمان جميعاً ميلاً إلى الشرّ ناشئاً عن غرائز سلاليّة شاذّة، كاستعمال القوّة العضليّة، الخبث الفطريّ، القسوة وغريزة السّرقة والسّلب والقتل، إنكار الجميل مهما كان شريفاً، نسيان المعروف، عصبيّة طائشة مسبّبة عن حسدهم الأمم الأخرى وكرههم لها، طمع متوارث غير طبيعيّ في الوصول إلى التّفوق العالميّ، خلوّ تامّ من كرم الأخلاق، العجز عن تقدير بطولة أضدادهم وإنكارهم أنفسهم. فإنّهم قد جاؤوا ببرهان قاطع على أنّ من خلال سلالتهم الرّياء والعبوديّة والمكر، وأنّ من غرائزهم الّتي لا سبيل إلى كبح جماحها القسوة والشرّ، وأنّه ليس لهم غرائز إنسانيّة، لا فكرة عن الحقّ والعدل ولا فهم للشّرف ولا شعور بالفكاهة»(7) وقد حاز هذا الكتاب سنة 1920 جائزةً من المجمع العلميّ البلجيّ الملوكيّ!
عقيدة السّلالة في إنكلترة

لم تتّخذ عقيدة السّلالة في إنكلترة صفة العصبيّة الجنونيّة الّتي اتّخذتها في بلدان أوروبيّة أخرى. ومع ذلك فإنّ الاعتقاد بتفوّق «السّلالة الأنكلوسكسونيّة» كان منتشراً جدّاً فيها، وقد اتّخذ من هذا الاعتقاد حجّةً لتأييد امتياز العنصر الإنكليزيّ الأنكلوسكسونيّ على العنصر الإرلنديّ الكلتيّ. ومع أنّ الإنكليز لا يتطرّفون كثيراً في الاعتداد بالسّلالة، ولعلّ ذلك عائد إلى خبرتهم الاستعماريّة الطّويلة، فإنّهم لا يخلون من الاعتقاد بمزايا سلالتهم الممتازة. وهم شديدو التّحفّظ من الاختلاط والامتزاج مع أقوام من سلالات أخرى.

عقيدة السّلالة في ألمانية
أدّت النّهضة الألمانية القوميّة في أصيل القرن التاسع عشر إلى تعاظم الفخر بالسّلالة وأخذت دوائر متنفّذة عديدة تنظر إلى الشّعوب اللاتينيّة والكلتيّة والصقلبيّة حولها بعين الازدراء. ولم تقف المسألة عند هذا الحدّ، بل تعدّته إلى الاعتقاد بأنّ أشراف ألمانية فقط هم من السّلالة الآريّة النّبيلة، أمّا الشّعب فكان من سلالة سابقة الآريّة، فكان مكتوباً للشّعب الخضوع ومقدّراً للأشراف السيادة. وسرى الاعتقاد بأنّ هذه السّلالة الكريمة العنصر هي السّلالة المعدّة لسيادة العالم، وعلى هذا الاعتقاد بني كثير من نظرّيات الجامعة الجرمانيّة(8) . ومن أدلّة العناية بالاعتقاد باسّلالة حتى في الدّوائر المسؤولة في الشؤون السّياسيّة الخطيرة ما صرّح به المستشار الألمانيّ الشّهير بتمن هلوق، بمناسبة إجازة قانون الجيش الألمانيّ في 7 نيسان 1913، قائلاً إنّ هنالك خطر اصطدام بين الصّقالبة والجرمانيّين ولذلك يضطرّ هؤلاء إلى زيادة سلاحهم. ولم يذهب هذا القول بدون نتائج خطيرة بين صقالبة النّمسا والمجر.


عقائد السّلالة عموماً
انتشرت عقائد السّلالة عند جميع الأمم الحيّة تقريباً، فلم يسلم منها شعب من الشّعوب إلا فيما ندر. ففي الولايات المتّحدة اتّخذت بعض العقائد والنّظريات لتأييد مالكي العبيد. فقال هؤلاء إنّ السّواد في العبيد إنّما هو علامة قايين الّذين لعنه الله(9) وشبيه بهذه النّظريّة ما توهّمه بعض النّسّابين العرب أنّ السّودان هم ولد حام بن نوح، اختصّوا بلون السّواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه(10) . ومع أنّ عقيدة السّلالة في الولايات المتّحدة كانت أظهر ما يكون بين البيض والسّود فإنّها لم تقتصر على هذه الوجهة، بل تناولت بعض الآسيويّين عموماً والصّينيّين واليابانيّين خصوصاً. ويظهر أنّ التّحامل على السّلالات يجد دائماً تربةً جيّدةً في أميركة(11). وهكذا نرى بعض الأميركان يعدّون السوريين والإغريق سلالات منحطّةً، ففي حملة انتخابيّة جرت في برمنهام، ألاباما، ربيع سنة 1926 وزّعت نشرة جاء فيها:
لكورونر
صوت ل ج. د. غص
«مرشّح الرّجل الأبيض»
«لقد جرّدوا الزّنجيّ، الّذي هو أميركانيّ الرّعويّة، من حقّ التّصويت في الأوّليّة البيضاء. فيجب أن يجردّ الإغريقيّ والسّوريّ أيضاً من هذا الحقّ. إنّي لا أريد صوتهما فإذا كان انتخابي لا يمكن أنّ يتمّ على يد الرّجال البيض فلا أريد الوظيفة»(12).
وإذا أخذت بلاداً جديدةً كالبرازيل جمعت من الزّنوج وكرام الشّعوب الأوروبيّة والأسيوّيّة وحثالتها وجدت لعقائد السّلالة المبنيّة على الوهم جذوراً ذاهبةً في القلوب(13).
وأخذ العرب نصيباً كبيراً من تعليق أهميّة عظمى على أوهام السّلالة فافتخروا كثيراً «بطيب عنصرهم» وظنّوا الأجانب أدنى منهم فسمّوهم «علوجاً» وغير ذلك من الأسماء وأثّر الدين عندهم كثيراً على أوهام السّلالة، كما أثّر على اليهود من قبلهم، ووصلوا أنساب عدنان بإسماعيل بن هاجر بن إبراهيم. أمّا اليهود فقد زعموا أنّهم سلالة إبراهيم اتّخذهم الله شعباً له مفضّلاً على باقي الشّعوب والله عندهم هو «إله إسرائيل».

عقائد ونظريّات في السّلالة
اشتبكت عقائد السّلالة المبنيّة بالأكثر على الوهم بالنّظريّات الابتدائيّة الّتي قصد منها إدراك كنه السّلالة وفهم خصائصها. ومن هذه النّظريّات ما وجد تأييداً في مذهب أرسطو في العبوديّة، إذ هو يبرّرها على الوجه التّالي:
أوّلاً: إنّ الطّبيعة نفسها قد أعدّت بعض النّاس ليحكموا وآخرين ليخدموا إذ هي تهبّ للأوّل مقدرات عاليةً وللآخرين قوّة الحيوانات. فإنّ حقّ السّيّد في العبد كحقّ الإنسان في الحيوان. ويمكن ردّ الحجّة المناقبيّة ضدّ مثل هذا الموقف بالإتيان بالنّقطة الثّانية وهي: ثانياً ـــ إنّ هذه العلاقة هي في مصلحة المسيطر عليهم، إذ هم، لفقدهم القوى العاقلة، يحتاجون إلى إرشاد سادتهم. ثالثاً ــــ إنّ الشّعب المتغلّب هو دائماً أرقى بجميع المزايا الجيّدة(14) .
وقد رأينا فيما مرّ من هذا الفصل كيفيّة انتشار عقائد السّلالة في مختلف الشّعوب. بقي أن نأتي هنا بلمحة صغيرة عن النّظريّات التي تقلّبت على السّلالة في أوروبّا، خصوصاً في فرنسة الّتي اختلفت فيها النّظريّات وتضاربت بقدر تقلّب ظروفها السّياسيّة. ومن هذه النّظريّات ما قال به بودان (Bodin) معلّلاً أصل الفرنك من أنّهم قوم من الجلالقة ارتحلوا إلى ألمانية ثمّ عادا ليحرّروا إخوانهم من نير رومة. فحظيت هذه النّطريّة بالرّضى في عهد لويس الرابع عشر [1638-1715]، لأنّها تجعل الفرنسيّين أمّةً خالصة النّسب وتؤيّد الرّغبة في إلحاق الرّين بفرنسة وهو ما كان هذا الملك يطلبه مدّعياً أنّ الرّين جزء من مملكة الفرنك القديمة(15). ولكنّ ليبنتز [1716 - 1646 W.Leibnitz] الرّياضيّ الألمانيّ المشهور نقض هذه النظريّة وبرهن على أنّ الفرنك من أصل جرمانيّ. فحلّت محلّها نظرية الكنط دي بولا نفيير (Comte de Boulanvilleirs) القائلة إنّ في فرنسة سلالتين، سلالة النّبلاء المتحدّرة من الجرمان الفاتحين وسلالة العامّة المتحدّرة من الكلتيين والرّومان المخضعين(16). وهنا نرى أنّ نظريّة أرسطو صارت نظريّةً سلاليّةً، فأهل المواهب العليا، هم أهل المراكز العليا وهم سلالة قائمة بنفسها. ثمّ نشأت نظريّة منلوزيه (Montlosier) القائلة إنّ في فرنسة «شعبين» متحدّرين من السلالات الرئيسيّة الثّلاث، إلا أنّ الواحد من الأحرار والآخر من العبيد.


نظرية العقيدة الآريّة
من جميع هذه النّظريّات لم تنشأ نظريّة واحدة لعبت الدور الّذي قامت به نظريّة الآريّة الّتي قال بها الكنط غوبنو (J. Gobineau 1816-1882) وجمع فيها نظريّتي مولا نفيير ومنلوزيه. فبين سنة 1851 و1855 أتمّ غوبنو وضع نظريّته واستخرج فيها من النّظريّة الإقطاعيّة المشار إليها آنفاً نظريّةً سلاليّةً عامّةً تجعل الجرمانيّ أو الآريّ العاديّ في عداد طبقة الأرستقراطيّة «السّلاليّة» وقيمة الشّخص ومركزه يتوقّفان على مقدار ما في عروقه من الدّم الآريّ(17) .
ومع أنّ غوبنو فرنسيّ فإنّ نظريّته لم تصادف النّجاح التّامّ في فرنسة، ولعلّ السّبب في ذلك يعود إلى كره الفرنسيّين اعتبار مزاياهم مستمدّةً من السّلالة الجرمانيّة إذ في ذلك إقرار بتفوّق الألمان المبغضين ولكنّها انتشرت كثيراً في ألمانية وقعت من نفس القائلين بالجامعة الجرمانيّة موقعاً حسناً. ولم يطل الأمر حتّى أخذ اسم تشمبرلن (Joseph Chamberlain, 1836-1914) الإنقليزيّ يذيع ففاق غوبنو. وهو أكثر من أشاد بذكر التّوتونيّين اندفاعاً وفيه قال غليوم الثّاني [William II, 1888-1914]: «إنّ أوّل من أعلن مجد التّوتونيّين وأشاد بذكره لألمانية الذّاهلة هو تشمبرلن في كتابه، أسس القرن التّاسع عشر(18) ولكنّ ذلك كلّه كان عبثاً كما برهن عليه سقوط الشّعب الألمانيّ(19) .
ولا بدّ لنا هنا من الإشارة إلى أنّ القوّة الّتي اكتسبتها نظريّة «السّلالة الآريّة» استمدّتها هذه النّطريّة من الأدلّة اللّغويّة الخدّاعة. فقد أدّى اكتشاف قرابة اللّغات الآريّة إلى استنتاج أنّ دليل اشتقاق هذه اللّغات من لغة أمّ في الأصل يدلّ أيضاً على تسلسل الأقوام الّتي تتكلّم هذه اللّغات من أصل سلاليّ واحد. واللّغة كانت عند القائلين بالسّلالة الآريّة أهمّ البراهين الّتي استندوا إليها، كما كانت اللّغات السّاميّة من أهمّ البراهين الّتي استند إليه القائلون «بالسّلالة الساميّة». ولا يخفى وهن الاستناد إلى مثل هذا الدّليل، فتكلم عدد من الأقوام لغات مشتقّةً من أساليب لغويّة متوّحدة قد يفيد أنّ هذه الأقوام كانت في بعض الأزمنة الغابرة متقاربةً في الاجتماع أو أنّ «أصولها» كانت تعيش معاً، ولكنّها لا تعني أبداً وجوب كون هذه الأقوام مشتّقةً من أصل واحد أو نشأة سلالة واحدة.


النّظريّات العلميّة العصريّة
إذا تركنا المعتقدات السّلاليّة والنّظريّات المبنيّة عليها جانباً وعمدنا إلى الوجهة العلميّة من الموضوع وجدنا السّلائل البشريّة خاضعةً لعلمين رئيسيّين يتناولانها بالدرس في دوائر اختصاصيّة، هما الإتنلوجية، أو علم الأقوام أو السّلائل البشريّة(20) ؛ والأنتربلوجية، أو علم الإنسان(21) . ومن هذين العلمين يهمّنا في الدّرجة الأولى، تعيين تقسيم السّلائل البشريّة من الوجهة الطّبيعيّة الفزيائيّة، وهو من خصائص علم الأنتربلوجية الحديث أو الأنتربلوجية الفزيائيّة (أنظر هامش رقم 21).

الفوارق السّلاليّة
عرفنا في بداءة هذا الفصل (ص 15 أعلاه) المقصود من لفظة «سلالة» ولفظة «نوع» بالمعنى العلميّ، وبناءً عليه نقول إنّ البشر جميعهم يؤلّفون نوعاً واحداً بالمعنى الطّبيعيّ الحيوانيّ (الزّولوجيّ) ولكنّهم يتقسّمون إلى سلالات متعدّدة تتوارث كلّ واحدة منها صفاتها ومزاياها الخاصة. وما ندخل هنا في أيّ بحث يتناول تعليل حدوث هذا التّقسّم التّنوّعيّ لسببين: أولهّما ـــ أنّه ليس غرض هذا الكتاب التّحقيق في هذا الموضوع المستقّلّ، والثاني ـــ أنّ آراء العلماء وأدلّتهم ليست متّفقةً بهذا الصّدد فيكون الخوض فيه خطراً. ولكنّه لا بدّ لنا في سياق هذا البحث، من أن نعرض لبعض النّظريّات العلميّة في ذلك، من باب التّوسّع الّذي لا يدخلنا في خطر إصدار أحكام عامّة جازمة.
ونبدأ هنا بالقول إنّ معرفة السّلالة وتمييزها عن سّلالة أخرى ينتجان عن فوارق واضحة ثابتة لا يمكن إغفالها، ومن هذه الفوارق الأوليّة اللّون، ولعلّه أوّل الفوارق السّلاليّة الّتي تنبّه لها البشر فنرى حكاية المسعودي المذكورة آنفاً (ص 15 أعلاه) توزّع البشر ألواناً. وحدثت في عصور متأخّرة محاولة لجعل البشر ثلاثة أقسام: سلالات «النّهار» وسلالات «اللّيل» وبينهما سلالات «الغسق» (Daemmerungs - Menschen) (22)، وحتّى الآن لا يزال النّاس ومنهم فريق كبير من الكتّاب يقولون: الجنس الأبيض والجنس الأسود والجنس الأصفر.
ومع أنّ لون البشرة هو من الفوارق الظّاهرة بين الجماعات البشريّة فهو ليس فارقاً سلاليّاً أصليّاً، بل مكتسباً من تأثير البيئة الطّبيعيّة(23) وقد تنبّه لذلك أرسطو وعلى هذا عوّل ابن خلدون(24) وكان قد سبقه إلى ذلك ابن سينا [980-1037م]. فليس اللّون إلا صبغة والبياض نقص الصّبغة(25) وقد ظهر بالبحث والدّرس أنّ البيض ليسوا سلالةً واحدةً لأنّهم جماعات مختلفة الأشكال متباينة القامات وكذلك السّود والصّفر والحمر إلخ. وبناءً عليه لا يعتمد الأنتربلوجيّون العصريّون، في تقسيم النّوع الإنسانيّ، على ظاهرة واحدة فقط، بل على عدّة صفات فيزيائيّة أوّلها وأهمّها مساحة الجمجمة وحجمها وقد اعتمد هدن(26) في ذلك على فوارق الشّعر ولون البشرة والقامة وشكل الرّأس وأوصاف الوجه والأنف والعينين. وعلى ما يشبه ذلك جرى غريفث تايلر(27) في تقسيمه ووصفه الجماعات البشريّة إلا أنّه يعتمد على الدّليل الرّأسيّ أوّلاً للتّقسيم الرّئيسيّ في حين أنّ هدن يأخذ الشّعر مقياساً أوّلياً(28) ، وجمهور علماء الأنتربلوجيا، يعتمدون الدّليل الرأسيّ فارقاً ثابتاً في السّلالات.


نشوء السّلائل وعددها
عرفنا في الفصل الأوّل أنّ الجنس البشريّ نشأ بالتّطور ولكنّ كيفيّة حدوث ذلك لا تزال غامضةً. وحتّى الآن لم يمكن تعيين المكان أو الأمكنة الّتي نشأ فيها الإنسان ولكن يرجّح ميل فريق العلماء القائل بأنّ أواسط آسيا هي مهد البشريّة(29). وقد اختلف العلماء في تعين عدد السّلالات(30) ولعلّ ذلك عائد إلى اعتماد بعض أدلّة أكثر من البعض الآخر. والأمانة لغرض هذا الكتاب تقضي إلا نتوسّع في هذا البحث أكثر ممّا يجب، ولذلك يحسن بنا للتّوفيق بين غرض الكتاب وهذا الموضوع أنّ نقسّم السّلالات البشريّة إلى قسمين: أوليّ (Primitive)؛ ومرتق وهذه الأخيرة هي شعوب آسيا وأوروبّا أصلاً. وهذه الشّعوب مقسّمة بحسب أدلّتهما الرّأسيّة إلى ثلاث سلالات رئيسيّة هي. السّلاليّة الغربيّة (Westic) أو سلالة البحر المتوسّط(31) ، والسّلالة الشّماليّة (Nordic)؛ والسّلالة الشّرقيّة (Ostic) أو الألبيّة والأولى هي ذات الدّليل الرّأسيّ المستطيل 72 ــــ 75، والثّانية ذات الدّليل المتوسّط 75 ــــ 79، والثّالثة ذات الدّليل العريض المفلطح فوق 85(32) . وهذه السّلالات جميعها من السّلالات البيضاء القوقاسيّة(33) .

السّلائل والعقليّات
إنّ السّلالات أمر فيزيائيّ واقع والأدلّة عى وجوده متوفّرة. ومّما لا شكّ فيه أنّ هنالك فوارق بين السّلالات في الارتقاء والتّمدن والاستعداد لهما عند السّلائل الأوّليّة، فالثابت أنّ بعض السّلالات التي ضربت في الأودية الخصبة كوادي النّيل ووادي الفرات ووادي هوانهو أو الأراضي الخصبة كسوريا أنشأت، بما كان لها من الاستعداد، مدنيّات رفيعةً في حين أنّ سلالات أخرى نزلت أودية أميركة الخصبة ولكنّها لم تستفد منها شيئاً ولم تنشىء مدنيّةً تستحقّ الذّكر(34) . وقد يكون ذلك نظراً لعدم اكتمال تطوّرها. ويستثنى من ذلك طبعاً بلاد المكسيك حيث اكتسفت بقايا مدنيّة من نوع راق.
وإذا تركنا السّلالات الابتدائيّة وعمدنا إلى السّلالات الواقعة ضمن نطاق المدنيّة الآسيويّة ــــ الأوروبيّة وجدنا أنّها كلّها قد برهنت عن توفّر مزايا الارتقاء فيها. ومع ذلك فيمكننا أن نجد في كلّ منها ما سمّاه لازرس (Lazaraus) وشتينطال النّفسيّة السّلاليّة(35) وهذا قسم من الدّروس الإتنلوجيّة ــــ النّفسيّة لا يقصد منه درس الظّواهر النّفسيّة في مختلف السّلالات، أي درس الفوارق العقليّة من وجهة نظر السّلالة، بل درس النّفسيّة السّلاليّة كما هي تمييزاً لها عن النّفسيّة الفرديّة. وبديهيّ أنّ لكلّ فرد نفسيّةً أو عقليّةً خاصّةً مستقلّةً ولكنّ ذلك لا يعني أنّها أساس للمقابلة والتّفضيل السّلاليّين. وللسّلالات عقليات مستقلّة موجودة فعلاً ولكن يجب إلا يتّخذ ذلك حجةً للتّمسّك بعقائد تفاضل السّلالات المتمدّنة تفاضلاً أساسيّاً جوهريّاً كما رأينا فيما تقدّم من هذا الفصل (ص 16 أعلاه).
أجل، يجب إلا يستنتج من المميّزات النّفسيّة أو العقليّة أنّ هنالك مواهب عقليّةً سلاليّةً خاصّةً مكتسبةً من الشّكل السّلاليّ ومقتصرةً على السّلالة ومتوارثةً فيها، لأنّ الواقع قد برهن على غير ذلك. فحيث امتزجت السّلالات قديماً، كانت المدنيّة أرقى. وإنّ إسبرطة كانت تمنع الاختلاط مع الأجانب محافظةً على نقاوة دمها ولكنّها كانت في المدنيّة دون أثينة، الّتي كثر فيها الاختلاط الدّمويّ، بمراحل: وإنّ أرسطوطاليس كان يعدّ المكدونيّين المحافظين برابرةً. والإسكندر نفسه كان يرى أنّه يمكن أن يحسب الهلينيّون أنصاف آلهة بالنّسبة إلى رجاله المكدونيّين(36) .
وإنّ الأدلة على عدم صحّة القول بتفوّق إحدى السّلالات الرّاقية في المواهب العقليّة على الأخرى لمتوفّرة. فإذا أخذنا الوجهة الفرديّة ودرسنا تسلسل بعض النّوابغ وجدنا أن لا عبرة بنقاوة السّلالة. فالشّاعر الكبير إسكندر بوشكين [1799-1837] المبدع في الأدب الرّوسيّ القوميّ كان ذا عرق زنجيّ، فقد كان لبطرس الأكبر [1682-1725] قائد زنجيّ رفعته درجة ذكائه إلى مرتبة مهندس المدفعيّة العامّ وصيّرته ذا أملاك واسعة وتزّوج سيّدةً روسيّةً من الأشراف، وحفيد هذا الزّنجيّ هو بوشكين أعظم شعراء روسيا(37). والكاتبان الفرنسيّان الشهيران دوماس [Domas] الأب [1802-1870] والابن كانا ذا عرق زنجيّ(38) .
إنّ نظريّة ضرورة نقاوة السّلالة شرطاً للارتقاء العقليّ وإنشاء المدنيّات واطّراد التّقدّم قدّ أصبحت واهيةً جدّاً، إذا لم نقل فاسدةً بالمرّة تجاه المعلومات العلميّة الحديثة، خصوصاً ما تعلّق منها بالمدنيّات الأولى، فمدنيّة بابل الّتي يعدّها العلماء أو جمهورهم، أولى المدنيّات الّتي أثّرت على سير التّمدّن العامّ نحو الارتقاء لم تكن عمل سلالة واحدة، أو قوم أصفياء، كما كان الظّنّ القديم، بل نتيجة احتكاك واختلاط الشمريّين بالساميّين(39) .


تغيّر السّلائل
علمنا أنّ الإنسان نشأ بالتّطوّر. فهو لم يظهر «إنساناً تامّاً» دفعةً واحدةً، والمرجّح أنّ ارتقاءه حدث من درجة الشّبنّزي إلى درجة الإنسان الحقيقيّ (Homo Sapiens) والتّطوّر أو التّنّوع التّطوّريّ هو التّعليل الأرجح لحدوث السّلالات. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ بعض السّلالات نشأ بامتزاج سلالتين. وبعضهم يعتقد بتحوّل التّركّب البشريّ حسب مقتضيات البيئة الطّبيعيّة والبعض الآخر يقول باستحالة تغيّر السّلالة بعامل البيئة. والّذي نرجّحه أنّ السّلالات البشريّة هي عدّة تطوّرات أو سلسلة تطورّات حدثت في ظروف وبيئات تطوريّة، أي قبل استقرار البيئة الطّبيعيّة على حالتها المعروفة الآن، وقبل أن يكون الارتقاء قد مكّن الإنسان من التّحوّط ضدّ اختلاف البيئات. فإذا كان الأمر كذلك، وهو ما نرجّحه، فقد توافقت نظريّة القائلين بخضوع السّلالة للبيئة والقائلين باستقلال السّلالة عن البيئة. فالسّلالات الحاليّة لا تتغيّر (تغيّراً سّلاليّاً) بانتقالها من الجبال إلى السّهول أو بالعكس، لأنّ تأثير البيئة ليس قويّاً في ظروف الاستقرار الحاليّ ولتوفّر وسائل التّحوّط. ولكن إذا حدثت تغيّرات جيولوجيّة وفلكيّة قويّة فقد تضطرّ الأحياء والسّلائل البشريّة إلى التّطوّر أو الانقراض.
وأمّا تحوّل السّلالات بالامتزاج فليس ثابتاً ولا دليل عليه إلا في حالة امتزاج ذوي الرّؤوس المفلطحة مع غيرهم فيسود التّفلطح(40). ويظهر من أبحاث بواس (F. Boas) في سكّان إيطاليا أن امتزاج السّلالات لا يظهر ميلاً إلى إنتاج سلالة معتدلة جديدة. ففي إيطاليا يظهر شكلان للّرأس بتنوّعات معتدلة لكن بمعدّلات مختلفة، إذ يظهر في الجنوب معدّل دليل وضيع، وفي الشّمال يظهر معدّل دليل رفيع. وبناءً على ذلك يقول بواس:
«إنّ إمكانيّات تنوّع هذين الشّكلين تسبّب ما نراه في وسط إيطاليا من أقيسة وضيعة جدّاً تنتمي إلى الشّكل الشّماليّ، حتّى إنّ كلّ المنطقة تحتوي على مجال واسع للتّباين ظاهر في إمكانيّة تنوّع منّ درجة عالية. فإذا كان يجب حدوث شكل عامّ قياسيّ من الامتزاج فيجب إذاً أن ننتظر مجإلا أقلّ للتنوّع» ويتّفق هذا القول مع اختبارات فن لوشان في تركيا الدّالّة على أنّ في الامتزاج السلاليّ ميلاً خاصّاً إلى العودة إلى أشكال الأصول، لا إلى تشكيل شكل متوسّط (41).


هوامش الفصل الثاني

(1) المسعودي: مروج الذهب، ج 1 ص 51 وبعدها.
وردت "ونقله الخلف عن السلف" في طبعة بيروت: دار صادر، 1965. ج1، ص 41.
(2) هرتس، ص 20.
(3) المصدر نفسه ، ص 20.
(4) المصدر نفسه ، ص 5 ــــ وجوانبه ص 42.
(5) هرتس ص 18.
(6) المصدر نفسه ، ص 2، 3.
(7) المصدر نفسه ، ص 7.
(8) المصدر نفسه ، ص 10.
(9) المصدر نفسه ، ص 12.
(10) ابن خلدون المقدمة، ص 83. [ص93 في طبعة دار الجيل، التي جاء فيها: " وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أنّ السودانيين هم ولد حام بن نوح."].
(11) هرتس ص 12.
(12) حتي، فيليب، ص 84.
(13) خذ مثلاً قول جوان ريبيرو عن الفينيقيّين بناة قرطاضة «إن الشعب (شعب قرطاضة) وهو من سلالة آسيوية، سامية، كان أحط في المدنية من الرومانيين المثقفين في جوار الإغريق الذين أخذوا عنهم الفنون والثقافة إلخ» ريبيرو، ص 113.
(14) هرتس ص 4.
(15) المصدر نفسه، ص 5.
(16) المصدر نفسه، ص 5.
(17) المصدر نفسه، ص 6.
(18) Chamberlain, Foundations of the Nineteenth Century .
(19) هرتس ص 16.
(20) اختلفت مذاهب العلماء في تحديد نطاق هذا العلم الحديث فذهب بعضهم إلى جعل الأقوام أو السلائل البشرية كلها ضمن دائرته، وذهب آخرون إلى وجوب تخصيص هذا العلم بدرس حياة الإنسان خارج حيّز المدنية الآسيوية الأوروبية (انظر شمت ص 16 ــــ 18) وقد قال شتينطال (Steinthal) معرفاً هذا العلم: «إن الإتنلوجية متى قوبلت بالفلسفة والتاريخ كانت درس حياة السلالات التي لا تاريخ لها (أيضاً ص 18). أمّا رتسل (Ratzel) فيقول إن مهمة الإتنلوجية هي «درس حياة النوع الإنساني في جميع مظاهرها» (أيضاً نفس المكان) ويقول أدوار ماير «إن علم مقابلة الإتنلوجية يبحث في أحوال وأنظمة الجماعات التي تجري ضمن دائرتها شؤون الحياة بنظرياتها وعاداتها وتقاليدها متتبعاً إياها إلى أقدم أشكالها» ج 1 ق 1. ص3
(21) قد وردت هذه اللفظة لعدة معان متنوعة متقاربة، فبينا ماير (أيضاً نفس المكان) يعرف هذا ال علم بأنه علم الأشكال العامة للحياة الإنسانية والتطور الإنساني» نجد بعض الكتاب يقصره على الوجهة الفزيائية من درس النوع الإنساني وهذا هو المعنى المفهوم من استعمال هذه اللفظة في أوروبا القارة وخصوصاً في ألمانية بينما معناها في إنقلترا أو أميركة الشمالية يشمل المعنى الأول أي متناولاً ما هو من خصائص علم الإتنولوجية أيضاً (ماكس شمت ص 15).
(22) فن لوشان Papers ص 14.
(23) المصدر نفسه، ص 14.
(24) ابن خلدون، المقدمة ص 84.
(25) «المجلة» (بيروت 8 ع 2) الإشقرار والأغراب وفن لوشان في بحثه المذكور آنفاً وتايلر، ص 34.
(26) هدن، ص 5 (خصوصاً).
(27) تايلر، ص 42، 43 من كتابه نرى قائمة بأسماء بعض العلماء وطرائق تقسيمهم السلائل البشرية.
(28) هدن ص 15 وما يليها.
(29) على هذا المبدأ اعتمد غريفث تايلر في وضع نظريته القائلة بتقسيم السلائل البشرية إلى مناطق إقليمية أبعدها عن أواسط آسيا أشدها تأخراً أو أقلها تطوراً وهذا، طبعاً، يتعلق بالسلالات الأولية فقط. تايلر ص5 (خصوصاً).
(30) هرتس ص 20 يعطي أمثلة مما ذهب إليه بعض العلماء بهذا الصدد.
(31) المصدر نفسه، ص 174 وما يليها. وتايلر ص 1 يقول باشتزاك «المغول» مع الألبيين.
(32) هدن (25 و27 و28) والدليل الرأسي هو نسبة عرض الرأس أو الجمجمة إلى الطول.
(33) علمت مما تقدم أن اللون ليس فارقاً سلالياً أصلياً ولذلك لا يوجد فواصل حقيقية بين البيض وغيرهم إلا الفواصل الإقليمية ففي السلالة الألبية مثلاً (نسبة إلى جبال الألب)، أي سلالة المفلطحي الرؤوس يدخل المغول أنظر أعلاه.
(34) ماير، المقدمة ص 65. ونعلم أن بعض قبائل هنود أميركة الشمالية أدركت وجوب الاعتناء بالزراعة فكانت تأتي بحب الأرز وتزرعه في المستنقعات ولكنها لم تحاول قط ترقية العناية بالزرع فليس هنالك زراعة أو فلاحة بالمعنى الذي نفهمه في مدنيتنا (انظر شمت ص 170) وقبائل البكييري على ضفة الشنقو الأعلى في أميركة الجنوبية تعمد إلى إتلاف الغابات الكثيفة لاستعمال أرضها الخصبة وتكابد في ذلك مشقة عظيمة ولكنها تكتفي من الحراثة بفتح خرق أو شق في الأرض لنزول الحبة وتستعمل لذلك عصا خاصة محددة في أسفلها (المصدر نفسه، ص 12).
(35) شمت ص 28.
(36) هرتس، ص 157.
(37) المصدر نفسه، ص 68.
(38) المصدر نفسه، ص 130.
(39) كيتاني ج.أ ص 159.
(40) كبرس، الكراس عدد 4 ص 13: مجموعات دروس المدرسة الطبية في الجامعة الأميركانية [ الأميركية في بيروت]Golleeted Studies ص 128.
(41) نقل ذلك كبرس وقال إنه يتفق مع ما وصل إليه في نسل خليط من الصفرديم والإشكنازيم اليهود. المصدر نفسه، ص 10.


 

الفصل الثّالث - الأرض وجغرافيتها


أهميّة الأرض للحياة

لو كان بحثنا في فلسفة العلم الطّبيعيّ لكان من حقّ هذا الفصل أن يتقدّم جميع فصول هذا الكتاب لأنّ التّعليل العلميّ يقرّر أو يرجّح، أسبقيّة الأرض على الحياة. فإنّنا لا يمكننا أن نتصوّر تصوّراً أشبه باليقين حياةً شبيهةً بحياتنا وكائنات حيّةً شبيهةً بكائناتنا الحيّة إلا على سيّار شبيه بسيّارنا. والّذي لا شكّ فيه أنّ وجود الأرض (الكرة الأرضيّة من ماء ويابسة) شرط أوّليّ لوجود الحياة الّتي نعرفها والبرّ خاصةً شرط أوّليّ لوجود ذوات الجهاز التّنفسيّ، أي للحيوانات البريّة، وخصوصاً ذوات الأثدية. ومهما يكن من شيء فإنّنا لا نعرف الحياة إلا على الأرض ولا نعرفها تقدّمت إلا بتقدّم الأرض في الصّلاح للحياة.
إذا كانت الأرض شرطاً أوّليّاً للحياة فلا شكّ أنّها إذاً شرط أوّليّ لوجود النّوع الإنسانيّ وبقائه. فليس للإنسان حاجة من حاجات الحياة يستطيع سدّها إلا ممّا هو في الأرض. خذ الغذاء والماء، وهما حاجة كلّ حيّ، فمصدرهما الأرض وما عليها والحياة ليست متوقّفةً على الغذاء والماء فقط، بل هنالك أيضاً درجة الحرارة أو البرودة ومعدّل الأكسجين في الهواء. ومن هذه الوجهة نرى أنّ الأرض، مع كونها وحدةً جوّيّةً مقسّمةً بحسب طبيعتها إلى أقاليم تتنوّع فيها مقوّمات الحياة وتتفاوت، وفي بعضها تنتفي بالمرّة كما في القطبين، فالبرد فيهما يبلغ درجةً لا قبل للإنسان بها، وتتعذّر فيهما الحياة بجميع أشكالها.

الطّبيعة والإنسان
قلنا إنّ الأرض شرط أوّليّ للحياة عموماً. ففيها أو عليها تعيش جميع الكائنات الحيّة الّتي نعرفها. ولكنّنا لو وقفنا عندهذا الحدّ من تقرير علاقة الطّبيعة بالحيوان والإنسان لما كان من وراء ذلك فائدة جديدة في تقدّم مداركنا العقليّة في تفهّم أسباب حياة الحيوان والإنسان.
تختلف علاقة الطّبيعة بالنّبات والحيوان عنها بالإنسان. فالعلافة الأولى علاقة مفردة أو وحيدة الطّرف، فالأرض تعدّ حاجة النّبات والحيوان الحيوية وليس لأحدهما عمل مقصود لتكييف الأرض وإعداد مقوّمات الحياة. خذ الحيوان الّذي هو أقرب إلى الإنسان، فهو لا يعرف إلا سدّ الحاجة مباشرةً أو جمع الغذاء كذلك فإذا وجد في بيئة ما يسدّ حاجته مباشرةً بقي فيها وإلا انتقل إلى غيرها. أمّا علاقة الطّبيعة بالإنسان فهي مزدوجة. ففي الدّرجة الأولى نجد أنّ بيئة الإنسان الطّبيعيّة هي الّتي تمدّه بالموادّ الخام اللازمة له لإرضاء شعوره بالحاجة. وهي في الدّرجة الثّانية مشهد أعماله وسعيه لبلوغ أربه مداورة (غير مباشرة). ومن هذه الوجهة نرى أنّ امتياز الإنسان على الحيوان في سدّ حاجته مداورةً ــــ بإعداد الأدوات للصّيد والقتال والبناء وغير ذلك ــــ جعل علاقته بالأرض أمتن من علاقة سائر الكائنات الحيّة بها، إذ هو يقدر على معالجتها مباشرةً فحيث لا نبات صالح لغذائه يحفر في الأرض وينقب ويزرع. وحيث بعض الحبوب والنّباتات واللّوم لا تصلح لتناولها مباشرةً يعمد الإنسان إلى معالجتها بالطّبخ والشّيّ. فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها. وإلى هذه العلاقة المتينة يعود تفوّق الإنسان على بقيّة الحيوانات في تنازع البقاء. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة. وفي الوقت الّذي يسعى هو لتكييف الأرض لتوافق حاجاته الحيويّة يجد نفسه مضطرّاً لتكييف حاجاته حسب خصائص الأرض النّازل فيها.

أهميّة البيئة للإنسان
قلنا إنّ الأرض مقسّمة بحسب تكوّنها إلى أقاليم وبيئات ولكلّ إقليم خصائص تختلف عن خصائص الإقليم الآخر، ولكلّ بيئة خصائص تتميّز عن خصائص البيئة الأخرى. وهذه الخصائص هي الّتي تعيّن وجهة تقدّم الإنسان في سدّ حاجاته مداورة ــــ أي مدنيّته. بل إنّ البيئة هامّة لتقدّم الإنسان بقدر ما هي الأرض عموماً هامّة لحياته. ولمّا كانت البيئة جزءاً من الأرض فهي هامّة لحياة الإنسان أيضاً. فمن جميع الموادّ الّتي يتطلّبها الإنسان لحياته لا توجد مادّة واحدة تمدّ الطّبيعة بها إمداداً مستمرّاً في كلّ مكان بشكل يسدّ حاجة الحياة مباشرةً أو مداورة. وهذا ينطبق حتّى على الهواء، فالمرتفعات العالية جدّاً كجبال الأندس في أميركة وجبال آسيا الوسطى تبلغ من العلوّ طبقةً من الهواء يقلّ فيها الأكسجين عن المقدار الضّروريّ للحياة والعمل، فالتّنفّس فيها صعب ومتسلّقها لا يلبث أن يسقط فريسةً «دوار الجبل». ولمّا كان الإنسان يتميّز عن الحيوان بسدّ حاجاته مداورة، أي بالعمل بالأدوات لإعداد الحوائج، فالبيئة الطّبيعيّة من الأهميّة في المكان الأوّل، لأنّها هي الّتي تمدّه بالموادّ الخام اللّلازمة لصنع أدواته وإعداد معدّاته.

البيئة والجماعة

إنّ تقسّم الأرض إلى بيئات هو السّبب المباشر لتوزّع النّوع البشريّ جماعات. فالبيئة كانت ولا تزال تحدّد الجماعة، لأنّ لكلّ بيئة جغرافيتها وخصائصها، كما مرّ بك. فلو أنّ الأرض كانت سهلاً منبسطاً في درجة واحدة من الحرارة والرّطوبة، خالياً من الحدود الجغرافيّة من صحارى وجبال وأنهار وبحار، لكان من البديهيّ أنّ يؤدّي انتشار النّوع البشريّ فيها إلى إنشاء جماعة واحدة كبيرة. ولكنّ الحدود الجغرافيّة الطّبيعيّة جعلت انتشار الإنسان في الأرض موافقاً للبيئات الجغرافيّة، الّتي لولاها لما استطعنا تفسير ظواهر المدنيّات المختلفة.
تحدّد البيئة الجماعة من عدّة وجوه.
أوّلها: حدود الإقليم الجغرافيّة.
ثانيها: طبيعة الإقليم من حيث نوع تربته ومعدّل درجة حرارته ورطوبته.
ثالثها: شكل الإقليم (طبّغرافيته) من حيث سهوله وجباله وأنهاره. فالحدود الجغرافيّة تضمن وحدة الجماعة، لأنّها تجمعها ضمنها، وتكون العامل الأوّل في المحافظة عليها، لأنّها الحصون الطّبيعيّة في وجه غزوات الجماعات الأخرى(1).
ونحن نرى ذلك، لا في المجتمعات الأوّليّة فقطّ، بل في الأزمنة التّاريخيّة أيضاً. فلولا جبال الألب الفاصلة بين بلاد الجلالقة (فرنسة) وإيطاليا، لما كان أصاب جيش هاني بعل (هاني بال) أعظم نابغة حربيّ في كلّ العصور وكلّ الأمم، ما أصابه من التّشتّت والضّعف حين زحف على رومة. ولولا هذه الجبال نفسها لما وجد أخوه القائد الباسل حسدرو بعل نفسه في ذلك المأزق الحرج الّذي انتهى بقتله وتقرير مصير قرطاضة. وطبيعة الإقليم تميّز الجماعة بما تكسبها من لون وشكل وبما تمدّها به من الموادّ الخام لسدّ حاجاتها الحيويّة من غذاء وكساء وبناء وأدوات. فمدنيّة الجماعة المستقلّة مستمدّة من بيئتها لأنّ الاستنباط والتّكييف يجب أن يكونا ملازمين لخصائص البيئة الطّبيعيّة، موافقين لها. فلا يمكن، مثلاً، أن تكون العجلة الّتي كان اختراعها خطوة كبيرة في ارتقاء التّمدن، قد استنبطت في الصّحراء، لأنّ استنباطها يقتضي وجود أخشاب صلبة كالسّنديان وغيره ممّا لا وجود له في الصّحراء. وهي لا يمكن أن تنتشر بجميع أشكالها في الصّحراء، لأنّها لا توافق خصائص رمالها.
وإنّ من الأمور المقرّرة الّتي قد تبدو غريبةً ولكنّ غرابتها لا تمنع من أن تكون واقعةً، أنّ المادّة تعيّن الشّكل، فمّما لا شك فيه أنّ لكلّ مادّة خصائص من شكل وحجم وصلابة تعطي صفات معيّنةً للأبنية والأدوات المصنوعة منها. ونتيجة ذلك أنّ الموادّ الّتي تستمدّها النّزالات البشريّة من بيئاتها وتستعملها في أغراضها تحمل طابع بيئاتها، فيكون لكلّ بيئة موادّها المتشكّلة بأشكال خاصّة توافق طبيعتها وتزيد في خصائص مظهر برّيّتها كما تزيد منازل اليابان الخشبيّة في خصائص مظهر برّيّتها، وإنّ الذوق الصّينيّ واليابانيّ في البناء، الّذي يطبع مدنيّة هذين الشعبين بطابع خاصّ في أشكال منازلهم، عائد بالأكثر إلى أنّ اختبارهم في البناء والتزّيين كان في الخشب المستخرج من أشجارهم الكثيرة. وويدال دلابلاش يعطينا صورة من توافق الأبنية الخشبيّة المصنوعة من موادّ الشّجر الدّائم الاخضرار والبيئة الطّبيعيّة في اليابان(2). أمّا في الأقسام الجديبة من بلاد الكلدان وشوشان ووسيستان وآسيا الوسطى فالقرى والمدن أيضاً قد بنيت من الطّين واللّبن فقط(3).
وهكذا نرى الجماعات البشريّة قد تأثّرت كلّ جماعة منها بموادّ بيئتها وجرت على أساليب توافق طبيعة هذه البيئة، فتنوّعت أساليب الجماعات ومجاري حياتها، حسب تنوّع بيئاتها. وهكذا نرى أنّ تاريخ علاقة الجماعة بالأرض، المستمدّ من «الجلالي» المغروسة بأصناف الفاكهة والسّهول المزروعة بأنواع الحبوب هو غير التّاريخ المستمدّ من الصّحراء القاحلة والأراضي الجديبة.
ولشكل الإقليم تأثير عظيم في تمييز الجماعات بخصائص مادّيّة ومعنويّة. فليس المناخ، أو طبيعة الجوّ فقط، العامل الوحيد في تكييف الإنسان، فالتّربة وشكل الإقليم ــــ أشكال الأديم فضلاً عن ترابط اليابسة والماء ــــ هكذا البيئة الّتي تؤثّر على الإنسان(4). فالبيئة الجغرافيّة المؤلّفة من سهل منبسط فسيح تكسب جماعتها تجانساً قويّاً يختلف في نوعه عن تجانس أهل البيئة المؤلّفة من جبال. والتّجانس في هاتين البيئتين يختلف اختلافاً قويّاً عن التّجانس الّذي أسميّه «التّجانس التّنوّعيّ» الناتج عن بيئة جعرافيّة متنوّعة الأديم من سهل وجبل وساحل.
وقد أشرنا في الفصل السّابق (ص 22 أعلاه) إلى تأثير البيئة الطّبيعيّة على لون البشرة، ونزيد هنا أنّ تأثير البيئة الطّبيعيّة في أشكال الهيئة غير السّلاليّة تأثير قويّ جدّاً فقد ذكر بواس(5) أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناءً على أنّ لكلّ عضو «حدود سلامة» يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة، فيتّخذ الهيئة الّتي تتطلّبها عوامل البيئة دون أن يفقد خصائص وظيفته. فإذا جئنا بشخصين متباينين إلى بيئة واحدة فقد يتشابهان في الإجابة العضويّة عل المحرّضات البيئيّة حتّى إنّه قد يتراءى لنا حدوث تشابه اشكال تشريحيّة متميّزة ناتج عن البيئة، لا عن التّركّب الدّاخلي.
نرى ممّا تقدّم أنّ البيئة تعدّ الفوارق الشّكليّة أيضاً للجماعات البشريّة وأنّ التّرابط بين الجماعة والبيئة في أنواع الحياة وفوارق الأشكال ومميّزات العمران والاتجاه التّمدنيّ، متين جدّاً.

البيئة وشخصيّة الجماعة
وإنّ من أهمّ مؤثّرات البيئة أو الأرض في تمييز الجماعات أنّها أهمّ عامل في تكوين «شخصيّة الجماعة». والسّبب في ذلك هو الارتباط الوثيق المولّد حقّ الوراثة واستمرار التّشابه الشّكليّ الّذي تكلّمنا عنه آنفاً. فلنتكلم الآن على الوجه الأوّل من هذا السّبب.
إنّ تأثير امتلاك أرض أو عقار في شخصيّة الممتلك شديد جداً، بل إنّ الأرض أو العقار جزء من شخصيّته. إذ لولاه لكانت طريقة معاشه، ومرتبته ونوع حياته على غير ما تكون عليه مع هذا الجزء. وإذا استمرّ العقار في العائلة بحكم الوراثة صار جزءاً من شخصيّة العائلة، به يثبت مركزها ويحفظ مقامها. ومن هذا نستنتج أنّ الملك قد يكون أهمّ ما في الشّخص المالك، بل أهمّ منه، لأنّ الشّخص زائل والملك هو الباقي على التّوارث. فإذا كان رجل يملك أرضاً زراعيّةً، مثلاً، تكفيه وعائلته، كانت شخصيّته ورتبته الاجتماعيّة موقوفتين على ما يملك حتى إذا زال من يديه تغيّرت شخصيته ورتبته. هكذا، مثلاً، حدث لأمراء الرّوس حين جرّدتهم الثّورة البلشفيّة [1917] من أملاكهم فخرجوا إلى العالم سائقي سيارات وخدماً بعد أن كانوا أمراء. وهكذا الجماعات شخصيّاتها مرتبطة بالأرض الّتي تملكها ارتباطاً وثيقاً، بل قوام شخصيّاتها البيئة ــــ الوطن.

البيئة وتاريخ الجماعة
من الحقائق المقرّرة علميّاً وقام عليها البرهان الاختباريّ أنّه يستحيل نشوء جماعة زراعيّة حضريّة في الصّحراء. وفي حين أنّ الوادي الخصيب يدفع الجماعة إلى الفلاحة والزّرع، فهو ليس صالحاً، عادةً، لإقامة البدو. وإذا كنّا نرى في هذه الحقيقة برهاناً على أهميّة الأرض الأساسيّة في تمييز الجماعات البشريّة، فإنّنا نرى من الوجهة الأخرى أنّه لا بدّ للأرض من جماعة مؤهّلة للاستفادة منها. فحيث كانت الأرض خصبةً والجماعة البشريّة عديمة الخبرة في الأرض لم ينشأ عمران، كما هو الواقع في أودية أميركة الخصبة الّتي ظلّت عديمة العمران إلى أن جاءت أميركة أقوام جديدة راقية في خبرتها بطبيعة الأرض واستعدادها للاستفادة منها(6) . ومن هذا نستنتج أنّ الطّبيعة والجغرافية هما الطّبقة الدّاخليّة في تاريخ حياة الإنسان، فمع أنّهما تميّزان الجماعة تمييزاً واضحاً فإنّهما، فيما يختصّ بتاريخ الجماعة، لا تقدّمان الاضطراريّات إلا نادراً وفي حالات استثنائيّة ولكنّهما تقدّمان الإمكانيّات(7). إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي، مع أنّها تتأثّر كثيراً بعامل البيئة، إمّا أن تستفيد من القاعدة الطّبيعيّة، شأن الجماعات الرّاقية، وإمّا أن تهملها عى حسب استعدادها وإرادتها. وإذا عدنا هنا إلى ما أثبتنه في بداءة هذا الفصل (ص 23) فالقاعدة الّتي يمكننا أن نستخرجها من هذا البحث هي: لا بشر حيث لا أرض ولا جماعة حيث لا بيئة ولا تاريخ حيث لا جماعة.


هواش الفصل الثالث

(1) يصور كميل جوليان في كتباه تاريخ بلاد الجلالقة هذه البلاد »منطقة فسيحة.. ذات حقول محروثة في الوسط، مصونة على أهدابها بحواجز متلاصقة أما من غابات أو مستنقعات» نقله لا بلاش، ص 62.
(2) المصدر نفسه، ص 239 وفي كولومبيا البريطانية نجد مدنيتها القديمة قائمة على الخشب. فمنه المنازل والأدوات جميعاً. وفي النزل أو الفنادق المدلول عليها بأنصاب خشبية أمامها لا يعرف الخزف، فالطعام يطهى في مواعين خشبية على أحجار محماة. المصدر نفسه، ص 207.
(3) المصدر نفسه، ص 245.
(4) المصدر نفسه، ص 459.
(5) بواس ص 47.
(6) مير ج. 1، ق 1. ص 65.
(7) المصدر نفسه، ص 66.


 

الفصل الرّابع - الاجتماع البشريّ

 
اجتماعيّة الإنسان وقدمها
مهما يكن من أمر النّظريّات المتعلّقة بنشوء الإنسان وهل حدث ذلك ابتداءً من حالة قرديّة كانت درجةً من درجات ارتقائه، أم أنّ القرديّة حالة منحطّة تفرّعت من حالة التّطوّر نحو البشريّة(1) ، فمّما لا شكّ فيه أنّ الإنسان يقع من الوجهة الإحصائيّة، في جدول الحيوانات المتجمهرة أو المتجمّعة، أو هي الأنواع الحيوانيّة الّتي يعيش أفرادها جماعات (كالنّحل والنّمل والوعول والغزلان والذّئاب والغنم وغيرها). فالاجتماع صفة ملازمة للإنسان في جميع أجناسه، إذ إنّنا حيثما وجدنا الإنسان وفي أيّة درجة من الانحطاط أو الارتقاء وجدناه، وجدناه في حالة اجتماعيّة. وهكذا نرى أن المجتمع هو الحالة والمكان الطّبيعيّان للإنسان الضّرورّيان لحياته وارتقائها.
ولمّا كنّا لم نجد الإنسان إلا مجتمعاً ووجدنا بقايا اجتماعه في الطّبقات الجيولوجيّة أيضاً، فنحن محمولون على الذّهاب إلى أنّ الاجتماع الإنسانيّ قديم قدم الإنسانيّة، بل إنّنا نرجّح أنّه أقدم منها وأنّه صفةً موروثة فيها(2) . نرجّح ذلك، حتّى في حال ثبوت قرابة الإنسان والشّمبنزيّ(3) .
وإذا كان الإنسان يقع، من الوجهة الإحصائيّة، في جدول الحيوانات المتجمهرة، فلا يعني ذلك بوجه من الوجوه أنّ بينه وبين الحيوانات والحشرات المذكورة قرابةً اجتماعيةً تمكّن من استخراج أقيسة عامّة تطبّق على كلا الحيوان والإنسان، كما ظنّ ويظن عدد من الكتّاب الاجتماعيّين وغيرهم. وإنّ منّ أكبر الأخطاء الّتي وقع فيها هؤلاء الكتّاب محاولتهم تطبيق أحوال المجتمع الإنسانيّ على مظاهر تجمهر الحيوانات والحشرات واتّخاذ قواعد اجتماعيّة من هذا التّجمهر ومظاهره. وإذا كان في أنواع حياة الحيوانات والحشرات المتجمهرة شيء ذو فائدة للإنسان فليس ذلك في واقع التّجمهر بل في الحقائق الأخرى الّتي نتوصّل إليها بالدّرس في جميع الحيوانات والحشرات، سواء أكانت من المتجمهرة أم من غيرها، ففي الحياة سنن عامّة تجري على الأجسام الحيّة كلّها. على أنّ في المتجمهرة منها فائدةً أخصّ، وسنلمّ بذلك فيما يلي:

وجهة الاجتماع البيولوجيّة
إذا وجّهنا نظرنا إلى عالم الحشرات والحيوانات الدّنيا ودرسناه من الوجهة البيولوجيّة بتدقيق، وقفنا على حقائق كبيرة الأهميّة والفائدة. ذلك ما نلاحظه من أنّ الحيوانات أو الحشرات الّتي لا تعتني كثيراً ببيوضها أو خليّات توالد حياتها تضع من هذه الخليّات عدداً كبيراً وأنّ القاعدة هي أنّ يقلّ عدد البيوض بالنّسبة إلى ازدياد العناية بالإنتاج(4). وهذه الحقيقة تجعلنا نفهم الشّيء الكثير من أسباب تصرّف الحيوانات والحشرات الّتي هذا شأنها. والملاحظة الثّانية تفيدنا في فهم أنواع الحياة الاجتماعيّة للحشرات والحيوانات الدّنيا. إنّ دور الذّكر في حفظ النّوع ينتهي عادةً باللّقاح الّذي لا يزيد، غالباً، على مرّةً واحدة وبعد ذلك لا يكون للذّكر أدنى أهميّة في العناية بالنّتاج(5). وإذا كان الإنسان يتّفق وسائر الحيوان والكائنات الحيّة في مبدإ المحافظة على النّوع وخدمة النّسل فإنّ ظروف تطبيق هذا المبدإ عند الإنسان تختلف عنها عند الحيوان. وإنّ الحشرات والهوامّ الّتي تتّخذ عادةً أمثلةً للاجتماع كالنّمل والنّحل تختلف عن الحيوانات العليا والإنسان بغرائزها البيولوجيّة. فإنّ أفراد جماعات النّحل والنّمل فاقدة الحيويّة الجنسيّة واجتماعها حول ملكاتها إنّما هو تجمهر مقيّد بخاصيّة حفظ النّوع فقط.
نرى أيضاً من متابعة درسنا عالم الحشرات والحيوانات الدّنيا من الوجهة البيولوجيّة أنّ هنالك أنواعاً من الزّنابير تجري في حياتها على أسلوب فرديّ مطلق. وحين ندقّق في هذه الظاهرة الّتي تخالف ظواهر النّحل يتّضح لنا أنّ السّبب هو في حيويّة هذه الزّنابير الجنسيّة، فإنّ اكتمال جهازها الجنسيّ هو السّبب الظّاهر الوحيد الّذي نستطيع بواسطته تعليل حياتها الفرديّة، كما أنّ ضمور الجهاز التّناسليّ في النّمل والنّحل هو أقوى عامل في تجمهرها حول ملكاتها وبيوضها.
ولسنا نطيل الشّرح في موضوع يبعدنا التّوغّل فيه عن متّجه هدفنا في هذا الكتاب ونحن ما عرضنا لبعض نواحي الاجتماع الحيوانيّ البيولوجيّة إلا لنوضح بالدّليل والأمثلة أنّ الاجتماع في الكائنات الحيّة أنواع، لكلّ نوع منها خصائص لا تتعدّاه إلى نوع آخر وأنّ تطبيق الاجتماع الإنسانيّ على مظاهر التّجمهر في الحشرات والحيوانات الدّنيا أو بالعكس غلط فادح سببه جهل مرتكبيه العوامل البيولوجيّة المختلفة في أنواع الاجتماع المختلفة.
وسواء أكان الاجتماع البشريّ موروثاً من اجتماع سابق الطّور البشريّ أم حادثاً بعد نشوء البشريّة، فما يهمّنا منه أنّه أمر واقع ملازم للبشريّة وأنّ خصائصه ملازمة لخصائص الإنسان حتّى إنّه يستحيل تطبيق مقاييس اجتماع الحيوان ونظمه عليه ويمتنع كلّ وجه لجعل الاجتماع الحيوانيّ قياساً له.

تباين اجتماع الإنسان والحيوان
رأينا في درسنا وجهة الاجتماع البيولوجيّة أنّ خاصّيّة حفظ النّوع هي أظهر خصائص اجتماع الحشرات الحيوانات الدّنيا. ويمكننا أن نضيف إليها خاصّيّة الغذاء الّتي تكاد تكون، أو هي بالحقيقة، عملاً مطاوعاً للخاصّيّة الأولى وضروراتها، إذ إنّنا نجد في أنواع حياة بعض أجناس الزّنابير وغيرها من الهوامّ أنّ الأفعال الدّماغيّة وما ينتج عنها من الأعمال كالسّعي في طلب الغذاء والاعتناء بالنّتاج تزيد وتنقص في الحيوان الجنسيّ (الملكة) وفاقاً لنقص أو زيادة أسباب العناية بالنّتاج (أي نقص عدد العمّال أو زيادته وما إلى ذلك من نقص الغذاء وتوفّره)(6).
نلاحظ أيضاً في الحشرات المنشئة الدّول ظاهرةً أخرى جديرةً بالاعتبار هي كون «الملكة» في هذه الحشرات أقلّ نمواً في دماغها من العمّال أو أنّ هؤلاء أكثر نموّاً في الدّماغ من تلك(7). وعليه يكون هذا التّجمهر الدّوليّ مؤلّفاً من ملكة، يندر أكثر، زائدة النّموّ في الجهاز التّناسليّ، ومقصّرة في نموّ الدّماغ، وعمّال (والأصحّ عاملات) مقصّرين في نموّ الجهاز التّناسليّ وممتازين بنموّ الدّماغ.
أمّا الإنسان فمع أنّنا لا ننكر نصيب عوامل حفظ النّوع في اجتماعه، فإنّ اجتماعه لا يصحّ أن يقابل بتجمهر الحشرات لعدم صحّة أسباب هذا التّجمهر عليه. فالحيويّة الجنسيّة في كلّ إنسان تتكفّل ببقاء النّوع كما تكفّلت وتتكفّل به حيويّة الغورلّا في معيشته الإفراديّة أو الازدواجيّة. فالإنسان غير مضطرّ بطبيعة الحال الفيزيائيّة وغيرها إلى التّجمهر لإقامة النّسل. وليس هو في عداد الحيوانات الّتي هي من الضّعف وانعدام وسائل الدّفاع بحيث يكون التجمهر وكثرة النّتاج أقوى أسباب بقائه، فإنّ خصائص الإنسان الفيزيائيّة، كانتصابه على قدميه الّذي أطلق ليديه حريّة الاستعمال، تؤهّله للانفراد أو الازدواج في حفظ نوعه بما تجعل له من الامتياز والأرجحيّة على خصومه. فليس الاجتماع البشريّ، إذن، من الضّرورات البيولوجيّة لحفظ النّوع وفاقاً لطبيعة الحال، كما هو شأن الحشرات المتجمهرة.
وإذا تركنا الوجهة البيولوجيّة وعمدنا إلى الفوارق الاجتماعيّة البحتّة وجدنا في الاجتماع الإنسانيّ ظاهرتين مفقودتين في غيره، هما استعداد الفرد لبروز شخصيته واكتساب الجماعة شخصيّتها الّتي تكوّنها من مؤهّلاتها الخاصّة وخصائص بيئتها. وهاتان الظّاهرتان الأساسيّتان اللّتان تميّزان الاجتماع البشريّ تمييزاً شديداً بخصائصهما لا وجود لهما في عالم الحشرات والحيوانات الدّنيا، ولا في عالم الحيوانات العليا، فلا النّمل والنّحل والغنم والذّئاب ولا ما هو فوقها كالقرود لها شيء من خصائص هاتين الظّاهرتين. بل هنالك الفارق الأساسيّ الأوّليّ الّذي يجعل لأعمال الإنسان وللاجتماع البشريّ صفةً مستقلّةً تبطل كلّ مقابلة «اجتماعيّة» بين الإنسان والحيوان، هو ظهور الفكر الّذي له كلّ الأهميّة في الحياة والاجتماع الإنسانيّين. ولا يبطل هذا ما قلناه من أنّ درس تجمهر الحيوانات وخصائصه يكون ذا فائدة كبيرة للإنسان ومجتمعه، ولكنّ هذه الفائدة لا تحصل إلا بالدّرس الدّقيق الّذي يكفل تعيين هذه الفائدة. وأما اتخاذ ظواهر التّجمهر والتّجمّع أساساً لبناء أحكام عامّة تطلق على كلا التّجمهر الحيوانيّ والاجتماع الإنسانيّ فكثيراً ما لا يكون من الفائدة في شيء بل قد يكون على العكس.
إنّ الفائدة المعيّنة الأساسيّة الّتي يمكن استخراجها من درسنا حياة الحيوان الاجتماعيّة وغير الاجتماعيّة هي في علاقة هذا بالمحيط وفي أنّ أفعاله ناتجة عن تفاعل ثلاثة أضلاع هي: الجسم ــــ النّفس (الدّماغ) ــــ المحيط (أو سمّها غير هذه الأسماء إذا شتت أو استسهلت ذلك لنوع البحث أو العلم الّذي تريده). فإذا كانت حياة الحيوانات المتجمهرة تجري ضمن هذا المثّلث، فحياة الإنسان أيضاً تجري ضمنه. ومن تطبيق هذا الأساس الواحد على كلا الإنسان والحيوان نتوصلّ بالاختبار إلى تعيين الفوارق الجوهريّة بين الحياتين. وهي الفوارق في كيفيّة فهم المحيط من الوجهة النّفسيّة. ففهم المحيط من هذه الوجهة، فيما يختصّ بالظّواهر النّفسيّة كالوعي والإحساس والإرادة والفكر والتّصوّر وما إليها، ليس ممّا يمكن استكشافه في الحيوان. وهي هذه الظّواهر الّتي لها كلّ الأهميّة في حياة الإنسان الاجتماعيّة ــــ في فهم الإنسان محيطه. وهكذا نرى أنّ موضوع استكشاف علم الاجتماع يختلف في الإنسان عنه في الحيوان.
ولقد حملت مظاهر الحيوان الاجتماعيّة المشابهة لمعاني ظواهر اجتماعيّة إنسانيّة، كالاستبداد والتّعاون والتّفاهم والرّقص واللّعب والتّملّك والتّقليد وغيرها، بعض الاجتماعيّين والاجتماعيّين القدماء على التّكلّم عن حياة الحيوان الاجتماعيّة بالاصطلاحات المستعملة للتّعبير عن حياة الإنسان الاجتماعيّة. والحقيقة أنّه لا مبرّر لاعتبار مظاهر من عالم الحيوان معادلةً لمظاهر عالم الإنسان، وإيجاد علاقة بين تلك وهذه عن طريق بعض المشابهات الظّاهريّة العامّة، واتّخاذ ذلك أساساً لإيضاحها أو للتّحدّث عنها، فيما يختصّ بالإنسان، كما عن شيء واضح من الوجهة البيولوجيّة. فاتّخاذ الأمثلة الاجتماعة للإنسان من الحيوان يجب أن يكون على العكس، أي من الإنسان للحيوان، فمظاهر كثيرة في عالم الحيوان الاجتماعيّ تشبه نوعاً مظاهر من عالم الإنسان الاجتماعيّ. ولكن كم هو عظيم مبلغ الرّضى والاقتناع الّذي يصاحب قولنا: «وهذا تجده أيضاً في الحيوان»، فما شأن هيأتنا الاجتماعيّة وثقافتنا وما إليهما إذا كانت هيئتنا الاجتماعيّة ليست إلا تطبيقاً لأمثلة مأخوذة من عالم الحيوان؟

توزّع البشر ونشوء الجماعات
نعرف من الحقائق العلمّية الّتي نتوصّل إليها بالبحث المتواصل أنّ البشر وجدوا في جميع مناطق الأرض الجغرافيّة الصّالحة لمعيشتهم ما خلا أميركة وأستراليا منذ الأزمنة المتطاولة في القدم، في طور الإنسان الأوّل الوحشيّ.
فالبقايا البشريّة الّتي اكتشفها علماء الهلك(8) في مختلف أنحاء البسيطة، كإنسان الصّين وإنسان جاوى وغيرهما، تقيم الدّليل على ذلك. ونستنتج منه وممّا يقدّمه لنا علماء الإنسان والسّلائل البشريّة أنّ البشر «توزّعو» سلائل نشأت أو تكوّنت وفاقاً لأحوال خاصّة سواء أكان حدوث هذا التّوزّع وفاقاً لما يذهب إليه بعض العلماء، ومن جملتهم غريفث تايلر، من أنّه كان من أواسط آسيا على قاعدة تطوّر سلائل لاحقة لا تلبث أن تدفع السّلائل السّابقة نحو الأطراف، أم وفاقاً لنظريّات أخرى كالنّظريّة القائلة بتكوّن السّلائل بتأثير الانعزال في بيئة معيّنة على ممرّ الحقب، أو كالأخرى القائلة بأنّ الإنسانيّة الأوّليّة كانت مؤلّفةً من سلائل متميّزة اكتسبت صفاتها الفيزيائيّة الثّابتة في الأزمنة القديمة جدّاً وأصبحت لا تقبل التغير مهما طرأ عليها من الانتقال والاختلاط. وبهذا يقول جمهور من العلماء الأنتربلوجيّين والجغرافيّين كدي لا بلاش(9) وكبرس(10) وغيرهما. وهذه النّظريات تجعل التّوزع مذهباً علميّاً تتوفّر له الحجج، خصوصاً متى درسنا جغرافيّة السّلائل (Ethnographie) (Y) وأدركنا منها مدى انتشار السّلائل البشريّة على وجه البسيطة.
في ذلك الطّور الأوّليّ الوحشيّ كنت القرابة الدّمويّة الوسيلة الأوّليّة لتطبيق المبدإ الاقتصاديّ للاجتماع ـــ مبدإ التّعاون على تحصيل القوت. فقد كان الإنسان في ذلك العهد صيّاداً يقتات من صيده ويرحل في أثر الحيوانات الّتي يستسهل صيدها ويستحسن طعم لحمها. فضرب في الآفاق جماعات ــــ عشائر وقبائل ــــ تربط كلّ جماعة منها رابطة الدّم الّتي، ما دامت العامل الأوّليّ الهامّ في تحقيق الرّابطة الاجتماعيّة الاقتصاديّة، لا تسمح باتّساع الجماعة وتعاظمها، لأنّه مع الاتّساع والتّعاظم تتراخى الرّوابط الدّمويّة وتفقد حيويّتها. لذلك كانت العشائر أخصّ من القبائل والقبائل منتهى ما تحتمله الرّابطة الدّمويّة.
ضربت الجماعات البشريّة في الآفاق، الأمر الّذي أدّى إلى انتشار السّلائل قبائل بعدت فيما بينها الشّقة، وتراخت ما بينها أواصر الاجتماع لانعدام الغاية الاقتصاديّة منه، ولعدم فائدة القرابة الدّموية في حاجة من حاجات الحياة من جرّاء استحالة التّضافر والتّعاون باختلاف البيئات وبعد المسافات. وتوالت الارتحالات الكبيرة والصّغيرة واستمرّت وتعدّدت وجهاتها واختلفت. وحيث دفعت قبائل سلاليّة إلى مكان قصيّ اعتزلت فيه، حافظت على نقاوة دمها ورجح أن تبقى من الارتقاء عند الحدّ الّذي بلغته قبيل اعتزالها، مدةً طويلةً من الزّمن على الأقلّ.
وكان من وراء هذه الارتحالات أنّ جماعات سلاليّةً تبعت جماعات أخرى، أو قابلتها ونزلت قربها وصادمتها واحتكّت بها. وغلب في الجماعات المنحطّة أو الأوّليّة أو البربريّة أنّها حافظت على نقاوة دمها، لأنّها، لانحطاطها، لم تكن تفقه رابطةً اجتماعيّةً غيرها. إلا أنّ هذه الجماعات كانت، لنموّها وبداءة مدنيتّها تعجز عن معالجة هذا النّموّ بطريقة تحافظ على وحدة الجماعة وتضطرّ إلى الانقسام عشائر وقبائل. فحيث اعتزلت الجماعات السّلاليّة وانتحت ناحيةً من أرض فصلت العوامل الجيولوجيّة بينها وبين غيرها، كما يرجّح أن يكون الواقع فيما يختصّ بأسترالية وأميركة(11)، استطاعت الجماعات السّلاليّة أن تتطوّر اجتماعيّاً على هذا النّمط دون أن تتعرّض تعرّضاً خطراً للاصطدام أو الاحتكاك بعضها ببعض بحيث يكثر المزيج الدّمويّ، وتفقد الجماعة وحدتها السّلاليّة الدّمويّة. أمّا حيث سهّلت العوامل الجيولوجيّة والجغرافيّة توالي الارتحالات والنزول في بقاع الأرض الخصبة وتقارب الجماعات، كما هو الحال في آسية وأوروبّة، فإنّ الجماعات السّلاليّة لم تلبث أنّ تلاصقت واحتكّت بعضها ببعض وتمازجت بعامل الثّبات في الأرض والعكف عليها الّذي هو أصل العمران وسبب المدنيّة، بل هو الحال في إفريقية وأرخبيل «بولنيسيا» بل وفي أميركة أيضاً. ففي إفريقية نشرت قبائل البنطو لغتها فوق ثلثي طول إفريقيا (40 عرضاً)، في مدّة قصيرة من الزّمن(12). قبائل الماليانيّين البولنيسيّين انتشرت فوق كلّ المساحة العظيمة المؤلّفة من 210 طولاً و80 عرضاً(13) .
وإذا بحثنا في عوامل الامتزاج وجدنا بينها عاملين بارزين هما الزّواج الخارجيّ والحرب. والزّواج الخارجيّ هو عادة تحريم تزاوج الجنسين في القبيلة الواحدة وجعله بين رجال قبيلة ونساء قبيلة أخرى. بل هو أكثر من عادة، إنّه من شروط شرف الأخلاق(14). فإذا دفعت عوامل المهاجرة قبائل من سلالتين أو ثلاث في جهة واحدة حتّى تلاصقت وتفاعلت، إمّا بالحرب وإمّا بتبادل المنتوجات والزّواج الخارجيّ، حصل الاختلاط الدّمويّ وابتدأ نشوء الجماعة المطلقة مع الإقامة بالأرض.
نستنتج ممّا تقدّم من هذا الفصل أنّه إذا كان سياق نشوء البشر والسّلائل البشريّة قد جعل تكوّن الجماعة البشريّة الاقتصاديّة يقوم على أساس الرّابطة الدّمويّة لأنّها الرّابطة الأولى، فإنّ عوامل الحياة الإنسانيّة، الّتي قضت بانتشار البشر، سعياً وراء الرّزق أو طلباً للنّجاة من وجه الأعداء أو اضطّراراً لا إرادة فيه، لم تلبث أنّ جعلت الجماعة البشريّة تتكوّن بعاملي الاقتصاد والاجتماع على أساس الاختلاط الدّمويّ الّذي يدمج الجماعات الصّغرى بعضها ببعض، ويولّد منها جماعةً أكبر شرط أن تتوفّر مقوّمات نشوء الجماعة الكبيرة كالاستقرار وصلاح البيئة واستتباب تهيّؤها للتّفاعل والتّدامج. أمّا حيث لا تتوفّر هذه المقوّمات فالحالة الابتدائيّة تسود ويظلّ الاجتماع قائماً على أساس الرّابطة الدّمويّة الّتي تقتصر على أنواع من الحياة محدودة ولا أمل لها بالارتقاء في مثل هذا النّظام. وعلى هذا قبائل إفريقية وآسية وأميركة وجزائر المحيط الهادىء.
وبناءً على ما تقدّم نرى أنّ الاجتماع البشريّ يقسم إلى نوعين رئيسيّين: الاجتماع الابتدائيّ ورابطته الاقتصاديّة الاجتماعيّة هي رابطة الدّم، والاجتماع الراقي ورابطته الاقتصاديّة الاجتماعيّة مستمدّةً من حاجات الجماعة الحيويّة للارتقاء والتّقدّم بصرف النّظر عن الدّم ونوع السّلالة. وفي الاجتماع الأوّل تقع الشّعوب والقبائل التي هي في بداوة أو بربريّة، وفي الاجتماع الثّاني تقع الشّعوب الّتي أخذت بأسباب الحضارة وأنشأت الثّقافة.


هوامش الفصل الرابع

(1) الحقيقة أنه لا يمكن مطلقاً البحث في «انحطاط» قردي من درجة إنسانية أو مستعدة للإنسانية. وجلّ ما يمكن اعتباره من هذا القبيل هو ازدياد القرود الصالحة لقطن الحرجات توغلاً واختصاصاً بهذه الحالة وينرت Ursprung ص 339.
(2) المصدر نفسه، ص 194.
(3) يذهب وينرت في كتابه المذكور آنفاً، [Ursprung] خصوصاً ص 103 ــــ 197، إلى أن الغوريلا ــــ الشمبنزي ــــ الإنسان فصيلة وإلى أن القرابة بين الإنسان والشمبنزي متينة جداً. بل هو يجزم ص 302 ــــ 330 بتفرع الشبنزي والإنسان من نقطة أعلى من فرع الغورلا وما دونه في شجرة الحياة أو من نقطة في الجذع لا يتصل بها الغورلا، وينرت، ص 85.
(4) ليقوي ABS ص 13.
(5) المصدر نفسه، ص 13.
(6) المصدر نفسه، ص 121.
(7) المصدر نفسه، ص 119.
(8) استعملت هذه الكلمة [الهلك] في مصر في بعض المجلات والكتب لتدل على علم الجيولوجيا (طبقات الأرض) وقد رأى المؤلف، بعد إنعام النظر، أنها أكثر انطباقاً على علم البالينطلوجيا Palaeontologie (Y) .
(9) دلابلاش، ص 448.
(10) كبرس، في أبحاثه المذكورة.
(11) تايلر ص 16 ــــ 18.
(12) هرتس، ص 7.
(13) المصدر نفسه، ص 78.
(14) المصدر نفسه، ص 79.


الفصل الخامس - الـمجتمع وتطوّره


المجتمع البدويّ أو المتوحّش
رأينا في ختام الفصل السّابق أنّ الاجتماع البشريّ يقسم إلى شكلين رئيسيّين: الاجتماع الابتدائيّ (primitive) والاجتماع الراقي(1) والشّكل الأوّل هو من خصائص السّلالات الأوّليّة والشّعوب المنحطّة المتبديّة من السّلالات الراقية. والشّكل الثّاني هو من خصائص السّلالات الّتي أنشأت المدنيّات أو أخذت بها. ومن هذه القسمة التّصنيفيّة الّتي تقودنا إليها الملاحظة الدّراسيّة، نرى أنّ النّوع البشريّ يظهر، من الوجهة الاجتماعيّة، بمظهرين متباينين نوعاً، ومتمّيزين دائماً، هما مظهر المجتمع المتوحّش أو البدويّ ومظهر المجتمع العمرانيّ أو المتمدّن.
والتّوحّش أو البداوة إحدى حالتين، إمّا حالة وقف التّطوّر والجمود، وهي حالة السّلالات الأوّليّة المتوحّشة. وإمّا حالة التّطوّر نحو الانحطاط إن بعامل انحطاط البيئة كما هو الرّاجح في بلاد العرب(2) ، وإن بعامل الرّجوع إلى حالة معيّنة كالصّيد ورعاية الماشية أو نحو ذلك(3). ومهما يكن من الأمر فإنّ الاستقرار على حالة التّوحّش والبداوة يخرج المجتمع المتوحّش أو البدويّ من دائرة التّطوّر بالمعنى الصّحيح ويكاد يخرجه من نطاق هذا الفصل. ولكنّ رغبتنا في جعل البحث أتمّ وأوفى بالغرض يجعلنا نتناول حقائق هذا المجتمع قبل أن ننتقل إلى المجتمع العمرانيّ المتطوّر الّذي سيستغرق كلّ عنايتنا في سياق هذا الفصل والفصول التّالية.
إذا كان المجتمع المتوحّش أو البدويّ لا يتطوّر تطوراً بالمعنى الصّحيح فلا شكّ في أنّه حالة من حالات التّطوّر البشريّ الاجتماعيّ لها خصائصها الّتي يحسن بنا أن نفهمها.

خصائص المجتمع البدوي
لا بدّ لنا، قبل الخوض في موضوع هذا الفصل، من تقرير حقيقة ضروريّة لفهم تركيب المجتمع والأحوال الاجتماعيّة على إطلاقها وفي أكثر أشكالها تعقّداً، هي حقيقة الضّرورة الاقتصاديّة للاجتماع البشريّ، فالرّابطة الاقتصاديّة هي الرّابطة الاجتماعيّة الأولى في حياة الإنسان أو الأساس الماديّ الّذي يقيم الإنسان عليه عمرانه؛ فلا نستطيع أن نتصوّر مجتمعاً يقوم على غير أساس التّعاون الاقتصاديّ لسدّ الحاجة مداورةً، تعويضاً عن نقص وجود المادّة المحتاج إليها. وقد أشرنا إلى هذه الحقيقة في بداءة الفصل الثّالث. ونزيد هنا أنّ كيفيّة تركّب الإنسان تجعل حياته تتوقّف على سدّ حاجاته مداورةً، أي بالعمل والواسطة، فهو دائماً مضطرّ لإرضاء دافع الارتقاء والتّعويض عمّا فقده من سرعة الجولان وقوّة الوثب وتكوّن المخالب بإعداد أداة الدّفاع والصيّد والمعزق. وهذا يتطلّب منه التّعاون في الصّناعة وفي السّعي لمطاردة الفريسة والإيقاع بها وفي الزّراعة. ولابن خلدون بحث قيّم في التّعاون في مقدّمته المشهورة. [المقدمة، الفصل الأول من الكتاب الاول. "في العمران البشري على الجملة" ص 46-48]. فالاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع حتّى إنّنا نرى الحالة الاقتصاديّة تؤثّر على الحالة البيولوجيّة أحياناً(4). والتّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ.
يمكننا الآن أن نتقدّم بارتياح إلى النّظر في خصائص أو مزايا المجتمع البدويّ والمتوحّش. وأولّ ما نلاحظه في هذا المجتمع أنّ مستواه الاقتصاديّ لا يزال على درجلا ابتدائيّة بحتة، فهو لا يعلو عن درجة سدّ حاجة الحياة مباشرةً إلا قليلاً. ومن مظاهر هذه الدّرجة فقدان الصّناعة أو وقوفها عند حدّ صنع بعض الأدوات الضّروريّة، خصوصاً الخشبيّة منها، كالأوتاد والرّكائز والعصيّ وجدّل بعض الأعشاب والنبّاتات لسقوف وحيطان الأكواخ (الجماعات الأوّليّة)(5) ونسج الوبر والشّعر للخيم وبعض اللّباس (الجماعات المنحطّة المتبدّية. وأسباب عيش الجماعات التي على هذه الدّرجة تقتصر على الضّروريّ ويندر أن تتعدّى إلى الحاجيّ فضلاً عن الكماليّ(6). فكثير من الجماعات الأوّليّة تطلب سدّ الحاجة مباشرةً أو بمداورة قليلة. وحاجاتها تقف عند حدّ الحصول على البلغة ونقع الغلّة ومدرإ واق من العوارض الجوّيّة وغدر الحيوانات المفترسة. وعلى ما يقارب هذا الجماعات المنحطّة المتبدّية. وهمّ مثل هذه الجماعات هو غالباً في الصّيد وجمع القت النّباتيّ النابت من تلقاء نفسه (عمل النّساء) وزرع بعض الحبوب على كيفيّة أوّليّة رديئة. وفي شرقنا الأدنى نرى العرب يسدّون حاجاتهم المعاشيّة مباشرةً أو بما يشبه المباشرة كتناولهم لبن النّوق والتقاطهم التّمر. وتربية الجمال أهمّ شؤونهم الاقتصاديّة. وترتقي حياتهم إلى رعاية الماشية وتربية الخيل. وبيوتهم شعر ووبر وكذلك لباسهم. ويجمعون إلى ذلك زراعةً أوّليّةً يتولّاها أهل المدر منهم.
وأحوال هذا المجتمع، أو الجماعات، الاجتماعيّة هي، بحكم الضّرورة، متابعة لأحوالهم الاقتصاديّة ومطاوعة لها. فنظامهم الاجتماعيّ يقوم على الرّابطة الدّمويّة المنتهية بالقبيلة. والفرد في هذا النّظام ككلّ فرد آخر بدون فرق أو ميزة، أي أنّ قيمته هي في الغالب عدديّة عامّة لا نوعيّة خاصّة، لأنّ فقد العمران ونقص المطالب الحاجيّة والكماليّة يبطلان المواهب الشّخصيّة وينفيان المزايا الفرديّة. وكذلك نرى أنّ نظامهم يخلو من الحقوق الشّخصيّة والملك الفرديّ وإذا وجد شيء من ذلك فهو في صورة أوّليّة غامضة. ومن درسنا أحوال العرب الذين هم في جوارنا نرى أنّ الفرد لا يكون عندهم سوى وحدة عدديّة في القبيلة سواء في ذلك أهل الوبر وأهل المدر، والانتساب إلى إحدى القبائل هو ضرورة(7). ومن هذه الحقيقة ندرك أهميّة الثّأر الّذي يعني حقّ القبيلة لا حقّ الفرد كما سيجيء. ويُرى فقدان الملك الشخصيّ عندهم في أنّ الفرد لا يمكنه الاعتماد على نفسه في الدّفاع عن الممتلك وفي أنّه إذا فقد أحد مقتنياته توجّب على بقيّة أفراد القبيلة أن يعطوا كلّ واحد من ماله ما يعوّض على الرّجل خسارته(8).
ونوعا هذه الجماعات الأوّليّ والبربريّ يشتركان في العادات الاجتماعيّة والأذواق بحكم مستوييهم الاقتصاديّين المتقاربين. فترى الضّيافة الّتي تفرضها عليهم أحوال معاشهم صفةً عامّةً عندهم على السّواء وكذلك تعاملهم فيما بينهم، وخصوصاً معاملتهم المرأة(9). وما يُروى، مثلاً، عن كرم العرب وفروسيّتهم والشّعور بالشّرف عندهم وضيافتهم، يُروى مثله عن أهل بلاد النّار (تراد لفويغو) وهنود أميركة والفيجيين والطنغوسيين(10) فهذه الصّفات المشتركة تظهر بقوّة في الشّعوب الّتي لمّا تحرّكها الثّقافة الزّراعيّة التجاريّة، وساعدتها أحوال معاشها الضّيّقة على حصر قواها النّفسّية في بعض المظاهر المحدودة. ونرى أذواق هذه الجماعات مشتركةً حتّى في الطّعم. فهم، لجوعهم، يزدردون الطّعام بطريقة لا تسمح بالتّلذّذ به على حدّ الجماعات الرّاقية، حتّى إنّ بعض العلماء يذهب إلى جعل درجة لذّة الطّعم في عداد الفوارق بين الأقوام الأوّليّة والشّعوب الرّاقية. وجميع هذه الجماعات أو المجاميع لا تعرف توزيع العمل الّذي هو من خصائص المجاميع المتمدّنة(11). ومهما ارتقت اجتماعيّة هذه الجماعات فهي لا تبلغ إلى هذه الدّرجة العالية الممثّلة، في المجتمعات المتمدّنة، بالجمعيّات وسائر المؤسّسات الّتي تمثّل بدورها الأعمال الذّاتيّة والأفكار الحرّة الصّادرة عن الأفراد الّذين يؤلّفون المجموع المتمدّن، وتمثّل، فوق ذلك، النّفسّيّة الفاعلة في المجموع ونوع روحيّته الاجتماعيّة. وبالإيجاز نقول إنّ أغراض الجماعات الأوّليّة المتوحّشة والجماعات البربريّة المنحطّة أو المتأخّرة محدودة جداً بالنّسبة إلى أسباب سدّ الحاجة المعاشيّة، مباشرةً أو مداورةً، إلى مدًى محدود. وفي حين أنّ أفعال مؤلّفي هذه الجماعات الاجتماعيّة محدودة نرى أنّها لا تتناول مطلقاً الأفعال السياسيّة أو، على الأقلّ، الأفعال السياسيّة النّظاميّة. وهذا، من الوجهة العامّة وبالاختصار، هو المستوى الاجتماعيّ الّذي وقفت عنده الجماعات الأوّليّة والجماعات المنحطّة أو المتبدّية أو المتأخّرة من السّلالات الرّاقية العمرانيّة. وسنرى لمحةً أخرى من هذا المجتمع في الفصل التّالي.


المجتمع السابق العمران وتطوره
لا مشاحة في أنّ المجتمع العمرانيّ، أو مجتمع السّلالات العمرانيّة الآسيوريّة (الآسيويّة ــــ الأوروبيّة)، لم ينشأ منذ البدء مع أوّل نشوء هذه السّلالات الرّاقية، بل نشأ مع تطوّر جماعات هذه السّلالات وحين بلوغها الدّرجة العمرانيّة الّتي هي درجة الزّراعة والإقامة في الأرض. ويحسن بنا هنا أن نمهّد لدرس تطوّر المجتمع العمرانيّ خاصّةً، باستعراض التّطوّر البشريّ الاجتماعيّ العامّ منذ البدء الّذي أمكن العلوم الاجتماعيّة، أو الّتي تدرس حياة الإنسان ومنشأه، وخصائصه، استقصاءه.

التطور الثقافي السابق التاريخ
ولا بدّ لنا، لجعل هذا الاستعراض تامّاً أو غير مبتور، من الابتداء مع نشوء الإنسان. إذ ما المجتمع الإنسانيّ العصريّ المتمدّن إلا نتيجة أو حاصل الثّقافات المتوالية على الإنسان التي ولّدها التّفاعل المستمرّ بين الإنسان وبيئته.
ولقد مرّ معنا في الفصل الثّالث(12) أنّ الإنسان هو الوحيد من بين جميع الكائنات الحيّة الّذي أمكنه إيجاد علاقة تفاعليّة مع الطّبيعة، وخصوصاً مع بيئته. وما ذلك إلا بإجابته على مطالب البيئة بنموّ الجهاز الّذي أعطاه أن يعقل الطّبيعة: الدّماغ. إنّ عقل بعض الأشياء المحيطة ممّا قد توصّل إليه بعض القرود العليا. فالشّمبنزي، مثلاً، يعرف كيف يستخدم أغصان الشّجر لبناء بيوت له ليست أسمج ممّا تبنيه القبائل المتوحّشة(13) ولكنّ عقل الطّبيعة أو العقل المطلق الّذي سمّي به الإنسان الحقيقيّ الــ Homo Sapiens هو الشّرط الّذي لا بدّ من تحقيقه ليصبح التّفاعل ممكناً وهو الشّرط الّذي تحقّق في الإنسان العاقل وبتحقّقه أخذت الصّلات التّفاعليّة تتوثّق بين الإنسان والطّبيعة عن طريق البيئة أوّلاً.
وممّا لا شكّ فيه عند العلماء أنّه قد سبق عصر الــ Homo Sapiens عصر الــ Homo Primigenius المطلق على الــ Homo Neandertalensis وسبق هذا الــ Homo Heidelbergensis وقبل هذا كان الــ Anthropus وهذه الأسماء تعني لعلماء الإنسان أشكإلا مخصوصةً تدلّ على أطوار ليس من شأن موضوعنا الدّخول فيها ولذلك فضّلنا أن نسمّي عصر الــ Homo Sapiens عصر التّفاعل وما قبله عصر الاحتكاك.
ويظهر أنّ الاحتكاك ابتدأ من الدّرجة الّتي نجد الشّمبنزي عليها اليوم، أي من درجة عقل بعض الأشياء المحيطة واستخدامها. وقد لا تكون هذه الأشياء الأغصان المتّخذة لبناء العرازيل، كما يفعل الشّبنزيّ، إذ يرجّح أنّ النّوع القرديّ المجهّز بالاستعداد للتّطور نحو الإنسانيّة لم يكن يقطن الغابات الّتي لا تساعد على تولّد الخصائص الإنسانيّة كتحرير الذّراعين والمشي على القدمين. ويظهر أنّ الاحتكاك ارتقى إلى تناول النّار واستعمالها لأغراض متعدّد(14). وأنّ فجر الإنسانية مقرون بفجر الثّقافة الإنسانيّة وهو ما يسمّى عند علماء الإنسان بالزّمن الأيوليثي، أي زمن الأثافيّ الّتي لما يمكن الجزم في هل أشكالها وكسورها من صنع الإنسان أم من الطّبيعة(25). فاستعمال النّار هو الخطوة الفاصلة التي عيّنت للإنسان السّابق اتجاهه.
وأهميّة النّار العظيمة لحياة الإنسان وارتقائه هي في كونها عاملاً اقتصاديّاً كبير النّتيجة حتّى في ذلك العهد السّحيق. فلا بدّ أنّها خدمت الإنسان السّابق في صدّ السّباع المفترسة عنه، وفي الإنارة له ليلاً، وفي تدفئته وشيّ لحم فرائسه. فجذبته إلى حرارتها وضوئها وأوجدت لذّةً في تجمّع قطعانه حولها، وهي لذّة مصحوبة بالاطمئنان. واللّذّة والاطمئنان وتوفير الجهد والنّصَب هي الضّرورات الّتي يؤدي حصولها إلى تولّد الإحساسات النّفسّية الفرديّة والاجتماعيّة حيثما كان ذلك ممكناً في الكائنات العليا. ولعلّ هذا الاطمئنان قرب النّار هو السّبب في تحويل علاقة الذّكر والأنثى من عمل بيولوجيّ بحت يقتصر على فصل اللّقاح إلى حالة اجتماعيّة لها خصائصها النّفسّية.
ولا شكّ في أنّ النّار قوّت الرّابطة الاجتماعيّة في الإنسان السّابق ومهّدت له كثيراً إظهار استعداده للارتقاء فساعدت كثيراً على نشوء النّطق الّذي يعدّه لتزرس غيغر(16) أبا العقل. ومهما يكن من أمر تقديرنا نشوء النّطق فلا بدّ لنا من التّسليم بأنّ النّطق وحده كفل تحويل الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة وراثيّة (اجتماعيّاً). أعدّت النّار الإنسان السّابق لدخول العصر الحجري(17) الّذي هو بدء الإنسان الّذي ولّى الحيوان ظهره وبدء الثّقافة الإنسانيّة. ومنذ تلك العصور المتطاولة في القدم لم تفارق النّار الإنسان ولا قطع الإنسان صلته بها.
كان الإنسان السّابق صيّاداً قبل كلّ شيء وكان أهمّ طعامه لحم طرائده. ويحتمل أنّه كان يقتات أيضاً ببعض الأعشاب والثّمار. وهذا كان الإنسان الهيدلبرغي المنبثق من الحيوانيّة العجماء. ولا بدّ أنّ الإنسان الآخذ في التّقدّم بفضل النّار واستعداده الخاصّ أخذ يتنبّه للأشياء المحيطة به الّتي أكثر من تلمّسها وأخذها بيده ــــ إلى الأحجار الّتي قد يكون استعملها عن غير عمد. وبفضل تطوّره دماغه أخذ يشعر بعلاقة أشياء بأشياء في حاجاته وقد يكون قاده ذلك، كما هو الأرجح، إلى حمل مشعل بيده وحمل حجر أو هراوة باليد الأخرى. ولكنّه كان إلى الحجر أحوج، لأنّه كان يستعين به على شقّ الحيوان وسلخه وتقطيعه بعد قتله. فاضطرّه ذلك إلى العناية بالحجر فاتّخذ منه أدواته. ومن صناعته هذه الأدوات نستطيع أن نتتّبع ثقافة الإنسان منذ ابتدائها. والحقيقة الّتي نستخرجها من درسنا أدوات الإنسان السّابق الحجريّة هي أنّ هذه الأدوات استغرقت كلّ عناية الإنسان ومجهوده العقليّين. وهو بديهيّ من ذكرنا ما مرّ معنا(18) من أنّ حياة كلّ كائن حيًّ تجري ضمن المثّلث: الجسم، النّفس؛ المحيط، وأنّ حفظ الحياة الفردّية، مضافاً إلى حفظ النّوع، وأنّ حفظ الاجتماع مضافاً إلى حياتي الفرد والنّوع، تقتضي جميعها تأمين حصول الغذاء الموجود في الطّبيعة بتأمين وسائل الحصول عليه. ولا يمكننا أن نتصوّر حياةً فرديّةً أو اجتماعيّةً بدون غذاء. ولذلك قلنا إنّ رابطة الإنسان الاجتماعيّة الأولى هي الرّابطة الاقتصاديّة.
وظلّ الإنسان السّابق يرتقي في هذا الزّمان الاحتكاكيّ ترافقه النّار، ويظهر مهارته الفطريّة في تقطيع الأحجار وتحسين أشكالها وشحذ حافّاتها لتفي بغرضه، ولم يكن له حينذاك من عمل «إنسانيّ» غير هذا العمل. وظلّت صناعة الأحجار ثقافته الوحيدة طول الحقب المبتدئة من الحقبة الشّليّة الدّنيا إلى الشّليّة العليا إلى الأشوليّة، التي خلف فيها الإنسان النيندرتالي الإنسان الهيدلبرغي، إلى المستريّة الدّنيا إلى المستريّة العليا الّتي هي نهاية الإنسان النيندرتالي، أو على الأرجح الشّكل النيندرتالي Homo Neandertalensis Primigenius . وهذه الحقب تعادل نحو 250000 سنة من الزّمان الجليديّ(19). وعند هذا الحدّ ينتهي القسمان الأوّلان من العصر الحجريّ السّابق وبنهايتهما تتمّ مدة الاحتكاك.
ليس لنا من أدّلة اجتماعيّة إنسان هذا العصر الاحتكاكيّ ونفسيّته سوى آثار مواقده وبقاياه العظميّة وأدواته الحجريّة، وكلّها تدلّ على حالة الخروج من الحيوانيّة وبدء الإدراك وانحصار الأعمال الإنسانيّة في الاشتغال بأدوات الفتك. ولا شكّ في أنّ نفسيّته كانت لا تزال في بداءة وعيها. أمّا اجتماعيّته فلم تكن نوعيّةً مطلقةً، إذ إنّ تنقيبات غريانفتش ــــ كرامبرغر ـــ (Gorjanovic Kramberger) 1905 – 1899(20) في كرابينا من أعمال كرواطية دلّت على أنّ الإنسان النيندرتالي كان يأكل نوعه. وحالة معيشته كانت على درجة سدّ الحاجة مباشرةً.
يدخل القسم الحديث من العصر الحجريّ السّابق فنجد الإنسان قد حقّق ارتقاءً جديداً في شكله وثقافته أكسبه اسم الإنسان العاقل الــ Homo Sapiens. وبدخول هذا القسم يبتدىء عصر التّفاعل. فالإنسان يظهر منذ بداءة هذا العصر أنّه ابتدأ يدرك طبائع الموادّ المحيطة به. فهو قد حسّن أدواته الحجريّة تحسيناً كبيراً واخترع أدوات جديدةً من العظم ونوّع الجميع لمختلف الأغراض. وقد فسح له هذا الارتقاء الاقتصاديّ المجال لبروزه الحاجات النفسيّة مع الإدراك، فأخذ الإنسان ينقش في الطّبيعة ويحفر في كهوفه، على الحيطان، وعلى الأدوات العاجيّة والعظميّة رسوماً جميلةً تدلّ على سلامة ذوق، وقام بقسط كبير من صناعة النّصب. ومع ذلك فإنّنا لا نجد تغيّراً خطيراً في وسائل سدّ الحاجة. فالإنسان لا يزال صيّاداً وإن كان قد حسّن عدّة الصّيد باختراع القوس والسّنان للرّماية. وقد يكون أضاف إلى صيد حيوان البرّ صيد حيوان البحر. ولا نرى أيّ تطوّر خطير في ثقافة أوائل العصر الحجريّ اللاحق، ولكنّنا نلاحظ أنّ هنالك بداءةً جديدةً لأشكال الإنسان العاقل تجعلنا نسميّه «الإنسان العاقل الحديث» Homo Sapiens recens تمييزاً له عن إنسان العصر الحجريّ السّابق، الإنسان العاقل المتحجّر Homo Sapeins fossilis ونرى أنّ الصّناعة الصّغرى ارتقت. ويعرف هذا الطّور عند العلماء بالطّور الأزيليّ، نسبةً إلى Mas d’azil . ولكن لا يكاد هذا التطّور ينتهي ويبتدىء الطّور الثّاني الكمبينيّ، حتّى نلاحظ ظاهرةً جديدةً خطيرةً هي ظاهرة تدجين الحيوان باقتناء الكلب، ونلاحظ أيضاً أنّ الأدوات الحجريّة تتّخذ وجهة أغراض جديدة، فنجد بعضها خشناً قاسياً ــــ ولعلّه لغرض العزق أو الحفر في الأرض ــــ ونجد بينها الفأس الحجريّة وإذا بنا في مدخل العصر الحجريّ المتأخّر المتصّل بعصرنا الحاليّ في بعض السّلالات الابتدائيّة.
في مجرى هذين العصرين الحجريّين اللاحق والمتأخّر تمّ نطق الإنسان وارتقى إلى مرتبة لغة، وارتقت أحوال معاشه بتدجين الحيوان والتّنبه لطبائع المادّة ولكنّها ظلّت على مستوى سدّ الحاجة مباشرةً، الأخذ ممّا تقدّمه الأرض من حيوان ونبات بريّ، وفوقها قليلاً إذ نرى ابتداء النّسيج وصناعة الخزف. والرّابطة الاجتماعيّة هي الرّابطة الدّمويّة، رابطة القبيلة.
وهذان العصران، بالنّسبة إلى العصر الحجريّ السّابق، قصيران. ونعلم أنّ زمانهما كان يختلف باختلاف البقاع والأقاليم، كاختلاف مراتب العصر الحجريّ السّابق، على الأرجح. وممّا لا شكّ فيه أنّه بينما كانت أوروبة في إبّان العصر الحجريّ المتأخّر كان بعض مناطقها الشّماليّة (سكندينافية) لا يزال في بدء هذا العصر، إذا بالعصر المعدنيّ ينبثق في كلدية ــــ (بلاد الكلدان ــــ بابل وفي مصر أرض كنعان).
حتّى العصر المعدنيّ كانت الثّقافة البشريّة عامّةً تناولت النّوع الإنسانيّ بكامله. فجميع البشر كانوا صيّادين وصانعي أدوات حجريّةً وجامعي القوت النّباتيّ ممّا تقدّمه الأرض الكريمة. ولكن لمّا حصل الاتجاه الزّراعيّ في العصر الحجريّ المتأخّر القصير الأمد ظهر عامل جديد في ترقية حياة البشر لم تشترك فيه جميع سلالاته أو شعوبه. ومع الزّراعة والاشتغال بالمعادن يرتقي عصر التّفاعل إلى ما نسميّه التّفاعلّ العمرانيّ أو الثّقافة العمرانيّة.

الثقافة الأولية والثقافة العمرانية
تقتصر الثّقافة الأوّليّة على:
أولاً: إقامة النّسل.
وثانياً: السّعي وراء الرّزق بالمعنى الحرفيّ. أمران ينتج عنهما نظام اجتماعيّ أوّليّ محدود، كما رأينا في خصائص المجتمع البدويّ، بل دون ما ذكرناه هناك. أمّا الثّقافة العمرانيّة فتقوم على: أولاً: إقامة النّسل. ثانياً: تحصيل الرّزق واستدرار موارده. ثالثاً: التنظيم الاجتماعيّ الاقتصاديّ. ثلاثة أمور تتوّج بالحياة العقليّة المشتملة على المنطق والأخلاق وسلامة الذوق. وهي هذه الحياة، الّتي ابتدأها بعض الشّعوب السّاميّة ووضع السّوريون أساسها الرّاسخ، ما يعطي المجتمع المتمدّن قيمته ومزاياه والمدنيّة الحديثة أبرز صفاتها وأثمن كنوزها.
ومع أنّ الزّراعة هي أساس الثّقافة العمرانيّة، فالزّراعة ليست نوعاً واحداً، بل أنواع. والثّقافة العمرانيّة المؤسّسة عليها هي مراتب:
أولاً: ثقافة المعزق (Hoe) = زراعة المعزق.
ثانياً: أ ــــ ثقافة المحراث = زراعة المحراث.
ب ــــ ثقافة البستان = زراعة البستان.
ثالثاً: ثقافة الإنتاج التّجاريّ = زراعة المحاصيل وإنشاء الصّناعات وإعداد الحاجيّات والكماليّات.
والمرتبتان الأوليان هما إفراديّتان وعائليّتان ترميان في الدّرجة الأولى، أو هما تنتهيان، إلى كفاية الفرد أو العائلة ولكنّهما تستدعيان اهتمام الفرد أو العائلة الدائم. وزراعة المرتبة الأولى أوليّة تقتصر على قلب سطح الأرض بمعزق بشكل عصاً محدّدّة وتغيير مكان الزّرع كلّ مرّة. وهي لا تعطي إلا الضّروريّ. ولا تسمح في أرقى درجاتها والانصراف إليها أو التّعويل عليها بعمران وكثافة سكّان مدنيّة. وقد تبلغ الكثافة حدّاً يسترعي الاهتمام ولكنّها تكون كثافةً متقطّعةً متفرّقةً لها مراكز تفصل بينها قطع واسعة من الأرض المقفرة. ففي السّودان تقتصر الزّراعة على التّربة الّتي هي من الرّخاوة بحيث يكفي قلبها بعصا الزّراعة لطمر الحبّة. فتقتضي القرية الواحدة ثلاثة أضعاف المساحة الّتي تزرعها في المرّة الواحدة لأنّ إفقار التّربة المتروكة بدون سماد يدعو إلى طلب التّعويض بالمساحة(21).
والمرتبة الثّانية هي التي بلغتها الشّعوب الساميّة منذ أقدم عصورها المعروفة وهي المرتبة التي تحاول سورية الآن الخروج منها إلى المرتبة الثّالثة، وهي أساس هذه المرتبة الأخيرة.
وأهمّ الأطوار الّتي مرّ بها القسم أ من هذه الثقافة هي(22):
أ ــــ الحراثة بالحرق وهي الزّراعيّة الكلأيّة الناتجة عن المجهود الأوّل لإنقاذ التّربة من الحرجات البكر. ولا يستعمل في هذه الزّراعة سماد سوى رماد الأشجار المحروقة أو سماد البقر التي ترعى في المكان عينه. وأكثر تقدّماً من هذا الطّور طريقة:
ب ــــ نظام الحقل حيث تقسم الأرض الصّالحة للزّراعة غالباً إلى ثلاثة حقول: حقل يبقى بوراً، ويزرع الثّاني حبوباً صيفيّةً، والثّالث حبوباً شتويّةً. وشبيه بهذا:
ج ــــ زراعة المرج إذ تختلف إلى الأرض بضع سنوات من العشب وبضع سنوات من زراعة الحبّ(23) ، وأرقى من هذه جميعها:
د ــــ زراعة الدّورة التّامّة، وهي تتطلّب تصنيف النّبات إلى ما يزيد في ثروة التّربة وقوّتها كالتّبغ وغيره. وإلى ما يفقرها ويستنفد قوّتها كالحبوب والنّباتات الزّيتيّة. فتتوالى زراعة هذين الصّنفين في دورة تامّة على الأرض، وهذه الدّورة الزّراعيّة التّامّة تتطلّب العناية بها زيادةً في العمل والرّأسمال والتّحسين الزّراعيّ للأرض.
والقسم "ب" من هذه المرتبة، ثقافة البستان (أو هي ثقافة المرج)، يشتمل على أرقى أنواع الزّراعة والعناية بالتّربة على الإطلاق. وفي مقدور هذه الزّراعة أنّ تقوم بأود مجتمع كثيف السّكان، كما هي الحال في الصّين(24). وج. أ. سمعان(25) يبرز لنا صورةً من هذه الثّقافة. والصّورة من قرية ونغ ــــ مو ــــ في الصّينيّة. عدد سكانّها 10.000 يعيشون على 3.000 فدّان (أكر acre). ويسكن في كلّ منزل من منازلها عائلة اتّحاديّة لا تقتصر على الآباء وأبنائهم بل تتناول الجدود والآباء والأبناء والأحفاد مجتمعين، والملك أو البستان مشترك بينهم. فالعائلة الاتّحاديّة من هذا النّوع المؤلّفة من نحو اثني عشر شخصاً تجد في قطعة من بستان لا تزيد على خمسة فدادين (أكر) من الثّمار الوافية بمطالب العيش مقوّمات كافيةً. وهذا الإنتاج الكبير عائد إلى حسن الرّيّ والتسميد والعمل.
إذا أمعنّا النّظر في كلّ مرتبة من المراتب المتقدّمة وجدنا أنّ الأولى منها ابتدائيّة جدّاً في العمران، فهي لا تدخل في نطاق الثّقافة العمرانيّة إلا من حيث إنّها طور تمهيديّ لها والصّحيح أنّ أهل هذه الثّقافة يدخلون في المجتمع البدويّ الّذي وصفناه آنفاً. فإذا كان لهم حياة عقليّة فهي محدودة جدّاً. وهم خارج نطاق شعوب آسية وأوروبة المتمدّنة. فبين الشّعوب الّتي لها إلمام وقسط من هذه الزّراعة، بعض هنود أميركة الشّماليّة كالموهكان والأركوى والبنكا والمندان وغيرهم، وبعض هنود أميركة الجنوبيّة أيضاً كالبكايري والغواراني في البرازيل. وهم يمارسون إلى جانبها الصّيد. وسكّان جزائر المحيط الهادي وجزائر المحيط الهنديّ يمارسون هذه الزّراعة مع صيد السّمك. وزرّاعو إفريقيا الّذين لا يدخلون في عداد الصّيادين والرّعاة تقوم حياتهم على هذه الزّراعة فقط كقبائل زمبازي ومكلاكه ونيام ــــ نيام وغيرها(26). والسّبب في بقاء هذه المرتبة خارج نطاق العمران نسبة العمل إلى مقدار الحاصل الغذائيّ. فالاقتصاد لا يعني حقيقةً سوى سدّ الحاجة أو تأمين سدّها بأقلّ مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنين. وهذا النّوع من الزّراعة لا يوفّر مجهوداً يستحقّ الذّكر، فحاصله قليل وأهله مضطرون إلى الاهتمام دائماً بالضّروريّ من أسباب العيش.
لا نرى للعقل منفذاً إلى الحياة الفكريّة والعلميّة إلا مع المرتبة الثّانية، ففي هذه المرتبة نجد الزّراعة المعروفة في نطاق المدنية الآسيوريّة. وهي الزّراعة الحضريّة بمعناها الصّحيح. ومع أنّ نطاقها بالأكثر فرديّ أو عائليّ، بحيث يقصد منها تموين العائلة وبيع ما يفيض عن المؤونة لشراء الحاجيّات بثمنه، فهي تعلو كثيراً عن الزّراعة المعزقيّة بأنّها أفضل لغرض الخزن. والخزن والهري فارق أساسيّ للزّراعة بمعناها العمرانيّ عن الزراعة الأوّليّة. «الزّراعة كانت أسلوب العيش الوحيد الّذي مكّن النّاس منذ البدء، من أن يحيوا معاً في مكان معيّن وأن يحشدوا فيه مقوّمات الحياة» هكذا يقول دلابلاش(27) ويزيد «ليس «زارعاً الّذي يحرق العشب وينثر مكانه بضع حفنات من البذور، ثم يرحل عن المكان، بل الّذي يحصد الغلال ويخزنها هو الزّارع».
ومع أنّ المرجّح أنّ القسم «ب» من المرتبة الثّانية ناشىء عن الزّراعة الأولى، فيجب حساب هذا النّوع في هذه المرتبة، وهو نوع راق رفع سدّ الحاجة إلى درجة غنيّة بالغذاء أو الحاجيّات البيتّية.
فإنّ خيرات الأرض تستدرّ للعائلة إلى آخر مواردها فالتّسميد في هذه الزّراعة يبلغ شأواً بعيداً، والرّيّ في حالة بالغة من الكفاءة، والأرض تعطي بخصب. ولكنّ هذا النوع كالّذي قبله، يقتضي انصباب أفراد العائلة على العناية بالأرض والصّناعة البيتيّة. وهذه الزّراعة بيتيّة قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء، ولا يمكن أن تتقدّم أكثر من هذا المدى. وهذان النّوعان، زراعة المحراث وزراعة البستان، قد حرّرا العقل إلى درجة ما، وأوجبا ارتقاءً في توزيع العمل ولكنّهما لم يفسحا للعقل وللتنّظيم العمليّ كلّ المجال الّذي يسمح لهما بالتّقدم.
تأتي أخيراً المرتبة الثّالثة، التي أطلقنا عليها اسم ثقافة الإنتاج التّجاريّ، وهي الثّقافة القائمة على زراعة المحاصيل الكبيرة وإنشاء الصّناعات الكبرى. وهذه هي مرتبة التمدّن الحديث الّتي أخرجتها من المرتبة الثّانية التّجارة الّتي ولّدت الأساس النّقديّ والرأسماليّ وحوّلت عمليّة المبادلة الأوّلية، إلى تجارة أنترنسيونيّة وأكسبت الحاجة إلى الآلة المحقّقة الأغراض معنى اقتصادياً عالياً وجعلت الآلة من أهمّ عوامل ترقية هذه الثّقافة. ترقّت الزّراعة كثيراً في هذه المرتبة فازدادت العناية بالأسمدة حتى انتهت إلى الأسمدة الكيمويّة وامتدّ الرأسمال وحبّ التّجارة والكسب إلى أراض جديدة، ولو كانت بعيدةً، لاستخراج المحاصيل والموادّ الأوّليّة لتبية الطّلب الحاجيّ وأخيراً الكماليّ. وكان من وراء اتّساع نطاق هذه الزّراعة وتحسينها أنّ حاصلها كثر إلى درجة صار عندها قسم كبير من أهل هذه الثّقافة محرّراً من الحاجة إلى زرع وحصد قوته بنفسه وأصبح في إمكانه الاهتمام بالشّؤون الثّقافيّة الأخرى والانصراف إليها، فنشأ عن ذلك التّخصّص الرّاقي الّذي هو أبرز ميزة في حياة المجتمع المتمدّن الاجتماعية وأرقى مرتبة في مراتب الاقتصاد الاجتماعيّ وأفعل أسلوب للحصول على أكبر نتيجة من مبدأ التّعاون.

تطور الثقافة العمرانيّة
الحقيقة أنّ الأطوار الزّراعية الّتي وصفناها آنفاً لا تعني شيئاً ثقافيّاً إلا متّى نظرنا إلى العمل المبذول فيها ومقداره وكيفيّة تنظيمه، وما يتبع ذلك من الأحوال الاجتماعيّة، أي إنّه لا يمكننا أن ندرس الثّقافة ومراتبها ونتتبّع تطوّرها إلا في سياق التّفاعل، أي في تتبّع أعمال الإنسان على مرسح الطّبيعة. والمقياس الّذي نقيس به قيمة أيّة مرتبة ثقافيّة هو نسبة ما بين حصول أسباب العيش والعمل المبذول في هذا السّبيل، لأنّ كلّ تطوّر في الحياة الاجتماعيّة وأنظمة الاجتماع لا يمكن أن يحدث إلا ضمن نطاق هذه العلاقة. فالنّظام الاجتماعيّ هو دائماً حاصل تفاعل الإنسان والطّبيعة أو البيئة بطريقة معيّنة، أو منبعث منه وموافق له. ونحن نتتبّع تطوّر الثّقافة العمرانيّة بتتبّع تنظيم الإنسان مجتمعه بناءً على هذا التّفاعل، فكما أنّ التّطوّر الإنسانيّ، نشوءاً وارتقاءً، كان وفاقاً لمقتضيات تطوّرات الطّبيعة والبيئة، أي إنّه تطوّر محتّم بالاختيار الطّبيعيّ لا مفضّل بالاختيار العقليّ، كذلك التّطور الاجتماعيّ، نشوءاً وارتقاءً، هو وفاق لتطوّر التّفاعل بين الإنسان والبيئة بدافع الحاجة المادّية. فإذا كان العقل نتيجة تطوّرات الدّماغ الفيزيائيّة، فالعقليّة الاجتماعيّة نتيجة تطوّرات التّفاعل الماديّ لتأمين الحياة الاجتماعيّة.
يستنتج ممّا تقدّم أنّه إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع. وإنّنا لنرى التّعاون على نوعين: بسيط ومركّب. فالبسيط هو التّعاون على ما فيه مجهود من نوع واحد كرفع الأثقال وتحريكها، والسّعي في طلب طريدة (في حالة الإنسان الصيّاد) وما شاكل. والمركّب هو ما كان في المشاريع البنائيّة وفي تنوّع حاجات المجتمع وأغراضه العمرانيّة. والعمل يجري على أحدهما وأحياناً يجمع بينهما.
ذكرنا في بداءة هذا الفصل أهمّ المزايا الّتي تفرّق المجتمع الّذي هو دون مرتبة التّمدن عن المجتمع المتمدّن ومنه نرى أنّ النّظام الاجتماعيّ ابتدأ من مرتبة الشيّوعيّة في نظام العشيرة الدّمويّ حيث الأرض التي تحتلّها العشيرة وتربتها مشاع للعشيرة كلّها بدون تمييز، وحيث العائلة جزء من العشيرة بالمعنى الاقتصاديّ، أي إنّ العائلة ليست كياناً قائماً بأوده، فهي تعيش معتمدةً على مورد العشيرة العامّ. شيوعيّة العمل والغذاء والأرض الممثّلة في وحدة العشيرة وقسمة العمل بين الجنسين الممثّل في وحدة العائلة، هذا هو كلّ النّظام الاجتماعيّ السّابق الذي يكاد يكون الآن بائداً. ثمّ ارتقى من هذه المرتبة، نظام آخر إضافيّ إلى ما تقدّم هو نظام المبادلة في المنتوجات بين العشائر المتجاورة. وهو ما يسمّونه لاقتسام الخارجيّ للعمل. ولهذه المبادلة طرق خبر منها السّوريّون الكنعانيّون (الفينيقيّون) بناة قرطاضة، الطّريقة المعروفة بالمبادلة الصّامتة. فكانوا في إقدامهم التّجاريّ في إفريقية الغربيّة «يفرغون البضاعة على الشاطىء ويرتّبونها ثم يعودون إلى مراكبهم ويصعّدون دخاناً كثيفاً فيراه قاطنو ذلك المكان ويأتون إلى الشاطىء ويضعون ذهباً بدلاً للبضاعة ثم ينسحبون إلى بعد عن البضاعة. فينزل القرطاضيّون إلى البرّ ثانيةً ويفحصون كميّة الذّهب حتّى إذا وجدوها كافيةً للتّعويض عن البضاعة حملوها وأقلعوا، وإلا فإنّهم يعودون إلى مراكبهم وينتظرون فيعود أولئك القوم إلى وضع كميّة أخرى من الذّهب. وهكذا إلى أن يرضى أصحاب البضاعة. ولم يكن أحد الفريقين يلحق بالآخر إجحافاً فلا الفينيقيّون يمسّون الذّهب قبل أن يصبح مكافئاً لقيمة البضاعة ولا أهل تلك الأرض يمسّون البضاعة قبل أن يكون الفريق الأوّل أخذ الذّهب»(28). وهذا التبادل بين جماعتين، تبادل كلّ واحدة بما عندها، هو أشبه شيء بتوزيع العمل فيما بين الجماعات. وأفضل أمثلة هذا النّوع من الرّباط الاجتماعيّ الأوّليّ وأرقاها هو في قبائل إفريقية حيث تشابه كلّ قبيلة «القيلد» guild أو النّقابة وتحمل اسم صناعتها كقبيلة الحّدادين وقبيلة صيّادي السّمك، إلخ(29). فقد تطوّرت المبادلة هنا إلى تجارة منّظمة بين القبائل.
ويوجد غير هذه الطّريقة، طريقة التّجوّل خارج القبيلة. ولمّا كان هذا العمل خطراً على المتجوّل استحدث لإزالة الخطر نظام الضّيافة. فينزل البائع ضيفاً على رجل وبعد إقامته يعرض على مضيفه قبل رحيله بعض ما يحمل ويسأل ما يريد مقابله. أو هو يعرض بضاعته في حمى مضيفه ويقبل المبادلة. ونوع آخر هو إنشاء أسواق في أماكن محايدة. وكان لهنود أميركة الشّماليّة سوق كبيرة على المسيسبّي. «في هذا المكان كانوا يجتمعون من كلّ ناحية وتنفذ فيهم هدنة تامة بين القبائل المتعادية»(30) (الشّهر الحرام).
ومع أنّننا نرى في هذا التطّور الثّقافيّ الأوّليّ أنّ بنية الاجتماع هي في العشيرة وشيوعيّة العقار والإنتاج فيها، وأنّ العائلة ليست إلا وحدة جزئيّة متلاشية في العشيرة، فلا بدّ لنا من الإقرار بأن العائلة نظام اقتصاديّ قبل كلّ شيء(31) قائم على قاعدة توزيع العمل الّذي ابتدأ في الأصل بين الجنسين. فكان على الرّجل، في عهد الإنسان الصيّاد ومرتبته الحاليّة، أن يقوم بالأعمال الّتي تتطلّب الخفّة والسّرعة والمضاء، وهو من متعلّقات إحضار الغذاء الحيوانيّ، وكان على المرأة أن تقوم بكلّ نصيب الأعمال الّتي تقتضي الجهد والصّبر والمعالجة، كجمع القوت النّباتيّ البرّيّ وبناء الأكواخ للصّيف وللشّتاء وحفظ النّار موقدةً وحمل الأثقال، فضلاً عن الأطفال، أثناء الرّحلة. وهي تدبغ الجلود وتصنع منها الأردية والأحذية وما شاكل. ولولا هذا النّظام التّعاونيّ الاقتصاديّ لكان نشوء العائلة الموحّدة تأخّر كثيراً، على الأقلّ، إذ إنّنا نرى في أمثلة شيوعيّة العمل مضافةً إلى شيوعيّة الغذاء عند بعض هنود أميركة وملايا، قي أشدّ أطوار وحدة العشيرة الاجتماعيّة، أنّ الرّجل وامرأته لا يعيشان معاً، بل يبقى كلّ منهما في عشيرته(32) وسنعود إلى الكلام على هذه النّقطة في الفصل التّالي.
ينتج لنا من هذا الاستقراء أساسان للكيان الاجتماعيّ الأوّليّ هما: نظام الوحدة الاجتماعيّة المنصرفة إلى الاهتمام بالغذاء الّذي هو قوام الحياة، بصرف النّظر عن أقسام العمل وهو حقّ الجماعة؛ ونظام الوحدة العائليّة المنصرفة إلى الاهتمام باقتسام العمل وهو بدء تنظيم التّعاون. وحالة المرأة، على هذا المستوى الثّقافيّ، تدعو إلى تأمّلنا. ولسنا نجد تمييزاً واختصاصاً في الأعمال بين الرّجال في هذا الطّور. وفي أرقى حالاته قد نجد اتجاهاً نحو احتراف الكهانة والسّحر.
متى تقدّمنا نحو درجة الرّعاية والزّراعة الدّنيا لاحظنا ارتقاءً في نظام اقتسام العمل بين الجنسين على القاعدة المتقدمة عينها. فمن الصّيد نشأت تربية المواشي الّتي هي أولى درجات الحصول على الغذاء اللّحميّ مداورةً. ومن جني الثمار والنّباتات البرّيّة نشأت الزّراعة الأولى الّتي كانت أوّل تطوّر نحو الاستحصال على الغذاء النّباتيّ مداورةً. ولمّا كان الصّيد من خصائص الرّجل فقد تولّدت العناية بالحيوانات القابلة للدّجن من خصائصه، فاستقلّ بالرّعاية وأحوالها بينما ظلّ نصيب المرأة من العمل جمع الغذاء النّباتيّ البرّيّ والقيام بالأعمال الأخرى المشار إليها كالعناية بالمضرب وضرب أطناب الخيمة وتقويضها وشدّ الأحمال وتحميلها أو حملها:
ردّت عليه أقاصيه ولبّده ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
خلّتْ سبيل أتيّ كان يحبسه ورفعته إلى السجفين فالنضد(33) 
أمّا الزّراعة فقد كانت من نتائج عمل المرأة وعنايتها بالنّبات وهي (الزّراعة) عند الجماعات الزّراعيّة الدّنيا شغل المرأة الخاصّ بها، فالرّجال بين أكثر هنود أميركة المنتمين إلى هذه الدّرجة الثّقافيّة لا يساهمون فيها، بل لا يزالون منصرفين إلى شأنهم من الصّيد وصيد السّمك(34). وحيث الزّراعة مصحوبة برعاية الماشية نجد المبدأ نفسه، النّساء يقمن بشؤون الفلح الزّراعيّ بينما الرّجال يرعون الماشية الّتي هي من خصائصهم وحدهم. وفيما سوى هذا التّطوّر نحو الاحتراف لا نجد تغييراً جوهريّاً في النّظام الاجتماعيّ الّذي يحدّد جميع العلاقات بالعرف والعادة ولا نرى إقامةً ثابتةً وبداءة عمران.
نترك هذه الدّرجة ونصعد في سلّم الارتقاء إلى الزّراعة الأوّليّة المتقدّمة المعوّل عليها في المعاش. فنجد أن الإقامة الّتي تتطلّبها الزّراعة أوجدت فكرة التّملك العقاريّ، فكرة الارتباط بين الإنسان وحقله ــــ بين الإنسان وبيته. ومن ثمّ أوجدت استقلال العائلة والكيان الاقتصاديّ لها. فحلّت كفاية العائلة نفسها محلّ كفاية العشيرة نفسها وسمحت هذه الحالة للعائلة بالتّطوّر نحو حالة البيت الكبير إلى طبقة الأشراف وأصبحت حاجات أهل هذه الدّرجة أرقى ممّا قبلها. فأدّى ذلك إلى الأخذ بتمييز العمل ونشوء طبقة الصّناع من أسرى الحرب المستعبدين عند أصحاب البيوتات الكبيرة ومن الّذين لم يحصلوا على نصيب وافر من الأرض الصّالحة للزّراعة أو الذين عجزوا، لسبب من الأسباب، عن الأعمال الزّراعيّة الكافية للقيام بأودهم مستقلّين ومعتمدين على أنفسهم.
وهكذا نرى التّمييز الاجتماعيّ يقود التّمييز الاقتصاديّ فيكون الأشراف الملاكون طبقةً دونها طبقة العامّة من أرقّاء أو داخلين في نظام المنزل القائم بنفسه. ودون هذه، من الوجهة الاجتماعيّة، طبقة العبيد. وتمييز العمل هو في هاتين الطّبقتين الأخيرتين عدا عن التّمييز السّابق بين الجنسين في نوع العمل. ففي منزل النّبيل وممتلكه نرى العبيد والصّناع الأحرار مختصّين كلّ واحد منهم، وأحياناً أكثر من واحد، بعمل خاصّ كصنع الشّباك لصيد السّمك وصنع الزّوارق والنّجارة والعمل في العزق وقطع الحطب والطّبخ والخدمة المنزليّة وغير ذلك من الأعمال الّتي يتطلّبها سدّ حاجة المنزل المركّب القائم بنفسه، وكلّ عائلة تقوم الآن بأودها وتطلب رزقها الخاصّ ويتعاون أفرادها بتوزيع الأعمال فيما بينهم، من بناء وعزق وصنع مواعين أو أدوات منزليّة وما شاكل. فقد زالت شيوعيّة الغذاء والملك والعمل بزوال المساواة في الرّابطة العشيريّة الأوّليّة التي لم يكن لها غرض سوى حفظ حياة الجماعة (النّوع)، ونشأ مع تمييز العمل التّبادل الدّاخليّ ضمن القرية وبين الأفراد.
نرى في هذه المرتبة أنّ العشيرة نفسها آخذة في التّلاشي في القرية الّتي هي بداءة العمران. ولكنّ الرّابطة الدّمويّة لا تزال قويّةً فهي قد ثبتت في العائلة نفسها الّتي هي رابطة دمويّة، وفي نظام القبيلة الّذي تتّحد فيه القرى، وتصبح العلاقات البشريّة في هذا الطّور، بحيث يبرز الشّيخ أو الأمير على رأس القبيلة أو مجموعة القرى المتقاربة. ومن هذه النّقطة تبتدىء الحياة السياسيّة. ومن مظاهر هذه المرتبة في إفريقية نظام التّجارة المستمرّة فيما بين القبائل المتجاورة المتخصّصة، كما ذكرنا (ص 57 أعلاه) ويكمل هذا المجتمع حاجيّاته بالمبادلة مع الخارج.
لا نجد لهذه المرتبة، مع تقدّمها، حياةً نفسيّةً (عقليّةً). فالنّاس غارقون في شؤون معاشهم وصناعاتهم والوقت الباقي يصرفونه في حفلاتهم الدّينية وفي الكسل والتّراخي والثرثرة الغريبة. ولهم لهو بالحرب والسبي وخصوصاً سبي النساء. وعند هذا الحدّ نترك المجتمع الّذي يخرج عن العمران والثّقافة العمرانيّة.
في هذه المرتبة الّتي لا يزال عليها أهل بولنيسية وإفريقية كان الأوروبيون وعلى رأسهم الإغريق ثمّ الرّومان، حين نشأت في سورية الثّورة الثّقافيّة العظمى الّتي كانت الخطوة الجازمة للمدنيّة. فلننظر الآن كيف حدثت الثوّرة السّورية الّتي وضعت للثّقافة الإنسانيّة ابتداءً جديداً.
كلّ ما مرّ معنا في هذا الطّور الثّقافيّ من شيوعيّة العمل وسدّ الحاجة مباشرةً إلى الرّعاية وبداءة الزّراعة والإقامة، ينطبق على الشّؤون الثّقافيّة للعصرين الحجريّين السّابق والمتأخّر أو على الأقلّ اللاحق والمتأخّر، أي ثقافة الإنسان قبل أن ذرّ قرن عصر المعادن. ومنه يمكننا أن نقول إنّ العصر الحجريّ لا يزال متعلّقاً بأذيال البشريّة حتّى اليوم. وإذا كانت بقايا أطواره الأولى آخذةً في الزّوال والتّلاشي أمام فتوحات التّمدن الحديث فإنّ آخر أفقه المتّصل بأوّل أفق العصر المعدنيّ لا يزال باقياً. ومن الأطوار الأولى التي تكاد تكون الآن معدومةً، ومن الطّور الأخير البادي في الزّراعة الأوّليّة الّتي هي زراعة المعزق يقدّم لنا علم الأقوام البشريّة (الإثنولوجية) براهينه على ثقافة الإنسان السّابقة التّاريخ.
ابتدأ العصر المعدنيّ في سورية وفي مصر، وجمهور العلماء يرجّحون أنّ مركزيه كانا كلدية على مجرى الفرات ودجلة، ووادي النّيل. والكنعانيّون أيضاً يعدّون بين أقدم الشّعوب التي عرفت المعادن والتّعدين في شبه جزيرة سيناء وفلسطين(35) ، وكانت لهم في الدّفاع عن معادنهم حروب مع المصرّيين الّذين طمعوا فيها. وفي هذا العصر ابتدأت الحضارة ترتقي بترقية أحوال الفلح والتّسميد والاعتناء بالأشجار المثمرة وتنويع الزّرع.
في هذا العصر وفي هذه البقاع السّوريّة دخل المحراث في العمل لسدّ الحاجة بواسطة الزّراعة فكان ذلك خطوةً واسعةً في الاقتصاد نتج عنها تفوّق في العمل على الإنتاج فاستغني عن مقدار لا بأس به من الجهد أو، بمعنًى آخر، تحرّر قسم من «الزّخم» البشريّ من حاجة الانصباب على الأرض للعناية بتأمين مقدار الغذاء الضّروريّ وأصبح في الإمكان توجيهه إلى سدّ الحاجات الأخرى الّتي ارتقت من المرتبة الضّروريّة إلى المرتبة الحاجيّة. وانطلق العمران من قيوده الثّقيلة ونطقه الضّيّقة الّتي نراها في العشيرة القائمة بأودها والّتي لم يتحرر منها الزّارع الأوّليّ الّذي لم يتمكّن من تنمية العمران الاجتماعيّ إلى ما يزيد عن نطاق القرية وترقية النّظام الاجتماعيّ إلى ما يزيد عن إمارة القبيلة وتعيين العلاقات بين السّادة والعبيد أو إقرار هذه العلاقات على الحالة التي توجد فيها. ففي السّودان نرى العمران الاجتماعيّ لا يتمكّن من النّمو بسبب تأخّر الثّقافة الزّراعية حتّى إنّ زيادة السّكان لاتؤدّي إلى زيادة في العمران، بل إلى زحام في المعاش يضطرّ معه أهل المنطقة إلى نبذ الفئات الزّائدة منهم إلى مكان قصي(36).
ازداد الحاصل الزّراعيّ بواسطة إدخال المحراث والتّسميد حتّى أصبح في الإمكان تغذية عدد وافر، قابل النّموّ من السّكان الّذين أخذوا يوطّدون إقامتهم في الأرض بتثبيت العمران وزيادته. فنشأت المدينة وفيها ارتقت شؤون المأكل واللّباس وازدادت الصّناعات اليدويّة واتّسع نطاق التّمييز الصّناعيّ (وهذا التّمييز كان، طبعاً، بين الذّكور) فتناول صناعات عالية كصناعة الطّبّ وفنوناً كفنّ الحرب وفنّ النّحت والنّقش، وفنّ الكتابة الأوّليّة الهيروغليفيّة في مصر والمسماريّة في شنعار (بابل). وفي هذا الطّور ارتقى تبادل الحاصلات والمنتوجات الدّاخليّ إلى حدّ عال.
بيد أنّه مع كلّ هذا التّقدّم في الثّقافة العمرانيّة ونشوء الثّقافة النفسيّة أو العقليّة فإنّ الحياة العقليّة ظلّت ابتدائيّةً ومقيّدةً بالضّروريّ لشؤون المجتمع، لأنّ وسائل تحرير العقل كانت لا تزال ناقصةً. فنموّ العمران واتّساع نطاق التميّيز العمليّ رقيا مستوى المعيشة، ولكنّ الكتابة الهيروغليفيّة والمسماريّة كانت بعيدةً عن إظهار التّعابير العقليّة المتعدّدة وتقتضي عناءً كبيراً في التّسجيل والقراءة ولا يمكن نشرها بحيث تعمّ، فهي أدّت خدمتها الضّروريّة الجلّى بتسجيل أهمّ حوادث السّلطان وغزواته، وأهمّ قوانين الدّولة الّتي نشأت مع المدينة وشؤون العبادات الدّينيّة. ووقفت عند هذا الحدّ فلم تتناول نشر المعارف والعلوم ولا تسهيل المعاملات والاتصال بين شعب وشعب. وارتقاء التّعاون المركّب في المدينة أبقى حاجات كثيرةً حاجيّةً وكماليّةً غير قابلة السّدّ في المجتمع نفسه فأدّى هذا النّقص الكبير إلى اتّخاذ الحرب المنظّمة وسيلةً للتّعويض عنه. هكذا الغزوات المصرّية للاستيلاء على مناجم شبه جزيرة سيناء والحصول على أرز لبنان. وهكذا الغزوات الأشوريّة والكلدانيّة لأخذ الجزية الّتي كانت تحتاج إليها بلاليط نينوى وبابل.
وسط هذه الحروب وفي هذا النّقص العمرانيّ عن بلوغ مستوًى راق من الثّقافة الإنسانيّة كان الكنعانيّون يتّخذون اتّجاهاً جديداً. إنّهم ساهموا في الحالة العامّة الّتي وصفناها آنفاً. وغزوا مصر وأنشأوا دولةً منهم فيها(37). ولكنّهم لم يغرقّوا في الحروب، بل اهتمّوا بالتّغلب على صعوبات الحاجات العمرانيّة بترتيب ثقافتهم الاقتصاديّة على أساس زراعة راقية غنيّة جدّاً حتّى سمّي وطنهم الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً، وتنبّهوا باكراً إلى إمكانيّة التّوسع والحصول على أكبر نصيب من كماليات العمران عن طريق غير طريق الغزو وفرض الجزية ــــ عن طريق التّجارة. فتوسّعوا في أرضهم وتوجّه شطر منهم شمإلا على شاطىء البحر غربيّ لبنان واحتلّ كلّ هذا السّاحل الخصب الّذي عرف فيما بعد باسم فينيقية نسبةً إلى هؤلاء الكنعانيّين(38) الّذين لوّحتهم الشّمس على رمال الشاطىء وأمواج اليمّ، أو إلى الأرجوان الّذي كانوا يصنعونه. أنشأ هؤلاء الكنعانيّون المدينة البحريّة الّتي امتازت بصفات ثقافيّة خاصة، وأصبحت المثال الذي احتذته الأمم التي دخلت في نطاق المدنيّة السّوريّة(39) ، كالإغريق والرّومان. وأهمّ خصائص هذه الثّقافة أنّها توجد تلاؤماً بديعاً بين شؤون سلك البحر وشؤون زراعة تتطلّب عنايةً أكثر ممّا تتطلّب جهداً عضليّاً. فوراء المدينة في الهنترلند Hinterland قامت زراعة لها خصائص اتّخذت مثإلا نقلت عنه الأمم الأخرى، هي غراسة البستان الّتي جمعت بين الأشجار المثمرة والبقول والحبوب. إنّ فنّ البستان والكرم، العناية بالأشجار المثمرة في تشذيبها وتحسين نتائجها، هو فنّ زراعيّ سوريّ تردّه تقاليد الأمم إلى الفينيقيّين ودلابلاش(40) يقول إنّ عالم البحر المتوّسط اقتبس هذا النّوع من الحضارة عن الشّاطىء السّوريّ ما بين طرابلس وجبل الكرمل.
كانت التّجارة الطّور الأوّل للثّورة السّوريّة الثّقافيّة فسارت قوافل الكنعانيين إلى مصر وبلاد الكلدان، وجرت مراكبهم على سطح البحر لتكتشف في غربه وشماله أقواماً لا تزال في طور الوحشيّة أو البربريّة وتنشيء معها علاقات تجاريّةً سلميّةً ينتج عنها ربح ماديّ للمكتشفين وربح ثقافيّ للمكتشفين. ولم يكن هذا الطّور التّجاريّ مقتصراً على نقل بضائع بين مكان ومكان آخر، بل كان يقوم على نشوء صناعات عديدة ونموّها كالنّسيج والصّبغ وصنع الزجاج وما شاكل، فضلاً عن صناعة القوارب والمراكب الّتي بقيت صناعةً قوميّةً بحتةً لا يقصد منها التّصدير.
التّجارة هي أحد العوامل العظمى في تفاعل الثّقافات وأحد العوامل الاقتصاديّة الكبرى. التّجارة مكّنت السّوريّين من التّعويض عن فقر أرضهم في المعادن، وعن نقص الموادّ الخام التي يحتاج إليها مجتمعهم الآخذ في النّموّ والارتقاء المدنيّ ومهّدت لهم، بواسطة ما أحدثوه من فنّ سلك البحر، الانتقال إلى طور آخر عظيم الأثر في العمران هو طور الاستعمار الّذي أدخل البحر المتوسّط كلّه في نطاق هذه الثّقافة السّوريّة الجديدة الّتي هي بدء التّمدّن الحديث. وليس أدلّ على أهميّة هذه الخطوة السّوريّة المبدعة لتقدّم الثّقافة العمرانيّة وانتشارها من النّظر إلى حالة الأقوام البربريّة الّتي دخلت في نطاق هذه الثّقافة الجديدة عند أوّل عهد السّوريين بها. خذ الإغريق مثلاً، فإنّ حالتهم بالنّسبة إلى ما كان عليه الفينيقيّون من ثقافة هي، كما يصفها هوميرس ، مشابهة لحالة برابرة إفريقية تجاه الشّعوب التّجاريّة الحديثة. فقد كان المركب الفينيقيّ يرسو على الشاطىء الإغريقيّ حاملاً أنواعاً عديدةً من المنتوجات المصنوعة في بلاده للّبس والزّخرف وبعد أن يشتري التّجار رضى الأمير كانوا يعرضون بضاعتهم الّتي كانوا يبدلون بها من الإغريق موادّ خاماً كالقمح والخشب والجلود والمعادن الخام والعبيد وما شاكل. أمّا البضاعة السّوريّة فكان فيها النسيج وأصناف كثيرة من المصنوعات المعدنيّة والأرجوان الّذي اشتهروا به وغير ذلك.
من الثّقافة الزّراعيّة الصّناعيّة البحتة الّتي وسّعت نطاق تمييز العمل بواسطة تحرير الأيدي الّذي أدخله المحراث ومكّنت النّظام الدّاخليّ من الارتقاء إلى المدينة والدّولة، مع تحديد كلّ النّتيجة العمرانيّة بالبيئة، اللّهمّ إلا ما يأتي عن طريق الحرب وهو غير ثابت، خطا السّوريّون الكنعانيّون والآراميّون إلى التّجارة وثقافة الإنتاج التّجاريّ الّتي تتّصل بأمكنة بعيدة وتمتدّ إلى موارد واسعة جدّاً وتدخلها في نطاقها. ونتج عن هذا التّطوّر الخير، عدا الاستعمار الّذي أشرنا إليه، فنّ معرفة العالم وما فيه من ثروات، وترقية فنّ سلك البحار وربط أماكن الموادّ الخام بمراكز الثّقافة التّجاريّة الجديدة. فكان التّقدّم من الوجهة العمرانيّة الاقتصاديّة عظيماً.
ابتدأ العمل العقليّ في هذه الثّقافة يرجح على غيره، فالتّجارة عمل عقليّ Par excellence. فكان على الّذين أوجدوا الثّقافة الاقتصاديّة الجديدة أن يبتدعوا الطّريقة العمليّة للحياة العقليّة ويضعوا أساساً جديداً متيناً للثّقافة الإنسانيّة. كان على سورية أنّ تكمّل ثورتها الثّقافيّة وتفتح طريقاً جديدةً للارتقاء الثّقافيّ فاستنبط الكنعانيّون (الفينقيّون) الأحرف الهجائيّة فتمّت قاعدة التّمدّن الحديث.
في طور الثّقافة الزّراعيّة الصّناعيّة القائمة بأود المجتمع عن طريق العائلة والتّملّك الشّخصيّ نجد نموّاً في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ القائم على طبقات ثلاث: الأشراف، الصّنّاع الأحرار، العبيد. فقد زال، من زمان، نظام العشيرة القائمة بأودها والقبيلة الّتي تضمّ قرًى، وحلّ محلّة نظام الدّولة الملكيّة ثمّ الجمهوريّة. ولكنّ موارد هذه الثّقافة اقتصرت على بيئتها فلم تتمكّن من اطّراد التّقدّم، لأنّ موادّ كلّ بيئة محدودة بذاتها. ولم تكن الحرب تعويضاً ثابتاً أو وسيلةً عمرانيّةً لاطّراد الارتقاء الثّقافيّ. ولا نقول إنّ التّجارة كانت معدومةً ولكنّها لم تكن عاملاً اقتصاديّاً منظّماً، بل كانت عبارةً عن تبادل خاضع للإنتاج الفرديّ غير المنظّم.
أمّا الثّقافة التّجاريّة فإنّها نظّمت العمل في وحدات مشتركة وأوجدت معنى الرأسمال الهامّ. كان الرأسمال قبل نهضة التّجارة بين الأمم فرديّاً يستعمل في الإنتاج لسدّ الحاجة مداورةً وللتّبادل الدّاخليّ، الّذي هو من أهمّ عوامل تنظيم المجتمع العمرانيّ، ولكنّه لم يكن عاملاً في تنظيم الاقتصاد والعمل، أي إنّه لم يكن رأسمالا بالمعنى العصريّ. ولكنّه في الثّقافة التّجاريّة أصبح ذا قيمة قوميّة لأنّه تناول تنظيم العمل للإنتاج الواسع بقصد الإتّجار مع الأمم وتموينها بما تحتاج إليه، عن طريق أفرادها، وجماعاتها، لقاء الحصول على ما يغطيّ نفقة العمل، ويعطي الرأسمال، نفقة تنظيمه الإنتاج والأسواق، ربحاً ينمّي الثرّوة القوميّة الّتي أصبحت في هذا الطّور تحت حماية الدّولة. مع هذه الخطوة الواسعة نشأ الاقتصاد القوميّ الّذي لا يزال يسيطر على المجاميع البشريّة والثّقافة المدنيّة الحاضرة.
في هذه الثّقافة ابتدأ كون العائلة أساس النّظام العمليّ في المجتمع يضعف. فتوزّع العمل وتميّز ين الرّجال، أمّا المرأة فإنّها بقيت ربّة البيت أو أنّ عملها الممّيز هو القيام بجميع شؤون المنزل. وظلّت القرابة الدّمويّة الفاعل الأقوى في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ إذ كانت الحرفة تبقى في العائلة يعطيها الأب لابنه وللأقربين إليه من بعده وكذلك إرث الثّروة. كان ذلك أهمّ عامل في التّمييز الاجتماعيّ وبه تحددّت الطّبقات تحدّداً شديداً أدّى إلى نضال عنيف ضمن نطاق الدّولة ومشادّة بين الأرستقراطيّة الوراثيّة وطبقة العامّة. وقد تمكّنت التّجارة الفينيقيّة من أنّ تزيد العمل بواسطة العبيد الّذين كانوا يشترونهم ويوزعونهم على الأعمال المختلفة. فظلّت العائلة محتفظةً بمركزها أساساً للتّنظيم الاجتماعيّ ولكنّها لم تعد وحدةً اقتصاديّةً قائمةً بأودها، بل أصبحت تعتمد على الإنتاج التّجاريّ المنظّم بالرأسمال، الأمر الّذي أدّى إلى ما عرف بالعمل البيتيّ للصّناعات اليدويّة.


الثورة الصناعية

كان هذا التّطور بداءة عودة الاقتصاد الاجتماعيّ بدلاً من الاقتصاد الفرديّ العائليّ الّذي لا يزال ممثّلاً بعض التّمثيل في تجمهر العائلة المتّصلة الصّينيّة، وقيامها على سدّ جميع حاجاتها بعملها الخاصّ في بقعة صغيرة من الأرض المحوّلة إلى بستان زراعيّ غنيّ خصب، ولكنّ أهميّة العائلة الاقتصاديّة لم تتلاش، في هذا الطّور، بالمرّة، بل احتفظت بكثير من خصائصها الاقتصاديّة حتى مجيء عصر الآلة المعروف بعصر الثّورة الصّناعيّة فأخرج الصّناعات اليدويّة الباقية من بيوتها وأخرج الصّناع من المصانع بالمئات والألوف وأوجد هذا العصر، فيما أوجد، الآلة المنزليّة الّتي أخذت معظم عمل المرأة في بيتها وزال توزيع العمل بين الجنسين ولم يعد الزّواج مبدأً اقتصاديّاً يقوم على تقسيم العمل، الرّجل لأعمال التّحصيل والمرأة لأعمال التّدبير. فاضطرّت المرأة إلى إيجاد عمل لها خارج المنزل بدافع الحاجة إلى إيجاد عمل يشغلها وبدافع الحاجة المعاشيّة في نظام توزيع العمل والثرّوة الرأسماليّ الحاضر. ومن هذه الحالة نشأ تمييز العمل بين الإناث أيضاً وظهرت الحركة النّسائيّة الحديثة. وهذه الظّاهرة الاجتماعيّة الحديثة هي السبّب في حياة المرأة العصريّة، الغربيّة خصوصاً، الّتي يريد الكتّاب الّذين لم يعنوا بدرس سنن الاجتماع، أن يفضّلوا المرأة الشّرقيّة عليها، لحشمة هذه وحيائها ولسفور تلك وإقدامها وتطرّفها.
إنّ الثّورة الصّناعيّة وضعت الاجتماع على أساس جديد. فهي لم تقتصر على سلب العائلة صناعاتها وصاحب الحرفة الفرديّة حرفته، بل هي أوجدت المعامل والمصانع الكبيرة الّتي تضمّ مئات وألوفاً من العمّال في كلّ معمل أو مصنع. فنشأت في المدن والمناطق الصّناعيّة هذه الطّبقة من العمّال، الّتي عرفت في التّعابير العصريّة بلفظة «بروليتارية (Proletariat) والّتي أصبحت في العقود الأخيرة قوةً سياسيّةً هائلةً، لأنّها تختلف عن الطّبقة الزّراعيّة المتّصفّة بالجمود(41) الّتي، لبعدها عن مراكز الثّقافة المتمدّنة وانتشارها على أبعاد شاسعة، لم تتسنّ لها وسائل الاتحاد وتنظيم صفوفها وتكوين قوّة سياسيّة متحرّكة.
قادت الأبجديّة العالم في طريق المعرفة والعلم وتفوّق القوى العقليّة على صعوبات الطّبيعة إلى الآلة الاقتصادّية الّتي وضعت في يد الرأسماليّ قوّةً لم يكن يحلم بها، ففاقت قوّة الرأسمال المتعاظم أيّة قوّة أخرى مناقبيّة أو ماديّة. فقضت هذه القوّة الجديدة على النّظام القديم: النبلاء (الأشراف) و(الصنّاع) والأحرار والعبيد، ووضعت نظاماً جديداً: الرأسماليّون ومزاولو المهن الحرّة والعمّال، أو ما عبّر عنه بالطّبقة العليا والطّبقة الوسطى والطّبقة الدّنيا.
نجد في هذا الطّور الجديد أنّ العائلة فقدت رابطتها المتينة السّابقة ولم تعد الدّرجة الرّابعة من القرابة الدّمويّة ولا الدّرجة الثّالثة بذات بال، بل إنّ الدّرجة الثّانية أيضاً لم يعد يحسب حسابها إلا نادراً. والّذين لا يفهمون العوامل الاقتصاديّة الخطيرة العاملة تحت كلّ مظهر من مظاهر الاجتماع، وخصوصاً أولئك المناقبيّين الّذين يرون المناقب أساس كلّ شيء، يعدّون هذا التّحول الجديد، تفسّخاً من جرّاء الفساد.
أوجدت الأبجديّة والتّجارة اتجاهاً ثقافيّاً جديداً انتهى إلى عصر الآلة الصّناعيّة الّذي هو عصر التّمدن الحديث. وهذا العصر فسح للثّقافة العقليّة أوسع مجال ورقّى التّفاعل الاجتماعيّ إلى درجة عالية جدّاً.
منذ الفترة الّتي ظهرت فيها الأبجدية إلى جانب التّجارة واتّحد هذان العاملان في التّفاعل الاقتصاديّ الاجتماعيّ، اتّجه الاجتماع البشريّ نحو الحياة النّفسّية (العقليّة) وسيطرة العقل على كنوز الطّبيعة ومواردها. وفي هذه الحياة الجديدة تساهم الأمم المتمدّنة. وبوجود هذه الحياة ووسائلها يمكن الآن ملايين البشر أن يفكّروا في قضايا الإنسانيّة الحيويّة والاجتماعيّة مستقلّين ومشتركين وأن يشتركوا في ثقافة إنسانيّة عامّة يدهش المفكّر لألوانها المتعدّدة تعدد القوميّات، وللخصائص النّفسّية الّتي تنكشف عنها في أمم عددها عدد البيئات.
ومتى ألقينا نظرةً على هذا الصّرح الفخم من الحياة المدنيّة، الّتي تحرز بعد كلّ فترة نصراً جديداً للإنسان على أسرار الطّبيعة، المزيّن بكلّ فن جميل من رسم ونحت ونقش وبناء ودهن وموسيقى إلخ، المبطن بالأخلاق وكلّ ما تعني من شخصيّة الفرد وشخصيّات الأقوام ــــ متى نظرنا إلى هذا البناء العقليّ الّذي يمثّل لنا المدنيّة الحديثة، أدركنا قيمة الثورة السّوريّة، ومعناها الكبير.


هوامش الفصل الخامس

(1) سيجيء الكلام على مراتب التطور البشري في سياق هذا الفصل، وقد رأينا أن نقتصر هنا على هذه القسمة لأنها أوفى بغرضنا، الذي هو الاجتماع العمراني الراقي فأخرجنا ما دونه وجعلناه قسماً واحداً، في حين أن التدقيق في أمره يوجب قسمته بدوره إلى قسمين متوحش وبربري فيكون الاجتماع، ثلاث مراتب: التوحش فالبربرية فالتمدن.
(2) سنعود إلى الكلام على هذه النظرية بإسهاب في بحث أصل الساميين ومهدهم في الكتاب الثاني من هذا المؤلف ونكتفي هنا بالإشارة إلى النظرية التي يؤيدها كيتاني ــــ كتابه المذكور ج.أ. ــــ القائلة بأن بلاد العرب كانت في الأعصر الجليدية، أو في العصر الجليدي الأخير أصلح الأقاليم المحيطة بها لإقامة الإنسان. ثم تطورت طبيعة الأرض بعد العصر الجليدي الأخير وأخذت تربتها في الأنحال ببطء متناه قضى على العمران الذي كان فيها ــــ أيضاً ج.أ. ص 276 واضطر أقواماً إلى المهاجرة منها وأقواماً أخرى إلى تعوّد حياة البداوة.
(3) لا يعتقد ملر ــــ لير ــــ أن التطور كان دائماً من حالة الصيد إلى الرعاية إلى الزراعة والحضارة. بل يعتقد بحوادث رجعة من هذا القبيل. ملر ـــ لير، ص 85 88
(4) راجع الفصل الرابع (ص 42 أعلاه). ولسنا نقصد بالضرورة الاقتصادية أن الاقتصاد هو أساس أو مرجع جميع المظاهر الاجتماعية، فلا نزعم أن الاقتصاد هو الدافع إلى الحب والزواج والعناية والبنين أو أنه الباعث على محبة الموسيقى ولكننا نزعم أنه لا يكاد يعقد الزواج حتى يدخل العامل الاقتصادي أساساً لكيانه وبقائه وأن محبة الموسيقى، من حيث هي مظهر اجتماعي، تبقى عقيمة أو أولية بدون الأساس الاقتصادي ولا يمكن الفصل عملياً بين الحياة ومقوماتها.
(5) راجع ص 28 أعلاه الهامش رقم (34).
(6) قسم ابن خلدون في مقدمته، مراتب أسباب المعاش إلى ثلاث: ضروري فحاجي فكمالي ابن خلدون. المقدمة ص 120 ــــ 122. [ص 132 ــــ 135 في طبعة دار الجيل].
(7) كيتاني ج.1. ص 323.
(8) المصدر نفسه، ص 97. انظر أيضاً بشأن التلمك تاريخ إدوار ماير ج.أ. النصف الثاني فقرة 333.
(9) حمل الأثقال وتحميل الدواب وجمع الغذاء النباتي هو عمل المرأة عند البدو والجماعات الأولية (راجع أيضاً ملر ــــ لير ص 72 ــــ وقد ذكر كيتاني (ج1. ص 335) ــــ أن النساء هن اللواتي يقمن عند السحر بتقويض اليام وبجمع المواعين والأدوات وحزمها وبتحميل الجمال. وغير ذلك من الأعمال الشاقة بينما الرجال مجتمعون حول المواقد يصطلون من شدة البرد.
(10) هرتس، وفيركنط AVV ص 2.
(11) إن تعاون الرجل والمرأة على الحياة واتخاذ كل منهما ناحية لا يمكن اعتباره «توزيع عمل» إلا بصورة أولية بحتة.
(12) ص 30 أعلاه.
(13) ملر ــــ لير ص 54.
(14) لا نوافق مدرسة، منها ملر لير، تقول إن النار دخلت في حياة الإنسان بعد أن كان سار أشواطاً في الثقافة، ملر ـــ لير، ص 56. فنحن نرى أن النار ضرورة سابقة للنطق ونجد تأييد ذلك في أدلة علم الإنسان.
(15) وينرت Menschen ص 18، 19.
(16) نقلاً عن ملر ـــ لير ص 50، ويصعب أن يكون مذهب غيغر صواباً. ولكن النطق كان ملازماً لارتقاء العقل.
(17) يحسن بنا، من أجل حفظ النسق العلمي في تتبع الثقافة الإنسانية، أن نحفظ الأعصر الثقافية التي رتبها علم الإنسان وعلم طبقات الأرض. والذي عليه أهل هذا العلم أن تاريخ الارتقاء البشري غير المكتوب يقسم إلى قسمين عامين هما: العصر الحجري والعصر المعدني. وكل من هذين العصرين ينطوي على أجزائه الخاصة، فنرى أن العصر الحجري يشتمل على ثلاثة أجزاء هي: العصر الحجري القديم أو السابق (البليوليثي) والعصر الحجري المتوسط أو اللاحق (المزليثي) الذي كثيراً ما يعرف بأنه حقبة ختامية للعصر الحجري القديم ويسمونه «الأبيبلوليثي» (Epipaleolithicum) والعصر الحجري الجديد أو المتأخر (النيوليثي). ثم يدخل العصر المعدني مبتدئاً بالحقبة النحاسية أو بإسقاط هذه والابتداء بالحقبة الشبهية (البرنز) التي حل محلها أخيراً الحقبة الحديدية التي لا نزال فيها. والعصر الحجري القديم هو أطول هذه العصور وهو المعقول بالنسبة إلى حالة الإنسان وأحوال زمانه، الزمان الجليدي. ويقسم أحياناً هذا العصر بدوره إلى ثلاثة أقسام: قديم ومتوسط وحديث، يستغرق الأول ما بين أوائل الإيوليثي وأواخر الشلي (Chèlees) ويشمل الثاني الأشولي (St. Acheul) والمستيري (Le Moustier) ويحيط الثالث بالأورنياكي (Aurignac) والصلترائي (Solutrè) والمجدلاني (La Madeleine) وهذه النعوت التصنيفية منسوبة إلى الأماكن التي اكتشفت فيها عظام أصحاب البقايا الثقافية المكتشفة معهم أو لوقتهم وهي أماكن فرنسية (راجع وينرت Ursprung، ص 17، 18 خصوصاً).
(18) ص 40 أعلاه.
(19) هذا وفاقاً لنظرية تقول بابتداء الإنسان وثقافته مع نهاية عصر «غنتز» الجليدي أو بدء عصر «مندل أما حسب نظرية أخرى تقول بالابتداء مع عصر «يرس» فتكون المدة نحو 150000 سنة ــــ انظر وينرت Ursprung ص 13 و23 ــــ والأسماء المذكورة هي أسماء أنهر سويسرانية تسمى بها الأعصر الجليدية الثلاثة.
(20) المصدر نفسه، ص 58.
(21) دلا بلاش ص 57 ـ 58.
(22) نقلاً عن ملر ـــ لير ص 77.
(23) هذه الطريقة هي الأكثر شيوعاً في أراضينا الزراعية.
(24) في مقاطعة الأنهر الأربعة (شخوان أو ششوان) ييلغ معدل السكان في سهل شنتو 300 ـ 350 للكيلومتر المربع ــــ دلا بلاش ص 94.
(25) G.E. Simon, La Cité Chinoise نقلاً عن ملر ــــ لير ص 78.
(26) ملر ــــ لير ص 73، 74.
(27) دلابلاش، ص 56.
(28) ملر ـــــ لير ص 159 نقله عن هيردوتس.
(29) المصدر نفسه، ص 167.
(30) المصدر نفسه، ص 126 نقلاً عن شرادر. و كولر AR ص 31.
(31) المصدر نفسه، ص 157.
(32) المصدر نفسه، 202.
(33) النابغة الدبياني
(34) ملر ــــ لير أيضاً ص 209.
(35) ماير، ج 2 ف 356.
(36) دلا بلاش ص 58.
(37) إنّ الاستنتاجات من معظم الأبحاصث عن الهكسوس (الذين عرفوا بالترجمة «الملوك الرعاة») تدل على أنهم كانوا ساميين سوريين، أي كنعانيين (انظر إدوار ماير ج 1. فقرة 304 ص 315. وسوريتهم مذكورة في أخبار مصرية، خصوصاً أخبار الملك حتشبسوت والملك أبوبي (المصدر نفسه، فقرة 303 ص 313). يدل أيضاً تأثيرهم الديني على مصر (المصدر نفسه، 304) وغريفث تايلر (Environment and Race، ص 119 ــــ 121) يسميهم الملوك السوريين.
(38) ماير ج2، فقرة 356، ص 422.
(39) دلا بلاش 138.
(40) المصدر نفسه، ص 139. وص 214.
(41) ذكره ملر ــــ لير، ص 174.
(42) مكيور Modern State، ص 140..


الفصل السّادس - نشوء الدّولة وتطوّرها

 


الثقافتان الماديّة والنّفسية
رأينا في ما تقدّم من فصول هذا الكتاب الأسس والخطط العامّة لتطوّر البشريّة وارتقائها في ثّقافاتها الماديّة الناتجة عن تفاعل الإنسان والطّبيعة بقصد تأمين سدّ الحاجة وبقاء الذّرّيّة. ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها، إذ الحياة العقليّة لا يمكن أن تأخذ مجراها إلا حيث تستتبّ لها الأسباب والمقومات. ولذلك نجد التّطوّر الثّقافيّ بجميع مظاهره يرتقي ويسبق غيره حيث أسباب الحياة أوفر وأرقى ممّا في سواه.
ولقد تكلّمنا عن الاجتماع البشريّ، وأشرنا إلى أنّه عريق في القدم وأنّه صفة بشريّة عامّة، حتّى إنّ ما قلناه بهذا الصّدد ليحمل على الاعتقاد أنّ اجتماعيّة الإنسان شيوعيّة بلا حدود أو قيود، والواقع غير ذلك. فالمجتمع الإنسانيّ ليس الإنسانيّة مجتمعةً، ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور؟ وإذا كانت المجتمعات البشريّة الثّقافيّة تتقارب بعضها من بعض بعوامل ثقافاتها فلا يزال لنا في حالات بعض المجتمعات وشؤونها الاجتماعيّة بقية تدلّ على أنّ «البشريّة» والاجتماع البشريّ ليسا مدلولين شائعين بين جميع البشر. فالأسكيمو يسمّون أنفسهم فقط «أنويت» (الناس) وكذلك هنود الينويز ينعتون أنفسهم بالينويز Ilinois : بشر) ومن حكايات الأسكيمو أنّ الأوروبيّ (الغريب) نشأ من زواج امرأة منهم وذئب قطبيّ(1) .
تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان.

نشوء الدّولة
وبديهيّ أنّ الدولة شأن ثقافيّ بحت، لأنّ وظيفتها، من وجهة النّظر العصّريّة، العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعيّن الحقوق والواجبات إمّا بالعرف والعادة ــــ في الأصل ــــ وإمّا بالغلبة والاستبداد. فهي إذن شأن من شؤون المجتمع المركّب، لا وجود لها إلا فيه، وهي لذلك شأن سياسيّ بحت، ومع ذلك فهي ليست شأناً لا اجتماعيّاً، فكما أنّ الدّولة لا وجود لها إلا في المجتمع كذلك السّياسة لا وجود لها بدون الاجتماع.
وقد اختُـلف في بداءة الدّولة هل هي في بداءة الاجتماع البشريّ (بدء البشريّة) أو في طور معين من أطوار ارتقاء هذا الاجتماع. فقالت نظريّة بأنّ الدّولة نشأت مع بدء الإنسانيّة وقالت نظرّية أخرى بأنّها نشأت حيثما ظهرت الفوارق الاجتماعيّة(2). وقد قال أرسطو في الدّولة إنّها تنشأ بعامل الحياة، ولكنّا تبقى في الحقيقة لتحقيق حياة حسنة الانتظام(3). ومع أنّ البحث المنطقيّ العقليّ يرغّبنا في تتبّع أسباب نشوء الدّولة وردّها إلى الخاصة الإنسانيّة النّفسيّة المعيّنة بالتّمييز بين أنانيّة المرء (نسبةً إلى أنا لا اسماً لحبّ الذّات) الظّاهرة في استعمال «أنا» وبين الظّاهرة الّتي توجد «أنت» ماثلاً أمام «أنا»، فإنّنا نخشى أن يقودنا مثل هذا البحث إلى الابتعاد كثيراً عن النّطاق المحدّد لهذا الموضوع. ولذلك فكلامنا على الدّولة، اجتماعيّاً، يجب أن يتّخذ نقطة الابتداء في واقع الدّولة أي في المجتمع المركّب ولو تركيباً بسيطاً. وفي كلّ حال يجب إلا يبرح ذهننا أنّ هذه النّقطة وهميّة، فأطوار الاجتماع البشريّ ليست مقاطع مستقلاً الواحد منها عن الآخر كلّ الاستقلال.

الدولة في عالم الحيوان
ولا بدّ لنا، قبل ولوج قلب الموضوع، من الاحتياط هنا لما احتطنا له في موضوع الاجتماع البشريّ، نعني اتّخاذ أمثلة للدّولة من عالم الحيوان. فمع ما في هذا العالم من أشكال التّجمع المرتّبة، كوجود نوع من الزّعامة في بعض أنواع الحيوان وجماعات النّمل(4) ووجود صنف معيّن للقتال في جماعات النّمل الأبيض(5) ، فإنّ الفرق بين حقيقة هذه الظّواهر وحقيقة التّرتيب المنطقيّ العقليّ في تصنيف المجتمع الإنسانيّ كبير جدّاً. فالكلام على «دولة النّمل» و«دولة النّحل» يجب إلا يحملنا على التّفكير بوجود دول منشأة في هذه الحشرات والهوام. إنّ الدّولة شكل من أشدّ أشكال الكيان الاجتماعيّ تعلّقاً بالعقل والمجاز(6) فلا يجوز مطلقاً أنّ ننقل هذا الاصطلاح الإنسانيّ المحض إلى عالم الحشرات، لأنّ مثل هذا النّقل يجعل قياساً واحداً وقيمةً واحدةً لما هو ثقافيّ وما هو طبيعيّ غريزيّ. ومع أنّ العالم أرخ وسمن (أنظر بحثه المذكور في الهامش) يشير بوضوح، في بداءة بحثه «الدّيمقراطيّة في دول النّمل والنّمل الأبيض» إلى الفوارق بين خصائص الإنسان وخصائص الحيوان النّفسيّة، فهو لا يتورّع، في مكان آخر من بحثه(7) عن أن يجد في صغر عقل عمّال النّمل الأبيض، بالنّسبة إلى كبر رأسها، التّعليل المنطقيّ للنّظام «الشّيوعيّ» في «دول» هذا النّمل!

الحقوق الأوّلية
ليست الدّولة في ذاتها مقياساً للثقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق. فلا بدّ لنا من إلقاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكّن من فهم نشوء الدّولة وتطوّرها في ظروفهما. يجب أنّ ننظر إلى الحقوق إذا كنّا نريد أن نحصل على تحديد حقيقيّ للدّولة(8) .
الجماعة والفرد
في أحطّ درجات الاجتماع البشريّ وأبسطها نجد الجماعة أو العشيرة وعبثاً نحاول أن نجد الفرد، فهو لا وجود له اقتصاديّاً ولا حقوقيّاً ولذلك فهو ليس بداءة الاجتماع ولا شأن له في تعيين الاجتماع وكيفيّته. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ النّظرة الفرديّة للاجتماع الّتي يجدها الدّارس في «التّعاقد الاجتماعيّ» [Contrat Sociale] لروسو [J.J. Roussau, 1712-1778] هي مستمدّة من حالة المجتمع بعد ظهور الفرد عاملاً فيه، وقبل ذلك لا اختيار للفرد في الاجتماع والمجموع. فوجوده الأنانيّ في تلك الحالة الأوّلية لا يظهر إلا في التّمييز بينه وبين غيره في بعض العلاقات النّفسيّة (الذّهنيّة). إن هو إلا نقطة في موجة صغيرة لا يمكنك تعيينها، كيفيّةً وكميّةً، إلا إذا فصلتها عن جسمها.
الموجة، الجماعة، هي كلّ شيء في بداءة البشريّة. والجماعة في الطّور الأوّليّ الّذي نحن بصدده خاضعة لجميع أنواع الرؤى والأوهام، وهذه الرؤى وهذه الأوهام هي كلّ حياّتها النّفسيّة. لذلك نرى الحقّ والدّين شيئاً واحداً في البدء.

الطوطمية [Totemism] والتناسخ
إنّ قرابة عرض الإنسان من عرض الحيوان في هذه الدّرجة جعل الإنسان يحسّ من نفسه في نفس الحيوان. فكثرت تخيلات انتقال النّفس بعد الموت إلى حيوان أو إلى إنسان آخر. ومن ثمّ نشأ تشخيص نفس العائلة في كائن حيوانيّ أو نباتيّ وهو الطّوطميّة Totemismus فاختصّت كلّ عشيرة أو فخذ نفسها بحيوان ــــ وهو الأكثر ــــ أو نبات أو جبل معين تعرف به(9). وفي المثال الأخير نجد اتّجاهاً نحو الإقامة. ومن نزول عدّة عشائر لطواطم مختلفة في بقعة واحدة ينشأ الطّوطم المكانيّ الّذي يجمعهم جميعاً ويخضع له كلّ واحد منهم(10).

الزّواج الخارجيّ
أدّى الاعتقاد بتوافق الطّواطم أو بعضها إلى استحسان التّواصل الجنسيّ بين رجال طوطم معيّن ونساء طوطم آخر. وهكذا نشأ الزّواج الخارجيّ المحتّم الّذي اتّخذ أشكإلا عدّةً وحرّم الامتزاج الدّمويّ الدّاخليّ تحريماً يستحقّ من ينتقض عليه الموت(11).
وقد ظلّ الزّواج الخارجيّ أحقاباً طويلةً زواج جماعات لا زواج أفراد. وطريقته أن تعتبر نساء الجماعة الواحدة مخصوصةً لرجال الجماعة الأخرى النسيبة. فليس هنالك عقود زواج، بل إباحة الاختلاط بين رجال الجماعة الواحدة ونساء الجماعة الأخرى بدون حدود(12). وهنا نرى المظهر التّام لشيوعيّة العمل والنّتاج (ص 91 و92 أعلاه) مكمّلاً شيوعيّة العلاقات الجنسيّة ولكنّ هذه الشيّوعيّة الأخيرة محدّدة بالطّرق والأساليب المذكورة فوق.

الحقوق الأموميّة
يظهر أنّ الزّواج الخارجيّ كان مصحوباً بالحقوق الأموميّة، في الأصل. وهذه الحقوق تعني أنّ الأولاد يبقون في عهدة الأمّ ويكونون من نصيب جماعتها، إذ إنّ الجماعة، لا الفرد، هي صاحبة الحقّ وليس للأفراد حقوق غير حقوقها. فإذا فرضنا نّ رجال جماعة معيّنة تزوّجوا نساء جماعة أخرى فإنّ الأولاد يكونون حصّة جماعة الأمّهات لا حصّة جماعة الآباء. ولعلّ هذه الحقوق ناشئة عن الحالة الطّبيعيّة الّتي توجب على الأمّ العناية بالأولاد بينما الرّجل يخرج إلى الصّيد والتّوغل. ويرجّح أنّ هذه الحقوق هي الأقدم وإن كان ظهر أنّ الحقوق الأبويّة أيضاً وجدت في حالات قديمة جدّاً، وأحياناً إلى جانب الحقوق الأموميّة.
يكون الطّفل في حالة الحقوق الأموميّة متعلّقاً بالأمّ وعائلتها، عشيرتها، والرّجال الّذين يكونون إلى جانبها هم إخوتها، أخواله(13) الّذين تنشأ بينه وبينهم روابط متينة جدّاً.


الحقوق الأبويّة
هي نقيض الحقوق الأموميّة، فالولد للرّجل، لا للأمّ، حتى في إبانّ الزّواج الخارجيّ. ولكنّها في ذلك العهد ليست القاعدة بل الشذوذ عن القاعدة إلى قاعدة جديدة. وتعني هذه الحقوق في الزّواج الخارجيّ أنّ الأطفال المولودين من فريق رجال جماعة ونساء جمعة أخرى يخصّون جماعة الآباء وطوطمها، لا جماعة الأمّهات وطوطمها.
إنّ جميع الشّعوب المتمشّية على قاعدة حقوق الأبّوة قد خرجت إليها عن طريق حقوق الأمومة الّتي درجت عليها. وهذا التّحول حدث في أزمنة ليس لنا بها صلة تاريخيّة مطلقاً كالّذي حدث للساميّين والهندجرمانيين(14) من الشّعوب التّاريخيّة بحيث لم يعد ممكناً تقصّي ذلك تاريخياً لا في أقدم الشّرائع الساميّة الّتي هي أقدم الشّرائع طرّاً، كشريعة حمورابي، ولا في أقدم التّقاليد الهندجرمانية الممثّلة في «الفيدا Veda ».
ومن أهمّ مظاهر هذا الزّواج الخارجيّ الاجتماعيّة كون التّزاوج حاصلاً بين الأقرباء، أي بين أبناء الأخوال.
وبعد الانتقالن من الشّيوعيّة والإباحيّة إلى الفرديّة لم تضمحلّ الإباحيّة بالمرّة بل تركت بقايا في الطّقوس الدّينيّة والعبادات ومن هذه البقايا الّتي عرفت في العالم السّاميّ كلّه وفي الهند وأماكن أخرى «بنات الهياكل» أو «بنات الآلهة» أو «بنات الشّعب» اللّواتي ينذرن ويكنّ مباحات(15). وقد رجعت مظاهرها في الشّيوعيّة الحديثة. وفي كلّ مجتمع حديث نوع من الإباحيّة المقيّدة أو السّريّة، يشكّل صمّاماً للحصر الّذي تولّده أعباء عقود الزّواج.

الزواج الفردي والعقد
تطوّر الزّواج الخارجيّ نحو الفرديّة واختصاص الزّوجين وفي هذه الحالة كان لا بدّ من إجراء عقد للزّواج. وقد يكون ما أدّى إلى إنشاء هذه المؤسّسة اضطرار بعض العشائر المتقاربة إلى الانقسام أو الارتحال، مضافاً إليه تولّد عوامل نفسيّة فرديّة.
وقد نشأ من الزّواج المجموعيّ نوع عرف بتعدّد الأزواج، كما نعرف عن الصّابئة في بلاد العرب(16). وسببه كثرة وأد البنات وقتلهنّ. وهذا النّوع أيضاً لم يلبث أن تطوّر نحو الزّواج الفرديّ وقد يكون من أهمّ عوامل هذا التّطوّر إقدام الرّجل على اختطاف المرأة الّتي يريدها. ومنذ السّاعة الّتي ابتدأ فيها الرّجل يشعر بقوّته وبرغباته الخاصّة حين كان يغزو ويعود ظافراً بالأسلاب والسبي، أخذ يخضع المرأة لإرادته ورغباته وهكذا أصبح الرّجال قوّامين على النّساء ووجدت هذه الحالة الّتي لا تزال سائدةً في بلاد العرب طريقاً إلى الإسلام وثبتت فيه كما ثبت فيه الأخذ بقرابة الرّضاع الّتي هي من مصاحبات القرابة الدّمويّة في الشّعوب الّتي لا يزال اجتماعها أوّليّاً. والفضل في نشر هذه القرابة في العالم يعود إلى الإسلام بعد أن كانت منحصرةً في القبائل العربيّة وفي القوقاس(17).

الزّواج بالشّراء
أدّى اختطاف المرأة في الشّعوب الأوّليّة وفي الحالات الأوّليّة للشّعوب المرتقية إلى شراء الرّجل المرأة. ومع ضياع حقوق المرأة في حالة الاختطاف وحالة الشّراء تمكنت سيادة الرّجل وحقوقه الّتي أخذت تفعل في تطوير العائلة وما تنطوي عليه من حقوق وراثة وغيرها.
ومن هذا الشّراء الأوّليّ تطوّر الزّواج، مع ارتقاء المجاميع البشريّة، نحو الهديّة والعربون وما شاكل، ممّا أعاد إلى المرأة مركزها الشخصيّ وأزال عنها صفة السّلعة. وفي المجاميع المتمدّنة تحوّل معنى أنّ "الرّجال قوّامون على النّساء" [سورة النساء رقم 4 الآية 34] إلى قصد العطف على المرأة والأخذ بناصرها، لا التّصرّف بها.

الاستعباد
يظهر أنّ الاستعباد نشأ من الغزو والسبي. ولعلّ المرأة المسبيّة كانت أوّل من استُعبد من البشر. والاستعباد عموماً ليس قديماً جدّاً في العالم فهو غير ممكن وغير مفيد إلا في طور ثقافيّ مرتق نوعاً. إنّه نشأ مع تحوّل الجماعة إلى الزّراعة والإقامة اللّتين يمكن فيهما الاستعباد ويفيد. ونحن نرى أنّ العبيد يؤلّفون عنصراً هامّاً من عناصر الثّقافة الزّراعيّة الأولى، فهم الصّناع الأول الّذين تميّز بينهم العمل حرفاً خاصّةً، فأقامهم سادتهم في منازلهم وفي حقولهم كما أشرنا إلى ذلك في الفصل المتقدّم.
وقد كثر الاستعباد في الأزمنة التّاريخيّة فاتخذ الفينيقيون عبيداً يكلون إليهم العمل في صناعاتهم وتجاراتهم وزراعاتهم. ولعلّ الاستعباد عندهم كان أرحمه لأنّهم كانوا أهل تجارة واسعة، واستخدام العبيد في الشّؤون التّجاريّة أخفّ وطأةً منه في الشّؤون الزّراعيّة. واستعبد الإغريق واقتبس الرّومان عن الفينقيّين في إفريقية فوائد استخدام العبيد في الزّراعة وقلّدوهم في هذا المضمار(18) وتضخّم الاستعباد في رومة حتى انفجر عن ثورات أروعها ثورة نشبت في صقلية على أثر الحرب الفينيقيّة Punic الثّالثة [149-146 ق. م.] وبطلها رجل سوريّ اسمه بالإغريقية يونس استوحى آلهةً سوريّةً لإثارة العبيد زاعماً أنّ الآلهة السّوريّة جميعها دعته ليتولّى ملكاً. وبالفعل أنشأ يونس مملكته فجرّد جيشه على الجيوش والمدن وأثخن فيها ودوّخ البلاد ونادى بنفسه ملكاً باسم أنطيوخس تيّمناً بالامبراطور السّوريّ السّلوقيّ الكبير، وسمّي أتباعه سوريّين(19) ولكنّ ملكه كان قصير الأجل ولم تنجح حركته التّحريريّة إلا فترةً قصيرةً.

الثــأر
نرى في حياة الجماعات الأوّليّة منذ العهد الطوطميّ، أنّ الحقوق الجزائيّة تناولت شكلي العلاقات الاجتماعيّة الخارجيّ والدّاخليّ، الأوّل لما يحدث من قبل جماعة أو بعضها لجماعة أخرى والثّاني لم يحدث من قبل أفراد في الجماعة نفسها. وكثيراً ما تؤدّي هذه العوارض إلى حروب بين العشائر والقبائل المتجاورة طلباً للثّأر. وسببه الأصليّ طلب التّعويض عن الخسارة الّتي منيت بها عشيرة المصاب فأضعفتها في عددها تجاه العشيرة الأخرى. ولا يبحث في مثل هذه الأحوال عن الحقّ والذنب والاعتداء كيف وقع بل تطلب العشيرة أو القبيلة إلحاق خسارة مثل خسارتها بالعشيرة أو القبيلة الّتي خرج منها الاعتداء أو القتل. وكلّ مقتول هو للعشيرة اعتداء عليها هي.
والثّأر يؤلّف وجهة الحقوق الجزائيّة الوحيدة في الشّعوب الأوّليّة أو المنحطّة. وهو يدخل التّقاليد ويرتقي فيها كما نجد عند العرب الّذين ملأ الثأر تقاليدهم وحكاياتهم وقصائدهم حتّى أصبح واحدهم يكاد لا يعيش لشيء إلا «ليدرك ثأراً أو ليدرك مغنماً».
ويظهر جليّاً سبب الثّأر المذكور آنفاً في شعر لحسان بن ثابت وهو:
وشريف لشريف ماجد لا نباليه لدى وقع الأسل!
فالثّأر ليس للقصاص من أجل العدل الاجتماعيّ بل للتعويض عن الخسارة. وأصبح تقدير هذه الخسارة مضماراً للمسابقة الشّعريّة والتّفاخر بين القبائل:
نحن قتلن سيّديهم بشيخنا سويد، فما كانا وفاءً به دما(20)
وقول الآخر:
أصبنا به من خيرة القوم سبعةً كراماً ولم نأكل به حشف النّخل(21)

أمّا في قبائل غينيا الجديدة فالثّأر يجب أن يتّصل بالواتر ولو بعد قتل عدّة من أهله قبله(22).
وقد أدّى تأصّل عادة الثّأر والمغالاة به إلى حروب كثيرة لم يوقفها إلا نشوء عادة التّعويض الماديّ عن الخسارة أي الدّيّة(23) أو «تعفية الكلوم» كما في قول زهير بن أبي سلمى:
تُعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ينجّمها من ليس فيها بمجرم
أمّا الحقوق الجزائيّة الدّاخليّة أيّ الّتي تتعلّق بما يرتكبه الرّجل في عشيرته وقبيلته، فشأنها يختلف عن حقوق الجزاء الخارجيّ. والسّبب عامل حفظ النّوع المصغّر في العشيرة أو القبيلة. فالإنسانيّة والاجتماع الإنسانيّ لرجل العشيرة أو القبيلة هما عشيرته أو قبيلته. وهذا العامل يهمّ الجماعة في مصيرها ولذلك لا يكون ضمن العشيرة حرب وقتال في سبيل الثّأر. والقبيلة تحتاط لنفسها ضدّ أهل الشّقاوة الدّاخليّين بطردهم أو برفع حمايتها عنهم.
وقد وجدت الجماعات الأوليّة مخرجاً ممّا يجرّ إليه الثّأر في حقوق الإجارة، خصوصاً في المجاميع الّتي أخذ فيها نظام العشيرة ينحلّ في القرية إلى نظام العائلة الفرديّة والثّأر الفرديّ.

في الدّولة
واقع الدّولة
أثبتنا فيما تقدّم صورةً للحقوق الأهليّة الّتي هي نتيجة القوى المناقبيّة الّتي تعمل في المجتمع لتأمين سلامته. وفي هذه الحقوق لا نجد الدّولة بل المجتمع وأوهامه (دينه) وعاداته. ولسنا نجد واقع الدّولة إلا حيث نجد في المجتمع قوّةً فيزيائيّةً تخضع أو ترهب(24).
ولكن لا بدّ لنا هنا من العودة إلى ما قلناه في أوائل هذا الفصل من أنّه لا يمكن تعيين حدود حقيقيّة فاصلة بين طور من أطوار الثّقافة الاجتماعيّة وغيره. ففي رجوعنا إلى أوائل عهد الدّولة نظلّ نتوغّل في الماضي أو ننحدر مراقي الثّقافة حتى نبلغ نقطةً تلتقي عندها السّياسة بالاجتماع فكأنّهما شيء واحد. ففي الشّعوب الّتي لا تزال قيد الفطرة، بالنّسبة إلى الشّعوب الثّقافيّة، نجد نقطة الاتّصال بين الدّولة والمجتمع في الطّوطميّة (ص 109) ففي تقارب الطّواطم بعضا من بعض واتّحاد عشائرها في الزّواج وإنشاء الطّواطم المكانيّ الّذي يجمع الكلّ في متّحد اجتماعيّ ينقسم إلى طواطم فرعيّة، نجد نظم الدّولة العشائريّة أو القبيليّة الّتي لا يكون جزءاً منها إلا من هو ابن العشيرة الدّاخلة في هذا النّظام(25).
بيد أنّ هذا الاتّحاد لا يكفي للدّلالة على واقع الدّولة. فقد تجتمع العشائر وليس لها في تنظيم أحوالها من الوسائل سوى المناقبيّة منها(26). وهي العادة والعرف والتّسليم للأوهام. ويندر الخروج على هذه القوى بين الأفراد لتساوي النّظر في الحياة ونقص الاستقلال النّفسانيّ في الجماعات الأوليّة(27). ورويداً رويداً نبتدىء نلاحط ظواهر اجتماعيّةً جديدةً نشأت مع الاستئثار بالمرأة والبطولة في المعارك والإقدام في الصّيد، وهذه الظاهرة هي: قيام الرّأس، أو الشيّخ، على العشيرة. فإنّ الشيوخ قضوا على ما كان باقياً من دستور الطّوطم وأنشأوا المملكة الخاصّة أو بالحريّ الإمارة، وأسسّوا سلطتهم عليها(28) ، وفركنط(29) يزعم أنّ الرؤوس يظهرون في تركيب دوليّ أعلى من الدّرجة الأولى تتفرّع منه وحدات أصغر منه. وممّا لا شكّ فيه أنّ الدّرجة الّتي يظهر عليها الشيخ هي فوق درجة الطّوطميّة، إذ تكون المشيخة قد قضت على الطّوطميّة. ولكنّنا هنا فقط نجد صورة الدّولة في ما يمكن أنّ نسميه سلطةً، أو أداةً تنفيذيّةً، أو قوّةً فيزيائيّةً.

فوارق السّلطة
كلّ دولة مهما كانت بسيطةً تتألّف من ثلاث وظائف: تشريعيّة وتنفيذيّة وقضائيّة، تقوم على ثلاثة أصناف «سياسيّة» لكلّ مجتمع له ابتداء دولة هي: الجنس والسّن والشّخصيّة، يضاف إليها، مع تقدّم العمران، صنف العبيد. وكان طبيعيّاً أن يعيّن الجنس الدّولة، إذ لمّا كان أهمّ عناصر الدّولة القوّة الّتي بها تتمّ السّلطة كان بديهيّاً أن يقوم الجنس القويّ ــــ الرّجال ــــ بأمر الدّولة. أمّا المرأة فمع أنّه كان لها حريّة في تصرّفها في عهد الزّواج الشيّوعيّ الإجماعيّ فهي لم تكن تشترك في الحياة السّياسيّة إلا نادراً وأندر منه أن يكون لها نفوذ راجح فيها. والعبيد أيضاً لم يكن لهم شأن قطّ في الحياة السياسيّة، اللّهم إلا المشاكل العديدة الناشئة عن وجودهم وكثرتهم.
إنّ الصنف الهامّ الّذي كان له التّأثير الأرجح هو السّنّ. فحيث الحياة تجري بالاختبار المباشر يكون للسّنّ أهمية فاصلة في البتّ في شؤون المجتمع السياسيّة، وكلمّا ارتقت الشّعوب في حياة الاختبار مداورةً وتشعبّت العلوم وتراكمت موادّها بفضل الأبجديّة، هبطت أهميّة السّنّ من حياة المجتمع السياسيّة.
يأتي بعد السّنّ، وفي درجة أعلى منه، الشّخصيّة. ومع أنّنا نعلم أنّ شخصيّة الفرد من وجهة نفسيّة (عقليّة) عصريّة لا وجود لها في الأقوام الآخذة بالفطرة فإنّ الفوارق الشّخصيّة فيها ليست معدومةً بالمرّة ذلك لأنّ المواهب الطّبيعيّة ليست عقليّةً فقط، بل فيزيائيّةً أيضاً. فتفوّق بعض أفراد العشيرة أو القبيلة في حروبه وغزواته يكسبه شخصيّةً بالنّسبة إلى حالة عشيرته أو قبيلته الاجتماعيّة. وهكذا نجد وظائف الدّولة تقابل بتشكيل الدّولة من الشّيخ أو الأمير وشيوخ القبيلة أو العشيرة واجتماع الشّعب. وحيث يتّسع نطاق الدّولة يسقط اجتماع الشّعب ويبقى الأمير والشّيوخ. ولا يعني هذا التّقسيم مطلقاً أنّ هنالك توزيعاً لوظائف الدّولة يجعل السّلطة التّشريعيّة أو التّنفيذيّة في الأمير أو مجلس الشيّوخ على أن يكون كلّ منهما مرجعاً خاصّاً لإحداهما وكذلك القضاء.

الاتّصال بعالم الأرواح والتّشريع والقضاء
يصعب كثيراً على السوريّ العريق في المدنيّة والفلسفة العقليّة أن يتصوّر اليوم حالة الأوهام الّتي كانت للإنسان الأوّل والّتي لا يزال عليها بعض الشّعوب الابتدائيّة الملازمة للفطرة. فإنّ الرّعب والوهم وهواجس الخوف والحياء تجاه الطّبيعة الفائقة القوّة ولّدت في الإنسان الفطريّ تصوّر قوًى مغيّبةً تسيطر على الطّبيعة والرّوح الإنسانيّة. وقاده هذا التّصوّر إلى محاولة اتقاء شرّ هذه القوى الخفيّة بتخطيط قواعد لحياته. وهذا هو أصل العقائد الرّوحيّة التي أخذ الإنسان المرتقي يعالجها حتّى بلغ بها فكرة الله، ثمّ هو أخذ الآن في معالجة هذه الفكرة نفسها ليجعل من الدّين مثإلا أعلى جميلاً، خالياً من صور الرّهبة والتّهويل مجرّداً من المشوقات المذهبيّة.
أدّى تصوّر القوى الخفيّة المخيفة إلى عقائد غريبة منها عبادة الأجداد وتصوّر عالم أرواح تأتي منه الرّوح وتعود إليه. ولم يطل الوقت حتّى نشأ سلك السّحرة والعرّافين، أسلاف الكهنة والقسس والأنبياء. فكان لهم تأثير كبير على المجموع بإعلان إرادة عالم الأرواح الّذي كانوا يدّعون الاتّصال به وهكذا تمكّنوا من إنشاء عادات جديدة واتّخذوا لأنفسهم صلاحيّةً إصدار الأحكام باسم الأرواح المحجوبة، باسم الآلهة.
وليس قليلاً تأثير الاعتقاد بالأرواح وبالاتّصال بأرواح الجدود على الحقوق الأوّليّة وممارستها خصوصاً فيما يتعلّق بالثّأر ومنه الأثر الآخذ في الزّوال من الأدب في سورية الظّاهر في المجاز: «عظام الجدود تنتفض في قبورها». ومن مثل هذه المعتقدات أنشئت مؤسّسة الطّابو Tabu السّحريّة الّتي صار لها تأثير كبير على الحقوق «المدنيّة» والإدارة العامّة كما سيجيء.
وهكذا نجد أنّ التّشريع كان يستند في البدء إلى السّحر والعرّافة (الدّين)، فضلاً عن العادة التي هي أولّ القوانين. فيكفي، لدى الشّعوب الفطريّة، أن تعلن سابقة أو وحي من عالم الأرواح تعزى إلى بعض الجدود المشهورين(30) لسنّ قانون جديد. وإنّ من أهمّ قوانين الجماعات الأوليّة: ما مشى عليه الأجداد، فالأجداد مقدّسون، بل هم آلهة، وكلّ ما كان جيّداً لهم يجب أن يكون جيّداً للأبناء.
ولكنّ هذه الجماعات، أو المتقدّمة منها، لا تعدم سنّ القوانين بالاستنباط، الفرديّ، كما يجري في بعض قبائل شرقيّ أستراليا، حيث تجتمع عشائر القبيلة في وقت معيّن من السّنة فيقترح أحد الشّيوخ رأياً قد يكون بحثه مع هيئة شيوخ عشيرته، فإذا لاقى اقتراحه الاستحسان صار قانوناً(31) وفي الجنوب الشّرقيّ من أستراليا يقوم مقام الرأس في طرح الاقتراح السّاحر أو العرّاف الّذي يدّعي أنّه قد رأى في نومه أو أنّه قد أوحي إليه.

الشّكل الديمقراطيّ
للدّولة ثلاثة أشكال رئيسيّة هي الدّيمقراطيّة [Democracy] والأوطقراطيّة [Autocracy] والأرستوقراطيّة [Aristocracy]، أو هي حكم الشّعب وحكم الفرد المطلق وحكم الأقليّة المفضّلة. وفي أبسط وأولى حالات الدّولة الّتي هي أبسط حالات التّطوّر الاجتماعيّ نجد الشّكل الدّيمقراطيّ للدّولة في العشيرة أو القرية، حيث يمكن اجتماع الشّعب كلّه. وحيث الدّولة أوسع من القرية أو العشيرة فالعشيرة أو القرية تتمتّع باستقلال إداريّ تامّ، فالطّوطميّة تزول ولكنّ الأساس الّذي قامت عليه يبقى.
يتألّف شكل هذه الدّولة الدّيمقراطيّ من الرّأس ومجلس الشّيوخ أو مجموع الشّعب. ومجلس الشّيوخ يتألّف من رؤساء البيوت أو العائلات أو العشائر الّتي هي من صلب القبيلة. وفي هذه الحالة يكون الرأس مقيّداً برأي المجلس أو الجماعة. وفي الدّولة القبيلة أو الأرضيّة المتّسعة لا سبيل لاجتماع الشّعب فيكون الشأن دائماً للشّيوخ. وهذا الطابع هو من خصائص دول الشّعوب الفطريّة الّتي لا قياس لها في المجتمعات المرتقية العمرانيّة. وهو شكل يجمع بين شكلين: أرستوقراطيّة السّنّ والتّمثيل الشّعبيّ. فإنّ امتياز الشيوخ يكاد يكّون طبقةً أرستقراطيّةً في حين أنّ علاقتهم بالشّعب متينة إلى حدّ يكتسبون عنده صفة التمثيل والنّيابة(32) وعلى هذا أكثر الشّعوب الصّيادة وجامعة القوت في أستراليا والأسكيمو وهنود أميركة والشّعوب المتبديّة في آسيا وإفريقيا(33) وظهور هذا السّكل في أقلّ الشّعوب ثقافةً يعطينا الدّليل الأثنولوجيّ على أسبقيّة الدّيمقراطيّة وإذا كانت الشّيوعيّة قد سبقتها، كما رأيت فيما تقدّم من هذا الفصل ومن الفصل السّابق، فتلك حالة اجتماعيّة بحت لا نظام سياسيّ.


الشّكل الأوطقراطيّ
إنّ الشّكل الدّيمقراطيّ المتقدّم وصفه هو من خصائص الجماعات الأوّليّة والشّعوب الّتي لا قابليّة لها لإنشاء الدّولة الأرضيّة المنظّمة (Territorial) أو التّي لا تمكّنها أحوالها من ذلك. وهو فوق ذلك يدلّ على انصراف إلى نوع من الحياة بعيد عن الحرب والفتح و التّوسّع. ولعلّ الحرب ادعى الأمور إلى نشوء الشّكل الأوطقراطيّ ولعلّ الملكيّة الصّغيرة نشأت على يد البطل الحربيّ الظّافر(34). وليس أوهى من النّظام السّابق في الحالات الحربيّة الّتي تقتضي دفاعاً شديداً ضدّ عدو قويّ أو إعداد حملة منظّمة على بلاد. ولذلك نرى في بعض القبائل تنظيماً ثنائيّاً يقابل حالتي السّلم والحرب فلحالة السّلم رأس ضعيف القوّة وللحرب رأس واسع السّلطة(35). ومن تحوّل سلطة هذا الأخير إلى الثّبات والاستمرار ينشأ الشّكل الأوطقراطيّ. وبعد نشوئه لا تبقى له حاجة إلى شرط بقاء الحرب، فيصبح الرّأس أميراً مطاعاً في الأمر والنّهي وفي يده الحياة والموت. ويصبح المبرّر لوجوده نسبه أو حسبه أو ثروته أو ظهور سلطة له على القوى الخفيّة من عالم الأرواح. وأبرز صورة لهذا الشّكل تبدو في دول الزّنوج الاستبداديّة. فالرّأس أو الأمير سرٌّ دينيّ (سحريّ) وفي بعض القبائل يحتجب شخصه عن النّاس ويشدّد في ذلك حتّى ليجازى، من رآه يأكل بالموت(36).
ولكنّ الشّكل الأوطقراطيّ لا يكون دائماً بهذه الفظاعة. ففيه أيضاً مجال للاجتماع الشّعبيّ العامّ وللشّورى. وتضعفه بعض العادات الرّاسخة في التّقليد كعادة إقصاء المراهق عن المجتمع إلى البرّيّة ليتعوّد الاحتمال والخشونة فيتكونّ من مجموع المراهقين نوع من جمعيّة تضمّهم في أحوالهم الخاصّة، ثم لا تلبث أن يصير لها شأن في المجتمع(37). ولا يستطيع الرأس الحاكم بأمره التّخّلص من وظائف الشّيوخ الشّوريّة. والموظّفون في دائرة الجباية والنّظر في بعض المصالح، يمتزج في خدمتهم الأمير ــــ تمثيل المصالح القائمين عليها ويكونون الواسطة لإبلاغ رغائب التابعين إلى الأمير.


الإقطــاع
في الدّول الأوطقراطيّة الّتي تتغلّب على ما جاورها يظهر الإقطاع بشكل ولاية لرجل من أهل الأمير يتصرّف بالمقاطعة الموكلة إليه بمطلق إرادته(38) ، يأمر وينهى ويجبي كيفما شاء. ويكون طابع هذه الدّولة استبداديّاً لكن هنا أيضاً تدخل عوامل تضعف الاستبداد، منها اجتماع الأشراف وجود مجال لاجتماع الشّعب أيضاً. وأحياناً ضعف الأمير وعجزه عن القبض على أزّمة الأمور بقوّة. وهكذا نجد عنصر الدّيمقراطيّة حتّى في الدّولة الاستبداديّة إلا أنّ هذا العنصر يكون من حظّ الفاتحين فقط، أمّا المغلوبون فعليم الطّاعة والخضوع. وطريقة اجتماع الشّعب الدّيمقراطيّة تكون بالاجتماعات المعقودة في القرى برئاسة شيخ القرية للبحث في شؤون القرية الدّاخليّة. ويكون فوق هذه الاجتماعات اجتماعات أكبر لكلّ منطقة الدّولة لحلّ الاختلافات الّتي لا يمكن حلّها في الاجتماعات القرويّة(39).


الشّكل الأرستوقراطيّ
نرتقي من الشّكلين المتقدّمين إلى الشّكل الأرستقراطيّ عن طريق الإقطاع. وينشأ هذا الشّكل في أرقى الشّعوب الفطريّة ثقافة كالبولنسيّين الّذين لهم زراعة وإقامة، وفيهم تنشأ البيوتات الكبيرة الجامعة العبيد والأرقّاء والقائمة بأود أهلما منفردةً. فهنا نجد للدّولة ملكاً أو أميراً وإلى جانبه طبقة النّبلاء الّتي تفصل بينها وبين العامّة شقّة بعيدة. والشّعب يرى في الأمير سرّ قوّة إلهيّة فلا يتقدّم إليه الأتباع إلا ركّعاً. وله سلطة على الحياة والموت. إلا أنّ سلطته تخفّ جدّاً تجاه الأشراف الّذين يهمّه أمرهم والّذين كثيراً ما يؤلّفون مجلس شورى يقيم بعض الحدود للسّلطة المطلقة الّتي يتمتّع بها الأمير.


إدارة الدولة
هكذا الدّولة الأوّليّة في أشكالها السّياسيّة. ولا بدّ لنا لاكتمال نظرتنا فيها، من لمحة تتناول إدارتها، وهي ضئيلة جدّاً، لأنّ الإدارة ظلّت متأخّرةً حدّاً عن النّظام الدّستوريّ للدّولة، ولذلك لا يصحّ مطلقاً أن نطلق على الدّولة الأوّليّة اسم منظّمة فهذا الاسم تحتفظ به الدّولة التّاريخيّة الّتي شكّلت الإدارات وسجّلت الحقوق القانونيّة.
ولا شكّ في أنّ العادة وما مشى عليه الجدود شكّلا قسماً كبيراً من الإدارة وعاقا نشوء الإدارة الفعليّة. ومن هذه الجهة تبدو لنا أهميّة الرّأس أو الأمير حيث الوظائف والمكاتب الإداريّة معدومة. فحين يكون الأمير قويّاً طموحاً تمتدّ الدّولة، وحين يكون خامل الهمّة تضعف الدّولة وتتقلّص.
والعقائد والأوهام الدّينيّة (السّحريّة والخرافيّة) تلعب دوراً هامّاً في عرقلة تقدّم الإدارة، فنفوذ السّحرة كبير وتسلّطهم على العامّة عظيم حتّى إنّ رأس الدّولة في المرتبة الدّيمقراطيّة يتّخذ لنفسه وظيفة السّاحر ويستمدّ من هذه الوظيفة نفوذاً إداريّاً لا يستهان به. ولكن ليس كلّ الرّؤوس مؤهلين للأعمال السّحريّة ولذلك تظلّ الكّهانة قائمةً وتتّخذ لنفسها وظائف دوليّةً كالقيام بنصيب من التّشريع.
وإنّنا نرى سياسة الدّولة الاقتصاديّة تستند على الدّين فتتّخذ من الطّابو وسيلةً لحفظ حقوق الامتلاك فاستخدمته أقوى الطّبقات الاجتماعيّة لمنع النّاس من استعمال أو استثمار بعض المناطق والممتلكات. والطّابو مستمّد من الاعتقاد بالاتّصال بعالم الأرواح الّذي هو من خصائص السحرة. فتطّوب الممتلكات وتصبح محرّمةً، فكلّ من اعتدى عليها يخرق حرمة الطّابو ويعرّض نفسه لغضب عالم الأرواح، ثمّ ارتقى هذا التّعريض إلى إنزال العقاب الدّنيويّ بكلّ من تسوّل له نفسه انتهاك قداسة الطّابو(40).
وتتناول الإدارة عدا ما تقدّم «دخوليّة» السوق فيعيّن الرّأس أو الأمير حرّاساً ليتحققّوا من نزع سلاح القادمين إلى السّوق، وقضاةً لحلّ المسائل الحادثة أثناء السّوق ويفرض الرّأس ضريبة «الدّخوليّة» وضرائب أخرى ينزلها بالقوم المغلوبين. وفي الدّول الاستبداديّة تتّخذ الضرائب شكلاً من السّلب لا يقتصر على مؤدّي الجزية بل كثيراً ما يتناول أتباع الأمير أنفسهم.

في الدّولة التاريخيّة
يظهر لنا في ما تقدّم صورة جلّة لكيفيّة نشوء الدّولة بعامل الحياة الإنسانيّة، ومنذ نشأت الدّولة أصبحت هي شخصيّة المجتمع وصورته، يعظم بعظمتها ويصغر بصغرها وإنّنا نرى ابن خلدون في مقدّمته قصر اجتهاده على تعريف شكل واحد للمتّحد الاجتماعيّ هو الدّولة [المقدمة. الفصل الثالث من الكتال الأول. "في الدول عامة"]. فالدّولة هي الّتي صهرت جماعات متباينةً في بوتقة واحدة وكوّنت من المزيج وحدةً نظاميّةً حيثما مكنّت من ذلك البيئة ووجهة الحياة. والحقيقة أنّ الدّولة ما كادت تشعر بوجودها وكونها سلطةً في المجتمع حتّى أخذت تسيطر على المجتمع وتصرفه في أغراضها. الدّولة هي الّتي تشكّل المجتمع وتعيّن مداه وتكيّف شؤون حياته وتمثّل شخصيّته هكذا نجد الدّولة المنبثقة مع فجر التّاريخ، وهكذا تنشىء الدّول التّاريخ.
يبتدىء عهد الدّولة التّاريخيّة، في الأقوام الثّقافيّة الخارجة من العصر الحجريّ إلى العصر المعدنيّ، وهي الأقوام الساميّة والحاميّة في بابل وأرض كنعان ومصر، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً (ص 61 أعلاه)، بالانتقال من التنظيم العشائريّ إلى دولة الأرض، وبتحوّل الأمير ذي القوّة السّحريّة الخرافيّة إلى ملك هو الإله أو كاهنه الأعلى، هو بهاء الشّمس المشرقة. ففي الأساطير المصريّة أنّ الآلهة أنشأت الدّولة المصريّة، كما أنشأت العالم وأنظمته(41) ، وفي المملكة المصريّة الجنوبيّة، قبل ميناس بزمان، نجد هورس، أقدم إله مصريّ قوميّ، متجسّداً في الملك(42) ويذهب ماير(43) إلى أنّ الحالة في المملكة الشماليّة لم تكن تختلف عن هذ الشّكل.

الدّولة الاستبداديّة وعهد الأمير الامبراطوريّات الأولى
الحقيقة أنّنا لا ننتقل دفعةً واحدةً من مرتبة الدّولة الأوليّة إلى مرتبة الدولة التّاريخيّة النّاشئة في بابل وآسور وسورية وفي مصر، بل هنالك مرتبة وسطى لا بدّ لنا من الإلماع إليها هي مرتبة دول الشّعوب المتوسطة بين الشّعوب الأوليّة والشّعوب الثّقافية.
على هذه المرتبة المتوسّطة نجد امبراطوريّة الأزتك المكسيكيّة الدّالة على طور ثقافيّ عال نوعاً. فإنّ شعب الأزتك كان قد اخترع كتابةً خاصّةً لا علاقة لها بكتابة الشّعوب الأسيويّة لها مزيّة قابليّة التّطوّر نحو الكتابة الصّوتيّة المقطعيّة، وأنشأ دولةً واسعة الأطراف بقي لنا منها قسم من كتاب في الحقوق الجزائيّة لعهد الملك «نزاهو الكويتل» الّذي ملك من 1431 إلى 1472 (44). وكان لهذا الشّعب عادات تشابه عادات العالم القديم كعادة الختان والمعموديّة بالماء.
وفي هذه الدّرجة أيضاً امبراطوريّة الأنكا البيروانيّة وهي امبراطوريّة قامت على الحرب والفتح وملوكها آلهة متحدّرون من الإله الشّمس، ومن تقاليد ملوكهم تزاوج الأخ والأخت وفاقاً للتّقاليد الدّينيّة. والملك هو في الوقت نفسه رئيس كهنة الشّمس والرّوح الكونية. ويجيء بعده سلك من الكهنوت لا بأس بترتيبه. ولكنّ الأنكا، إجمإلا أحطّ ثقافةً من الأزتك فليس لهم كتابة(45).
ومن الشّعوب الشّقيقة للشّعوب الثّقافيّة ولم تتمكّن، لظروفها الخاصّة، من بلوغ مرتبة الدّولة الثّقافيّة التّاريخيّة: العرب والمغول. ففي بلاد العرب أوجد محمد الدّولة الدّينيّة الّتي ما لبثت أن انتقلت إلى خارج بلاد العرب حيث دخلت في حوزة الشّعوب الثّقافيّة المنشئة الدّولّ. وفي بلاد المغول المشهورين بفروسيّتهم وقوّة سياسيّيهم نشأت بعض الدّول الّتي دخلت التّاريخ وقامت بفتوحات واسعة، خصوصاً في الصّين، الّتي دخلها أتباع حنكيزخان، والهند. ولكنّ شعوب المغول الباقية، كالقملوق، فإنّ دولتهم تشبه الدّولة في بلاد العرب من حيث إنّها دولة قبائل يؤلّف العرف نصوص حقوقها والأوامر والنّواهي الدّينيّة شرعها. وقد عرض ابن خلدون، في مقدّمته، للأسباب الّتي تحول دون نشوء الدّولة في العرب ومن في حكمهم إلا على أساس دعوة دينيّة ولكنّه لم يستوف هذه الأسباب [ابن خلدون. المقدمة. الفصل السابع والعشرون "في أنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من دين على الجملة"].
وإنّنا نجد الدّولة التّاريخيّة نفسها مستندةً في بدئها إلى أساس دينيّ حتّى إنّنا نجد شبهاً عظيماً بين ملوك مصر قبل ميناس وملوك الأنكا في أميركة الجنوبيّة، ولكنّ الدّولة التاريخيّة استمرت وتطوّرت مع تطوّر الشّعوب.
طُبعت الدّولة التاريخيّة في بدء نشوئها بطابع الاستبداد، لأنّ الدّولة بطبيعتها قوّة والقوّة تطلب دائماً السّيطرّة. وطرليف شيلدرب ــــ إبه(46) يقول إنّ الاستبداد هو المبدأ الأساسيّ للاجتماع الإنسانيّ والحيوانيّ والنّباتيّ، بل وللجماد أيضاً. ويزيد أنّ الاستبداد هو الفكر الأساسيّ للعالم. وما نريد أن نتوغّل هنا في مثل هذه المذاهب الفلسفيّة في طبيعة الدّولة والاجتماع. ولكنّنا نقول إنّ الدّولة الشّاعرة بقوّتها في عهد لا إرادة ظاهرةً فيه سوى إرادتها، لم يكن لها مندوحة عن الاستبداد. فهي كانت شيئاً فوق المتّحد الاجتماعيّ وكانت تدّعي سلطةً من عالم فوق هذا العالم. أمّا الإرادة العامّة الّتي هي من خصائص كلّ متّحد فكانت شيئاً إمّا باطناً وإما كامناً. ولم تكن الدّولة فقد تدّعي سلطة الله، بل كان النّاس يعبدون الملوك عبادةً. ففي الدّولة المصريّة الوسطى أوصى أب أولاده: مجّدوا الملك في قلوبكم، فهو إله الحكمة الّتي تبصر عيناه ما في القلوب، هو رع الّذي نبصر لمعانه، هو يضيء مصر أكثر من الشّمس ويجعل الأرض أخصب ممّا يجعلها النّيل الكبير، هو يطعم عابري سبيله. الملك روح خالق وبارىء النّاس إلخ(47). وكما أوجدت الآلهة المملكة المصريّة كذلك أسّست الآلهة مملكة حمورابي وأسلافه فهي لا تزول حتّى تزول السماء والأرض، كما يقول الملك نفسه(48) .
لا مجال، في هذا البدء التّاريخيّ للدّولة، في هذه الدّولة الّتي أسّستها الآلهة، لتعريف القوّة السّائدة بأنّها «من صفات الإرادة العامّة الّتي عمّمها الاتحاد في القصد»(49). فالقصد هو قصد الدّولة، قصد القوّة السّائدة المسيطرة، قصد الملك الّذي استأصل شأفة الثّأر وجعل الحقوق الجزائيّة من شأنه(50) وأنشأ الجيش وسيّره للفتح والسّلب. وتصريف شؤون الدّولة أمر متّفق عليه بين الملك والإله المتجسّد فيه.
لمّا كانت هذه الدّولة القائمة بإرادتها قد نشأت في مهد الثّقافة، في الشّرق الأدنى، خلط المؤرّخون والدّارسون القدماء بين طبيعة الدّولة وطبيعة الشّرق، بين طور من أطوار الثّقافة والشّعوب المنشئة الثّقافة. ولا يزال هذا الخلط يردّد حتّى الآن.
سارت الدّولة التّاريخيّة نحو الامبراطوريّة بعامل مبدأ القوّة. والدّولة المتّسعة كانت تمثّل انتصار فكرة القوّة في السّياسة على فكرة العدل فيها(51) ، فقد تخلّت الدّولة عنّ تلك الدّيمقراطيّة الأوّلية الملازمة لحالة كلّ أشكالها وقواها رهن القوت الضّروريّ، واتّخذت من أسباب الثّقافة المرتقية في أعمال الإنتاج والخزن وسيلةً لتنفيذ إرادتها. وهكذا تمّت لها السّيطرة الّتي أصبحت محور المزاحمة بين طبقة الملاكين الأرستقراطيّة والملك. ولكنّ سياسة الامبراطوريّة كانت في جانب الملك لما تقتضيه من التّمركز خصوصاً حيثما كانت الخطط خطط الملك كما في بابل ومصر.
وبديهيّ أنّ تمركز القوّة تمركزاً نظاميّاً لا يمكن أنّ ينشأ في حالة البداوة وبين الرعاة. وهو عند أهل الزّراعة و الفلح أضعف منه عند أهل المدن ولذلك نجد القّوة في المناطق الحضريّة متمركزةً في أهل المدينة. وإنّ قو بابل العظيمة تعزى إلى المدن الّتي نشأت في شنعار أكثر مما تعزى إلى غنى الأرض. ومتى علمنا أنّ عدداً من المدن الصغيرة في منطقة تكاد لا تتجاوز الخمسين ميلاً طولاً والعشرة أميال عرضاً(52) هي الأساس الّذي بنت عليه بابل عظمتها وقوّتها الامبراطوريّة أدركنا أهميّة المدينة للدّولة الرّامية إلى الاتّساع.
في بابل وممفيس تمركزت القوّة والإدارة حتّى أصبحت إرادة الفرد الملك هي كلّ شيء في الدّولة. ولكنّنا نجد فرقاً ظاهراً في تفرّد النّظامين الشّنعاري والمصريّ. فمع أنّ حمورابي لبّى دعوة الآلهة ليقيم القسطاس في النّاس فإن شريعته الشّهيرة الّتي خلّدت ذكره كلّها أحكام زمنيّة دنيويّة. وليس في بابل لسلك الكهنة الشأن الّذي كان له في مصر في الدّولة الجديدة حيث شغل الكهنة وظائف الدّولة. هنا نشب نزاع شديد بين قوّة الدّولة الزمنيّة وسلطة الكهنة لعهد أخنتون(53). ولكنّ المحاولة الإصلاحيّة القائلة بوحدة الإله الّتي نادت بها الملكيّة خابت ودلّت عودة العبادة القديمة على أنّ قوّة السّلك الكهنوتيّ كانت أشدّ من قوّة الملك الّذي أصبح لا يحمل من الحكم سوى اسمه بينما الفصل في أهمّ الشّؤون يلقيه أمون إلى رئيس الكهنة. ولكنّننا مع ذلك لا نرى في مصر ولا في أيّة دولة أخرى ما نراه في الهند من قوّة الكهنة الّذين شكّلوا طبقةً احتكرت السّلطة، فهنالك تنصّ القوانين على خضوع الملك الحاكم بمفرده للكهنة. وقد قوي سلك هؤلاء وبلغ من استفحال أمر أنّ أصبح من واجبات الملك المتوّج أداء يمين الإخلاص للكهنة البرهمانييّن الّذين لهم الكلمة النّافذة في إعلان الحرب ووضع السّلم، وفي السّياسة والقضاء والتّنفيذ والتّشريع(54). والأرجح أنّ هذا هو السّبب في بقاء الهند بلا امبراطوريّة ولا ديمقراطيّة إلى العصر الحاضر.
كان للتّفرّد في السّلطة في بابل ومصر، خصوصاً في الأولى، الشّأن الأعظم في تنظيم الدّولة وترتيب الامبراطوريّة. فإنّ المسؤوليّة تجاه الملك وإمكان مراجعة الرّعية الملك في أيّ أمر كبير أو صغير، منع تولّد سيطرة النّبلاء وذهاب السّلطة إلى أيديهم، وأغلق باب التّلاعب بالمقدّرات لهم. والحقيقة أنّنا نجد جذور الدّيمقراطيّة الحديثة في سلطة الفرد الّتي أنقذت السّيادة من مطامح الأقليّة الممتازة أو كما يقول مكيور(55) ، على هذه الطّريقة أعدّت الملكيّة طريق الدّيمقراطيّة.
نظّمت الدّولة المركزيّة ذات السّلطة الفرديّة الإدارة العامّة والجيش. ففي بابل نظّمت المكتبيّة بكلّ دقّة وكانت العناية بموظّفي الحكومة كبيرةً. وكانت الدّولة تأخذ على نفسها تحرير الأسرى الّذين يقعون في أيدي العدوّ حين لا يكون لهم ما يفكّهم(56). وكان نظام توزيع الثّروة والاشتراك في الدّولة يقوم على استثمار المشاع بحيث تحدّد للمرء أرض يعمل فيها ويعطي الزّائد عن حاجته للدّولة لقاء استعداده للانخراط في الجيش والاشتراك في الحملات الحربيّة. وقد كان الجيش في بابل ومصر من أبناء الدّولة شعبيّاً. وكانت الدّولة السّوريّة في عهد حمورابي تمتاز على الدّولة المصريّة بتنظيم الجيش في أيام السّلم والحرب. ففي شريعة حمورابي كان استئجار الجند يعاقب بالإعدام(57) وقد ارتفع لذلك الفنّ الحربيّ عند البابليّين فعنهم نقل المكدونيّون فنّ الحصار، ومن فنونههم محطّات النّار الّتي عرفت فيما بعد بالنّار الإغريقيّة(58). أمّا في مصر فلم يكن للجيش مكانة ممتازة في الامبراطوريّة المتوسّطة، وإن كانت هذه الدّولة قد سجّلت لنفسها بعض الانتصارات الهزيلة. والفضل في رفع الجيش المصريّ في الامبراطوريّة الجديدة إلى مستوًى مشرّف يعود إلى الملوك السّوريّين، الهكسوس(59) الّذين أعادوا تنظيم الجيش. ولكنّ الامبراطوريّة الجديدة استندت في تقوية الجيش إلى استئجار الجند فكان ذلك من أكبر العيوب الّتي أدّت إلى عواقب وخيمة كالعواقب الّتي نزلت بالامبراطوريّة القرطاضيّة، كما سيجيء، إذ إنّ ما يبقي الجيش المأجور قائماً هو رنين النّقد لا صوت الملك. والجيش الّذي ساعد بزمتيخ (Psammetich) على إنشاء دولته أخذ يتناول أجرته من فارس بعد نكبة بلوسيوم.
أمّا الإدارة العامّة فقد أشرنا إلى أنّها كانت متمركزةً. وصحيح أنّ الفرد المتسلّط بصفة ملك كان له مجلس يستشيره في أمور الدّولة، ولكنّ هذا المجلس لم يكن له شأن المجلس الوزاريّ الّذي نعرفه. وأخبار حمورابي تدلّ على كثرة ما كان يمرّ على يدي الملك من الشّؤون. فهو الّذي كان يهتمّ بالأعمال الزّراعيّة كالرّيّ وبناء المخازن لأيام الجدب وما شاكل وهو مرجع كلّ أمر كبير أو صغير.
ممّا تقدّم لنا في هذا الاستعراض نرى أنّ الدّولة الامبراطوريّة عرفت السّيادة بمعنى التّملّك وحوّلت الثّروة العامّة إلى ملك خاصّ ولكنّ السّلطة الفرديّة أنقذت الشّعب من استبداد الطّبقة، حيث وجدت، إلا في الهند حيث برهنت الطّبقات على أنّها أشدّ ارتكازاً من سلطة الملك الفرد.
جرت الدّولة على خطّة الاتساع الأرضيّ فسيطرت على شعوب متعدّدة وبقاع واسعة فقد قامت بابل ثمّ سقطت وقامت أشّور الّتي جرت على الأسلوب نفسه ثم عادت الدّولة البابليّة الجديدة على سواعد الكلدان الّذين هم فرع من الآراميّين فكسرت شوكة الأشّوريّين وبسطت سلطانها عليهم. وحمورابي نفسه كان أموريّاً سوري الأصل(60). ونشأت في سورية دولة قويّة بسطت سلطانها على مصر ونقلت مركزها إليها. كما عادت مصر فوسّعت سلطانها وكما انحدر الفرس على امبراطوريّة الكلدان وبسطوا سيطرتهم على بقاع مترامية الأطراف.
في كلّ هذا التّاريخ الطّويل نعرف المجتمع في الدّولة السّائدة، فالشّعب تابع لها، فلا كيان للأقوام غير كيان الدّولة، وإنْ احتفظت بعباداتها وطقوسها، بل إنّنا نجد الدّولة آخذةً في جبل المجتمع فهي قد جبلت السّاميين والشّمريّين في «باب الله» (بابل) وهي جبلت الشّماليّين بالجنوبيّين في سوريّة.


الدّولة المدنيّة والامبراطوريّة «البحريّة»

ولكنّ الدّولة لم تسر دائماً على الأسلوب المتقدّم وصفه فهو من خصائص أسباب معيّنة في ظروف موافقة. ففي سورية نجد الدّولة تحتاج إلى درس خاصّ سنتوسّع فيه في الكتاب الثّاني من هذا المؤلّف. ولكن لا بدّ لنا هنا من ذكر ما له علاقة بالتّطور العامّ للدّولة في هذه البلاد.
إنّ سورية أيضاً ساهمت في الدّولة البرّيّة حيث ساعدت الظّروف كما في الشمال حيث نشأت الامبراطوريّة والحثّيّة. وإنّنا نعلم أنّه على أثر انتهاء الامبراطوريّة الوسطى في مصر قامت من سورية حركة إمبراطوريّة واسعة اكتسحت مصر وثبّتت نفسها هناك وأنشأت لأسرة المعروفة بأسرة الهكسوس الّذين عرفوا، بإحدى التّرجمات، بالملوك الرّعاة(61). ولكنّ اتجاهاً خاصّاً في الدّولة نشأ في سورية كان له شأن غير الشّأن العامّ الّذي كان للدّول في مصر والصيّن. ونرجّح أنّ السّبب الأقوى في نشوء هذا الاتّجاه هو البيئة السّوريّة المتنوّعة، خصوصاً الشاطىء السوريّ. فإنّ البحر لم يكن للسّوريّين ما كانه لأقوام البلدان الأخرى، حدّاً يجب الوقوف عنده. ومن هذا الواقع ندرك أنّ التّاريخ غير مكتوب على الأديم. فهو غير حتميّ، كما تظهره أقوال وكتابات كثير من السّوريّين في أعصر الخمول القوميّ وأوضحها العبارة: «إنّ سورية جسر بين الشّرق والغرب، أي إنّ تاريخها مقرّر في موقعها. والحقيقة أنّ الأرض تقدّم الممكنات لا الاضطراريّات أو الحتميّات وهذا يعني أنّ الأرض هي الجهة الإيجابيّة من التّاريخ لا الجهة السّلبيّة. فكون سورية، مجازاً، صلة وصل بين الشّرق والغرب لا يحتّم مطلقاً أن يكون تاريخها تاريخ «جسر» ولدينا أكثر من برهان واحد على صحّة ما نقول.
الحقيقة أنّ ما تألّمتك منه سورية منذ أقدم عصورها إلى اليوم هو كونها موازيةً من الجنوب للصّخراء الهاجمة على أرضها وأنّها معرّضة دائماً لتسلّط تيارات من هجرة القبائل المتبديّة عليها. أمّا شكل الأرض الدّاخليّ فقد نوّع الممكنات للشّعوب السّوريّة، بمقدار ما حدّدها في العصور القديمة. فإنّ سلسلة جبل لبنان أوجدت صعوبةً كبيرةً لأعمال توسيع الدّولة وتثبيتها. ولكن ليس هذا كلّ شيء، بل إنّنا نرى من الوجهة الشّعبيّة اتّجاهاً خاصّاً. فإنّ الكنعانيّين انصرفوا إلى أعمال الزّرع والغرس والتّجارة كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، فلم يوجّهوا عنايتهم إلى الحرب والغزو إلا نادراً ولذلك لم يقو فيهم الميل إلى إنشاء الامبراطوريّات الاستبداديّة الرّامية إلى التّوسع في الأرض وهم محاطون من الصّحراء والجبال والبحر. أمّا في الشّمال فإنّ الأرض تتّسع مع مجرى الفرات والخابور والدّجلة. وفيما سوى الدّول الأرضيّة الواسعة الّتي نشأت في الشّمال ودولة الأمّوريّين في لبنان وما وراءه، نجد دول سورية تتّخذ صبغةً جديدةً هي صبغة المدينة، خصوصاً في الغرب، على الشاطىء أمام لبنان حيث نزل الفرع الفينقيّ من الكنعانيّين. هنا أنشئت المدن صيدا وبيروت وجبيل وطرابلس وأرواد وعكّا وصارت كلّ مدينة دولة مستقلّةً، كما نشأت في الدّاخلية دول مدنّية امتازت بينها دولة دمشق.
على الشاطىء السّوريّ نشأت المدينة البحريّة الّتي أوجدت اتّجاهاً جديداً في الدّولة وأنشأت الامبراطوريّة البحريّة. فحتّى نشوء هذه المدن كان البحر حدّاً تقف الدّولة عنده لا مجإلا تتوسّع فيه. ولمّا أخذت مراكب الفينيقيّين تسبح في البحر وتتّصل بجزر وشواطىء أخرى صالحة للاستعمار وجّه هؤلاء الكنعانيّون همّهم إلى هذه الإمكانيّة الجديدة الّتي كانت لغيرهم حدّاً للإمكانيّات وتركوا أعباء البرّ بالمرّة، وانصرفوا إلى أعباء البحر بالكليّة. وهكذا نجد قوّةً من نوع جديد تنشأ على الشاطىء السّوريّ وتمتدّ إلى أماكن قصيّة وتقبض عى مواردها، فقد جمع الفينيقيّون بين عنصرين يأتلفان كلّ الائتلاف: التّجارة وسلك البحار، القّوة السّياسيّة والقوّة الاقتصاديّة.
كان من وراء هذا الاتجاه الجديد نشوء مبدأ الاستعاضة عن حشد الجيوش خطوطا طويلةً وفي حملات عديدة لإخضاع المتمرّدين أو لتأمين السّيطرة وأعمال الجباية بإنشاء النّقاط المركزيّة المسيطرة، وهي المستعمرات المنشأة في نقاط معيّنة لتأمين المواصلات والحركات التّجاريّة. أسلوب جديد للتوّسع بوسائل جديدة. وقد برهن هذا الأسلوب عن فاعليّة قويّة ونتائج عظيمة.
ولا بدّ لنا هنا من الإلماع إلى أنّ المزايا الثّقافيّة الّتي كانت للكنعانيّين كانت عظيمةً وقد رأينا إبداعها في اختراع الأحرف الهجائيّة [الأبجدية]. والشّعوب الأخرى الآريّة كالحثيين والمتنيّ وغيرهم والساميّة كالأمّوريّين والأراميّين كانت أيضاً ذات مزايا ثقافيّة عالية وسندرس هذه العناصر السّوريّة في الكتاب الثّاني ونقتصر هنا على هذه اللّمحة، لكي نتمكّن من درس الاتجاه الدّوليّ الّذي أوجد شكلاً جديداً من أشكال الدّولة ومرتبةً جديدةً من مراتب الثّقافة السّياسيّة. فالثّقافة الكنعانيّة العريقة لم تقتصر على ما هو اجتماعيّ اقتصاديّ كالّذي ذكر في الفصل السّابق بل تناولت ما هو سياسيّ أيضاً. فالشّريعة الكنعانيّة الّتي أخذ عنها العبرانيّون شريعتهم الموسويّة(62) لم تكن تقلّ عن شرعية حمورابي وهي تدلّ على الارتقاء السياسيّ العالي في جنوب سورية.
في هذه الأرض الّتي «تفيض لبناً وعسلاً» لم يتشبّث الكنعانيّون بمبدأ المحافظة المغرقة، الّذي كثيراً ما يصبح من مزاج الفلاح العاكف على الأرض، بل تنّبهوا إلى الممكنات الجديدة. ويمكننا أن نقول إنّ شعوب سورية كلّها لم تكن شديدة المحافظة من هذه الجهة، لأخذها بأسباب التّجارة واتّصالها المستمرّ بالعالم الخارجيّ بواسطة الحرب والتّجارة والاستعمار.
أدّى إدراك الفينيقيّين ممكنات البحر إلى إنشاء الامبراطوريّة البحريّة. فالامبراطوريّة البحريّة السّوريّة كانت أوّل امبراطوريّة بحريّة في العالم. وقد ابتدأت هذه الامبراطوريّة بمدينة صيدا الّتي كانت لها الزّعامة الأولى على فينيقية وبلغت أوجها في صور وقرطاضة. والحقيقة أنّ صيدا كانت المثال الأوّل للدّولة البحريّة المسيطرة. فالصّيدونيّون هم أولّ من اكتشف النّجم القطبيّ وأولّ من أبحر في اللّيل(63). ولمّا كنت الامبراطوريّة البحريّة تقوم على التّجارة والمواصلات أكثر ممّا تقوم على الاستيلاء على أراض برّيّة واسعة تتطلّب الحاميات الكبيرة، وتكون معرّضةً للتّفسّخ بطبيعة تقسيمها إلى ولايات وأعمال، فقد أدرك هؤلاء السّوريّون البحريّون بثاقب فكرهم أسرار ثبات الامبراطوريّة البحريّة وكان نقل صور البريّة إلى الصّخر البحريّ (صور معناها «صخر»(64)) الواقع على مرمى مقلاع من الشاطىء، عمل نبوغ عظيم جعل الامبراطوريّة الصخريّة في مأمن من غزوات جيوش بابل وأشور، الّتي أصبحنا نراها تتجمّع على الشاطىء وتهدّد المدينة الصّخريّة، عاصمة الامبراطوريّة الواسعة، بقبضات الأيدي، ويا همّ الصخر في قبضات أيدي الأعادي!
بهذه الطّريقة البديعة أمّنت صور سلامة امبراطوريّتها من كيد الأعادي حتّى مجيء الإسكندر. ولو أنّ هذه الجزيرة الصّخريّة كانت تبعد كيلومتراً فوق بعدها الأصليّ عن الشاطىء لكان الأرجح أنّ يرتدّ عنها الإسكندر خائباً وقد كاد. إذ قد تبيّن من سقوط صور وقرطاضة أنّ الامبراطوريّة البحريّة تقوم على عاصمتها فإذا ذهبت العاصمة ذهبت الامبراطوريّة البحريّة. فهي من هذا القبيل تختلف عن الامبراطوريّة البريّة الّتي قد تذهب عاصمتها، ولكنّ القضاء عليها لا يكون مبرماً.
شيء واحد لم تدركه الامبراطوريّة البحريّة القديمة هو وجوب التّناسب بين المركز والأطراف. فالامبراطوريّة البحريّة لا غنى لها عن الأرض والقوّات البرّيّة. ولو أنّ الفينيقيّين اعتنوا بالقوّات البّريّة عنايتهم بالقوّات البحريّة لما كانت تعرضت مستعمراتهم ووطنهم لما تعرّضت له.
ومهما يكن من أمر الامبراطوريّة البحريّة الّتي تأسّست على الشّاطىء السّوريّ، فإنّ أهميّة الدّولة المدنيّة الّتي نشأت في سورية عظيمة جدّاً، خصوصاً دولة المدينة البحريّة. في هذه المدينة وضع أساس الحقوق المدنيّة الّتي ارتقت في قرطاضة وبلغت أوجها في رومة.
في المدينة السّوريّة البحريّة، الّتي طبعت ثقافتها على البحر المتوسّط كلّه، تحوّلت الرّابطة القبيليّة القديمة إلى الرابطة الاجتماعيّة الواسعة. فزال باكراً ذلك الخضوع الأعمى للملك وزالت عن الملكيّة تلك الصّبغة الإلهيّة الّتي كانت لا تزال ترافق الملك والأسرة المالكة في الامبراطوريّات البرّيّة، وأصبح الملك فيما بعد يُنتخب انتخاباً لمدّة الحياة فكان ذلك أصل الدّيمقراطيّة والجمهوريّة. وصحيح أنّ الرأسماليّة تعاظمت وأنّ مقاليد الأمور صارت إلى أيدي الطّبقة الغنيّة، ولكنّ حقوق أبناء المدينة الأحرار في انتخاب الملك وفي الاجتماع لتقرير المسائل الهامّة، كانت حقوقا مشروعةً وإن كانت غالباً اسميّةً أكثر منها فعليّةً.
في هذه المدينة ازدادت الحركة الاجتماعيّة والاختلاط الاجتماعيّ وأخذت المصالح الخاصّة تحلّ محلّ مصلحة العشيرة وابتدأ النّاس يشعرون باشتراكهم في حياة واحدة هي حياة المدينة. وفي هذا الشّعور نجد أصول مؤسّسة حقوق الاشتراك في دولة المدينة والاتجاه نحو الدّيمقراطيّة. ولكنّ الحقوق السّياسيّة في المدينة السّوريّة البحريّة لم تقع قطّ في ورطة استبداد الجمهور بواسطة تدخّل الأفراد، كما حدث في أثينة المدينة الإغريقيّة لعهد بركلس [توفي 429 ق. م. Pericles] الذّهبيّ حيث كان يحقّ لكلّ فرد أن يتّهم أيّ موظّف في الدّولة، حين انتهاء مدّته، بالخروج على القانون، داعماً تهمته بأيّة صفة من هذه الصّفات المطّاطة: عدم دستوريّة أعماله، أو أنّها غير مرغوب فيها أو أنّ نيّاته كانت سيّئةً، إلخ(65).
إنّ العقل السّوريّ العمليّ لم يكن يميل إلى تخيّلات فاسدة من الوجهة العمليّة. ولذلك فهو قد اكتفى من التجربة الإغريقيّة للحكم الشّعبيّ، بواسطة الشّعب أجمع، بالمشاهدة. إنّه لخيال بديع، في نظر غيري، وخيال سخيف في رأيــي أنّ يكون كلّ فرد من أفراد المدينة المعترف بهم «شريكاً» فعليّاً في إدارة الدّولة. إنّ المدينة السّورية ظلّت محافظةً على الفرق بين السيّاسة والاجتماع واضحاً. وهذا الفرق هو ما مكّن الدّولة من اطّراد تقدّمها.
ونحن نرى هذا الاطّراد جليّاً في المستعمرة السّوريّة الخالدة قرطاضة الّتي ما لبثت أنّ أصبحت دولةً قويّةً ومركز الإمبراطوريّة بحريّة مترامية الأطراف.
في قرطاضة زالت الملكيّة الوراثيّة باكراً وحلّت محلّها الملكيّة الانتخابيّة. ومع أنّ الملكيّة جمعت في نفسها وظيفة الكهنوت والقضاء والإدارة التّنفيذيّة، فإنّ انفصال القيادة الحربيّة والسّلطة العسكريّة عنها(66) أضعف مركزها وسيطرتها. ثمّ إنّ الملكيّة نفسها انحطّت في أوائل القرن الرابع ق.م إلى حالة الانتخاب السّنويّ بواسطة الكليّة الانتخابيّة(67). وهكذا نجد الدّولة القرطاضيّة تتّجه رويداً نحو الدّيمقراطيّة السّياسيّة بعد أن كاد احتكار بيت مغو (Mago) سلطة الإدارة الممثّلة في السّوفتين (Sufftets) وقيادة الجيش يعيدها إلى ملكيّة(68).
إنّ أهمّ عصور الدّولة القرطاضيّة كان عصر مجلس الشّيوخ ومجلس المئة والأربعة أعضاء. وكان مجلس الشّيوخ يتألّف من نحو ثمانية وعشرين عضواً وكان يمثّل رأس الدّولة(69). ففي صلاحيته كان إبرام شؤون الدولة وتمثيلها في الخارج وإليه يعود الملوك ومنه يستمدّون قوّتهم. وهنا نجد الدّولة الأرستوقراطيّة المؤلّفة من طبقة التّجار المثرين وأصحاب الأملاك الواسعة، ولكنّ قبض أسرة مقو على الجيش والإدارة معاً بالتّعاقب أوجد خطراً عظيماً على الأرستوقراطيّة بإمكانيّة إعلان هذه الأسرة نفسها أسرةً مالكةً. فلما أنشىء مجلس الــ104 أصبح هذا المجلس صاحب السّلطة العليا في الحكم على موظّفي الدّولة وقواد الجيش ورجال مجلس الشّيوخ والملوك المنتخبين سنوياً أو «السوفت». ومع أنّ قسماً من هذا المجلس كان ينتخب سنويّاً من الشّعب فإنّ نفوذ الطّبقة الغنيّة واستعمال المال وعدم وجود مادّة تمنع قابليّة إعادة انتخاب الأعضاء على طول الحياة، جعل هذا المجلس يمثّل حكم الطّبقة. ولكنّه كان في كلّ حال خطوةً واسعةً نحو الدّيمقراطيّة، إذ إنّ مرتبة المتموّلين لم تكن طبقةً خاصّةً بنفسها ومنفصلةً عن عامّة الشّعب، بل كانت مرتبةً يتعاطى أهلها الأعمال التّجاريّة(70) ويمتزجون بالشّعب. وهذه كانت ميزةً للطّبقة الحاكمة في قرطاضة، وإن الطّبقات في الدّول السّوريّة البحريّة لم تتحدّد التّحدّد الّذي نراه في غيرها. ولقد تمّ نشوء هذا المجلس الّذي كان يُقصد منه وضع حدّ للعائلة المسيطرة على شؤون الدّولة بدون أن تلجأ هذه إلى مقاومته(71) فبرهنت الدّولة القرطاضيّة بذلك على مرونة سياسيّة كبيرة جعلتها فوق جميع الدّول والامبراطوريّات التي تقدّمتها أو عاصرتها. وماير(72) يقول إنّه لم يكن بين جميع دول الإغريق دولة واحدة بلغت أو كادت تبلغ ما بلغته قرطاضة من وسائل القوّة والاتّساع. ولا يعطي ماير قرطاضة حقّها الكامل حين يقول(73) إنّها جديرة بأن تكون، من حيث التّرتيبات السّياسيّة، مثإلا يقتبس عنه الإغريق من بعض الوجوه.
إنّ محاولة الجمهوريّة الإغريقيّة ألغت الدّولة أو كادت تلغيها. وإنّ الأسلوب الّذي جرت عليه الدّولة في تقدّمها وارتقائها كان الأسلوب السّوريّ الّذي ارتقى في قرطاضة إلى الدّيمقراطيّة ووضوح الحقوق المدنيّة والحقوق الشّخصيّة مع بقاء الدّولة شيئاً متميّزاً عن الشّعب، مؤسّسةً لا يمكن أن تعرض لعبث الجمهور. والحقيقة أنّ نظام الدّولة القرطاضيّة كان معرّضاً لانتقادات بعيدة عن الصّواب، إذ ليس معقولاً، من الوجهة المنطقيّة، أنّ تتمكّن مؤسّسة فاسدة من إنشاء امبراطوريّة واسعة جدّاً وربح حروب عديدة في البرّ والبحر وإدارة هذه الامبراطوريّة الضّخمة طوال قرون. فقد أخضعت قرطاضة جميع الشّعوب الحاميّة في تونس ومرّاكش وسيطرت على قبائل البدو المجاورة وألحقت بسلطتها المدن الفينيقيّة على الشاطىء الإفريقيّ واحتكرت الجنوب الغربيّ من البحر المتوسّط والمحيط الأطلنتيّ. وإدارة دولة هذه مساحة أعمالها تقتضي نظاماً مرتقياً قويّاً ومؤسسات ثابتةً.
قسّم ديودروس أتباع الدّولة القرطاضيّة إلى أربعة أصناف:
أولاً: فينيقيــيّ قرطاضة.
ثانياً: فينيقيــيّ ليبيا.
ثالثاً: الرّعايا الليبيين.
رابعاً: البدو(74). 
ولقد ميّزت قرطاضة بين رعاياها الفينقيّين ورعاياها اللّيبيّين. وصحيح أنّ المدن الفينقيّة الّتي كانت في البدء حليفة قرطاضة أصبحت خاضعةً لها وداخلةً في نطاق حقوقها، مع احتفاظها بحكوماتها الخاصّة، ولكنّ ذلك جعل أبناء هذه المدن مساوين للقرطاضيّين في الحقوق الشّخصيّة والمدنيّة فكانوا يترقّون في الجيش ويحقّ لهم تسنّم المراتب العالية فيه. ولهم نفس مرتبة القرطاضيّين تجاه الشعوب الحاميّة المخضعة(75) ولكنّهم كانوا فاقدي الحقوق السّياسيّة.
لم تعرف قرطاضة الثوّرات الدّمويّة العنيفة، وهذه الحقيقة تدلّ على أنّ الدّولة لم تسر على طريقة الإرهاق. وإذا كان هنالك ضغط فهو قد تناول العبيد واللّيبيين الّذين كان يصعب على الفينيقيّين الامتزاج بهم وإدخالهم في متحدهم ولذلك لم تتمكّن قرطاضة من منح هؤلاء حقوق أبنائها، كما فعلت رومة فيما بعد مع الشّعوب الّتي دخلت ضمن امبراطوريّتها. ورومة نفسها، لم تسلّم بتساوي اللاتين وأبنائها إلا بعد حروب عنيفة ومشاكل صعبة.
إنّ المعضلة السّياسيّة العظمى الّتي كانت تواجهها قرطاضة هي النّزاع الشّديد الصّامت بين الطّبقة القابضة على زمام السّلطة وامبراطور الجيش. والحقيقة أنّ هذا النّزاع كان السّبب الرئيسيّ في خسارة الحرب الفينيقيّة الثّانية مع رومة. ففي هذه الحرب الطاحنة الّتي وضع خطّتها هاني بعل أعظم نابغة حربيّ في كلّ العصور وكلّ الأمم(76) ، سلك مجلس قرطاضة خطةً غريبةً تجاه هذا القائد القرطاضيّ العظيم، فقد اهتمّ هذا المجلس بإرسال المدد إلى الميدان الإسبانيّ ولم يتّخذ أيّ تدبير حاسم لإيصال المدد الضّروريّ إلى الميدان الإيطاليّ. إنّ هاني بعل كان يدرك جيّداً أنّ الضّربة القاضية الّتي يمكن إحدى الدّولتين المتنازعتين أن تنزلها بالأخرى يجب أن تكون في مركزها، ولذلك زحف على رومة ذلك الزّحف الرّائع مجتازاً جبال الألب الشّاهقة حتّى بلغ أسوار رومة وقد دبّ فيها الرّعب على أثر معركة كني [Cannae 216 ق. م.] المخلّدة نبوغ البطل السّوريّ وهلع قلب شعبها لتناقل العبارة Hannibal ad Portas. ولكنّ مجلس قرطاضة بقي غارقاً في دسائسه ضدّ القائد ذاهلاً عن المرمى البعيد الّذي رمى إليه هاني بعل.
وفي قرطاضة، كما في رومة، كان نزاع شديد بين حزب الشّعب والطّبقة القابضة على مقاليد الأمور. ومع أنّ المبدأ المعترف به في قرطاضة كان مبدأ سيادة الشّعب، إذ كان من المقرّر أن يستفتى الشّعب في كلّ اختلاف بين المجلس والمراجع الحكوميّة(77) ، فإنّ هذا المبدأ ظلّ بعيداً عن التّحقيق بسبب مناورات الطّبقة الحاكمة وبذل المال. ولكنّ الكوارث الّتي نزلت بقرطاضة في الحرب الفينيقيّة الأولى [264-241 ق. م.] وخسارة الحرب الفينيقيّة الثّانية [218-201 ق. م.] الّتي كانت كفتها فيها راجحةً، قوّى روح الاستياء في شعب المدينة ونشط الحزب الدّيمقراطيّ ومكّن هاني بعل من تحقيق إصلاحه الدّيمقراطيّ بإلغاء إعادة انتخاب أعضاء مجلس الــ104 أكثر من مرّة واحدة وتحوير بعض القوانين الإداريّة والماليّة فكان هذا الإصلاح سابقةً للإصلاح الغراقيّ(78) في رومة.
أعطى إصلاح هاني بعل قرطاضة الدّيمقراطيّة الصّحيحة والاتّجاه الدّيمقراطيّ الفعليّ. ولم يبق أمام قرطاضة لاستعادة حيويتها الامبراطوريّة سوى تمديد الحقوق السّياسيّة المركزيّة إلى المدن الفينيقيّة التّابعة أو الموالية لها ورفع الحقوق الشّخصيّة والمدنيّة في الشّعوب اللّيبية الّتي ظلّ مواليةً لها، وإعادة تنظيم الجيش على أساس قوميّ بدلاً من الجيش المستأجر الّذي كان يؤلّف أهمّ قسم من القّوات المحاربة. ولكنّ رومة لم يكن يهدأ لها روع ما دامت ندّتها العظيمة قيد الوجود فظلّ كاتو يختم كلّ خطاب من خطبه في مجلس شيوخ رومة بهذه العبارة «أعتقد أنّه يجب تدمير قرطاضة» حتّى كانت الحرب الفينيقيّة الثالثّة [149-146 ق. م.] الّتي انتهت بخراب المدينة وقتل معظم أهلها وجلاء الباقين عنها.
بعد زوال الامبراطوريّة القرطاضيّة بقي هنالك قوّتان عظيمتان هما الامبراطوريّة السّوريّة والامبراطوريّة الرّومانيّة. ومع أنّ الامبراطوريّة السّوريّة برهنت على أنّها أقوى قوّة في الشّرق الأدنى فإنّ نظامها الملكيّ لم يفعل شيئاً جديداً في سبيل ترقية فنّ الدّولة ولم يكن البيت السّلوقيّ، رغم ظهور بعض أفراده كسلوقس وأنطيوخس الكبير، مؤهّلاً للقيام على مقدّرات الامبراطوريّة تجاه امبراطوريّة أحدث طرازاً كرومة، فبقيت ترقية فنّ الدولة من نصيب رومة وكانت رومة أهلاً لتحقيق هذه الترقية.
في الحرب الطاحنة بين قرطاضة ورومة كانت دولة تحكمها طبقة تحارب دولةً تحكمها طبقة. ولكنّ اضطراريّات ظروف رومة دفعتها في اتّجاه جديد هو تمديد حقوق عضويّة الدّولة الرّومانيّة إلى المقاطعات الّتي أدخلتها رومة نهائياً ضمن نطاق سيطرتها. وقد رمت رومة من وراء تمديد هذه الحقوق إلى توحيد إيطاليا تحت سيطرتها. إذ إنّ إيطاليا، لذلك العهد، كانت شعوباً وقبائل متعددةً وأحياناً متباينة في ثقافاتها. ولكنّ البيئة الواحدة جعلت الوحدة السّياسيّة أمراً لا مفرّ منه، فكانت هذه الوحدة السّياسيّة الشّرط الأوّل لتوّلد الوحدة الشّعبية الّتي نشأت فيما بعد بعامل الاشتراك في الحقوق الدوليّة.
إنّ الحروب الإيطاليّة هي الّتي أغنت رومة بالاختبارات السّياسيّة ومن هذه الوجهة يمكننا أن نبصر جيّداً أسباب ترقية فنّ الدّولة في مدينة ناهضة إلى مرتبة الامبراطوريّة. إنّ اختبارات رومة السّياسيّة كانت أكثر وأقوى من اختبارات أيّة دولة سوريّة مدنيّة. وهي، بخلاف الدّول السّوريّة البحريّة، مدينة برّيّة في الدّرجة الأولى وكانت محاطةً بأقوام تضاهيها وبعضها أرقى منها ثقافةً كالأتروريين (أو الأترسكيين) فساعد ذلك على الرّغبة في إدخال هذه الأقوام في نطاقها السّياسيّ والاجتماعيّ ومن هذه الوجهة كانت ظروف رومة تختلف عن ظروف صور وقرطاضة.
ومع أنّ رومة استفادت كثيراً من اختباراتها السّياسيّة الكثيرة فهي لم تخرج عن المثال القرطاضيّ في نظام الدّولة الامبراطوريّ، فكما كان مجلس قرطاضة هو المرجع الأخير لمعاهدات وإعلان الحرب وإدارة المدن والمقاطعات التّابعة للدّولة كذلك كان مجلس شيوخ رومة. وكما برهن مجلس الــ104 القرطاضيّ على عدم كفاءته لسياسة الامبراطوريّة العامّة كذلك برهن سناتو رومة على عجزه عن إيجاد الأساليب السّياسيّة الّتي يمكنها أن تؤمّن توثّق الامبراطوريّة(79) حتّى أصبحت القوّة المجرّدة الضمانة الوحيدة للبناء الامبراطوريّ.
إنّ تمديد الحقوق السّياسيّة في الدّولة الرّومانيّة إلى المقاطعات الإيطاليّة ثبّت وحدة الامبراطوريّة الرّومانيّة في إيطاليا. ولكن لمّا أصبحت هذه الحقوق توزّع على الشّعوب وراء الحدود الجغرافيّة، كجلالقة عبر الألب، بطل سحرها وصارت عديمة الفائدة، بل أمست في الأخير من عوامل إضعاف مركز الامبراطوريّة وذهاب هيبتها. وهكذا نجدها في عصورها الأخيرة مسرحاً لقوّادها المتنازعين فيما بينهم حتّى تداولها القياصرة وحوّلوا جمهوريّتها إلى الشّكل الامبراطوريّ القديم الّذي رأينا مثاله في سورية ومصر وفارس.
بعد فراغ رومة من توحيد إيطاليا توقّفت اختباراتها السّياسيّة لأنّها وجدت علاجاً واحداً لجميع المشاكل الخارجيّة هو علاج القوّة. أمّا العلاج السياسيّ فكان يقتضي تطوّراً خطيراً يغيّر أساس النّظام الكامن في المدينة. كان يجب أن تحلّ إيطاليا محلّ رومة وأن توجد وسيلةً للتّعبير عن الإرادة العامّة في الامبراطوريّة ولكنّ الطّبقة الأرستوقراطيّة في رومة كانت أقل استعداداً من الطّبقة الأرستوقراطيّة في قرطاضة لتغيير وجهة نظرها في الغرض من الامبراطوريّة. وهكذا سارت رومة في سبيل قرطاضة فكانت آخر دولة من طراز دولة المدينة السّوريّة.
امتازت قرطاضة على رومة بأمر خطير جدّاً في نظام الدولة هو فصل القيادة الحربيّة عن الإدارة السّياسيّة والمدنيّة. ومع أنّ رومة أبدت مرونةً سياسيّةً عظيمةً فاقت بها على قرطاضة في إشراكها الملحقات في حقوقها السّياسيّة، فإنّ تقسيماتها التّشريعيّة والإداريّة الدّاخليّة بإنشائها مؤسسّات الكوريا Curia والسّنتوريا Centuria والكوميتيا Comitia ورؤساء العامّة، الّذين كان لهم حقّ إيقاف التّنفيذ، لم تبرهن قطّ على حقوق دستوريّة يصحّ أن تتّخذ مثإلا في فنّ الدولة. وإنّ نجاح رومة كان على الرّغم من هذه التّقسيمات المتعارضة مبدئياً أكثر ممّا كان بفضلها. إنّ هذه التّقسيمات لم تكن سوى تسوية للنّزاع الدّاخليّ.

الشّــرع
امتازت الدّولة في رومة على ما تقدّمها من الدّول في أمرين هما: تمديد معدوديّة الرّومان (عضوية الدّولة) إلى الملحقات وتكوين وحدة سياسيّة تحفظ روح الإرادة العامّة، وإنشاء الشّرع. والشّرع الرّومانيّ هو أثمن ما تركته رومة للبشريّة.
لا يعني ذلك أنّ الشرع وُضع أوّلاً في رومة، فنحن نعلم أنّ شريعة حمورابي السّوريّة هي أقدم شريعة في العالم. وكذلك نجد في جنوب سوريّة الشّرع الكنعانيّ الّذي اقتبس منه ومن الشّرع البابليّ العبرانيون شريعتهم الموسويّة. ولقد تناولت شريعة حمورابي الأحكام المدنيّة الحقوقيّة والجزائيّة فنصّت على التملك وواجبات الجنديّ وملكه وأحوال المعاملة والحقوق التجاريّة والأحوال المدنيّة الشّخصيّة كالزّواج وأحواله(80).
والشّرع الكنعانيّ تناول هذه الأحكام الّتي اختلف في بعضها عن شريعة حمورابي فيما يختصّ بالعقوبات. ومن وضع الشّريعة الكنعانيّة نرى القانون قد أصبح شيئاً متميّزاً كلّ التميّز عن العادة والعرف والانتقام الشخصيّ والثّأر. ففيها نجد تنظيماً للأحوال الحقوقيّة والجزائيّة.
ولا بدّ أن يكون الشّرع السّوريّ الكنعانيّ قد ارتقى مع ارتقاء أحوال الدّولة الفينيقيّة، واتّساع ملكها ومعاملاتها، خصوصاً في الامبراطوريّة القرطاضيّة. ولكنّ المؤسف جدّاً أن يكون تخريب البرابرة الإغريق والرّومان للعواصم الفينيقيّة تخريباً تدميريّاً تاماً، كما فعل الإسكندر بصور وسيبيو «أفريكانس» الثّاني بقرطاضة، فلم يبق لنا من آثار هذه العواصم إلا النّزر اليسير. وهذا لا يزال يحتاج إلى تنقيبات جدّية، ومع ذلك فنحن نعلم من هذا النّزر أنّ الحقوق الفينيقيّة لم تتعرّض للقضايا الّتي تعرّضت لها الحقوق الرّومانيّة. والسّبب في ذلك هو أنّ الدّول السّوريّة الفينيقيّة قامت على أساس شعبيّ واحد، فكان نوع حقوقها واحداً. ولذلك نجد المساواة في الحقوق بين مدنيــيّ قرطاضة وأبناء المدن الفينيقيّة الأخرى اللّهم إلا الحقوق السياسيّة الّتي ظلّت حقوقاً مدنيّةً خاصّةً.
ومتى نظرنا إلى الشّرع في الإغريق وجدنا نوع الشّرع نفسه، وإذا كان هنالك ارتقاء فهو قليل. فإنّ شرعهم كان لا يزال مجموعة قوانين دينيّة ومناقبيّة وسياسيّة متناقضة. ولقد ميّز الشّرع الإغريقيّ بين الجنح والجرائم، بين الادعاء الشّخصيّ وطلب التّعويض، والادعاء العامّ بموجب قانون جزاء ولكنّ تصنيف الدّعاوى كان ناقصاً. ففي حالة السّرقة كان المدّعي مخيّراً في أن يقيم دعوى حقوقيّةً ويطلب التّعويض أو أن يقيم دعوى جزائيّةً. وفي حالة الإجرام كالقتل والتّشويه كانت الحقوق الإغريقيّة لا تزال قريبةً من الحقوق الأوّليّة إذ إنّ هذه الحالة كانت تترك للادعاء الشّخصيّ(81). والقانون عموماً كان لا يزال تابعاً للوضع السّياسيّ فهو لم يكن عامّاً ففيه تساوت الحقوق السّياسيّة والحقوق الشّرعيّة.
في رومة خرج الشّرع من هذا التّخبّط إلى الشّرع القضائيّ العامّ وحلّ محلّ الموادّ القانونيّة المتناقضة القانون العامّ الموحّد الجامع نظام الدّولة. ولولا هذا العمل الكبير لما كانت رومة تركت أثراً ثقافيّاً عالياً. فتاريخ رومة الثقافيّ هو تاريخ حقوقها(82).
ابتدأ الشّرع في رومة على مثال دولة المدينة السّوريّة. فالحقوق كانت لأوّل عهدها حقوق رومة المدينة تسري أحكامها على مدنيّيها فقط. فلم يكن لغير ابن رومة حقّ في حضور اجتماع الجيش واجتماع الشّعب والتّصويت، وفي أن ينتخب وأن يعقد زواجاً يعترف به في رومة، الخ(83). والشّعوب الّتي تغلّبت عليها رومة كان لها حقوقها السّياسيّة والمدنيّة كالمدن اللاتينيّة والسّمنيّين والأتروريّين والمدن الإغريقيّة في الجنوب والجلالقة في الشّمال(84).
لمّا أخضعت رومة هذه الشّعوب لسيطرتها وأدخلتها ضمن نطاقها لم تلغِ شرائعها المتمشّية عليها، بل أبقتها معمولاً بها عندها. ولكنّ مبدأ الشّخصيّة هذا لم يكن كافياً لحلّ القضايا الحقوقيّة في دولة المدينة السّائرة إلى الامبراطوريّة، لأنّ الشّعوب الّتي خضعت لرومة بالقوّة فقدت حقّ الجزاء وأصبحت تحتاج إلى شكل حقوقيّ جديد، ولأنّ إدخال شعوب متباينة في حقوقها في نطاق دولة واحدة أوجب النّظر في علاقة هذه الشّعوب بعضها ببعض، ولأنّ وضع هذه الشّعوب تحت سلطة رومة أوجب مواجهة قضيّة العلاقة بين هذه الشّعوب والشّعب الرّومانيّ أو بين أفرادها وأفراد رومة. فاختارت رومة حلّ هذه القضايا بالمعاهدات أوّلاً ثمّ بإدخال حقوق الشّعوب في نطاقها القانونيّ وهي الحقوق الّتي عرفت بالــ [اليوس غنتيوم] Jus Gentium وكان القصد منها النّظر في جميع الحالات الّتي لا تصلح للنّظر فيها الحقوق المدنيّة المعروفة بالــ Juse Civile المختصّة بالرّومان أنفسهم، فصارعت هذه الحقوق الشّعوبيّة حقوقاً رومانيّةً أيضاً. وقد حاول الرّومان التّوفيق بين «إليوس سويلي» [Jus Soli] و«إليوس غنتيوم» بواسطة محكمة الــ Praetor Peregrinus الّتي كان من صلاحيّتها النّظر في القضايا بين المدنيّين والأغراب. ولكنّ أهميّة «إليوس غنتيوم» أخذت تعظم مع تحوّل المدينة إلى دّولة أرضيّة حتّى فاقت «إليوس سويلي»، لأنّ هذه الحقوق أصبحت حقوق قسم عظيم من الرّعايا الرّومان لم يكونوا قد حصلوا على الحقوق المدنيّة الرّومانيّة أو على الحقوق اللاتينيّة (Jus Latinum) وهي الحقوق الّتي كانت تتمتّع بها المدن اللاتينيّة. وكانت هذه الحقوق الشّعوبيّة في مصلحة الرّومان أنفسهم، لأنّها وسّعت أمامهم حقوق الزّواج وحقوق التّملك والإرث وهكذا أصبح لمدنيّــي رومة الحقّ في اختيار التّقاضي وفاقاً لحقوق المدنيّة أو الحقوق الشّعوبيّة(85).
ولكنّ تطوّر الحقوق الرّومانيّة لم يقف عند هذا الحدّ بل تابع عمله خصوصاً في العهد الامبراطوريّ، أي بعد زوال الجمهوريّة. في هذا الطّور نجد عملاً حقوقيّاً كبيراً قام به امبراطور رومة السّوريّ كركلّة (Caracalla) الّذي مدّد الحقوق المدنيّة الرّومانيّة في الــ Constitut’o Antonina (سنة 212م) إلى رعاية الامبراطوريّة(86) فهو أول من أعلن حقوقاً مدنيّةً عامّةً للامبراطوريّة.
ولم يطل الزّمن برومة حتّى سقطت قبل أن يبلغ الشّرع المرتبة العامّة الّتي بلغها في الامبراطوريّة الرّومانيّة الشّرقيّة، الامبراطوريّة البيزنطيّة أو الرّوميّة. في هذه الجهة خصوصاً في سورية، تابعت الحقوق تطوّرها في مدرسة بيروت والفضل الأكبر في حلّ قضيّة «الحقوق الامبراطوريّة والحقوق الشّعبيّة» يعود إلى مجهود المدرسة السّوريّة(87). وأخيراً اكتمل لشّرع الرّومانيّ في مجموعة القيصر يوستنيان الّتي جرى فيها تنقيح وتحوير القوانين القديمة ووضع قوانين جديدة. في هذه المجموعة نرى الحقوق الشّخصيّة قد تحرّرت من روابط القرابة الدّمويّة، بل إنّنا نرى بداءة تطبيق فكرة شّخصيّة الجماعة(88). ويمكن اعتبار مجموعة يوستنيان أعلى ما بلغه الشّرع وأساس الحقوق الشّرعيّة في القرون الوسطى والعصور الحديثة.

الدّولة الإقطاعيّة في الغرب والشّرق
سقطت رومة تحت ضغط البرابرة الغربيّين وتفككّك ذلك النّظام السّياسيّ الامبراطوريّ الّذي لم تتمكّن أنانيّتها من إنقاذه. وبينما الامبراطوريّة الرّوميّة (البيزنطيّة) لا تزال تتابع عمل الدّولة الموحّدة في دستورها وإدارتها، مع اتّجاهها نحو السّلطة الفرديّة الّتي وضع قواعدها ديوكلتيانس وقسطنطين، إذا بالدّولة في الغرب تنحطّ إلى إقطاعيّات وقعت كلّ واحدة منها في حوزة أمير نبيل أو بطل محارب. أمّا الملوك البرابرة الفرنك والقوط واللمبارديّون والوندال فكانت سلطتهم تتناول الجزية والأعمال الحربيّة فقط ولكنّهم لم يتمكّنوا من تنظيم الدّولة. فاستفحلت سلطة الأمراء الإقطاعيّين حتّى إنّ امبراطوريّة شارل مرتل وبابن وشرلمان اضطرّت إلى القبول بالأمر الواقع واحتمال حكم الإقطاعيين البلاد بناءً على تخويل شرعيّ من الملك(89).
في الدّولة الإقطاعيّة حلّت مصلحة الأمير محلّ مصلحة الدّولة أو مصلحة الكلّ وأخذت الإقطاعيّة تتحوّل إلى صنف خاصّ يتوارث أفراده الألقاب والمراكز فكان الوارث أو وليّ العهد يثبت في خلافته لقاء دفع تعويض(90).
وكان قد نشأ إلى جانب النّظام الإقطاعيّ نظام آخر أخذ يدّعي السّيادة العامّة هو نظام الكنيسة المستمدّة قوّتها من الدّين. والحقيقة أن الدّين لم يتنازل عن ادّعائه السّلطة العليا والقوّة الزّمنيّة ولكنّ سقوط قرطاضة ورومة أعاد له صولته مع المسيحيّة ثمّ مع الإسلام كما سنرى. فقد سيطر الدّين على عقليّة القرون الوسطى بصورة لم يعرف لها مثيل في مدنيّة البحر المتوسّط والغرب، وتعاظمت سلطة الباباوات حتّى زعم بعضهم أنّه السّيّد المطلق الّذي يخضع له كل الأمراء. والحقيقة أنّ بعض الباباوات كغريغور السّابع، الّذي كان راهباً يشتغل سرّاً ثمّ علناً بعد أن ارتقى إلى الكرديناليّة وأربان الثّاني وأنوسنت الثّالث أصابوا نجاحاً في النّزاع بين السّلطة البابويّة وسلطة الإمبراطرة [الأباطرة] والملوك(91).
إنّ سلطة الباباوات كانت مستمدّةً من مبدإ الإرادة العامّة المعبّر عنه بخضوع المؤمنين التّام لِــــ «خليفة المسيح». ولكنّ الكنيسة كانت في ذلك الوقت تحاول التّوفيق بين مبدأين متناقضين هما الوظيفة الرّوحيّة والسّلطة الزّمنيّة. ولذلك لم يطل الوقت على السّلطة الزّمنيّة حتّى ابتدأ الشّقاق في نظام الكنيسة وشبّت الحركات الإصلاحيّة الدّاخليّة وكانت النّتيجة القضاء على الجامعة الدّينيّة الزّمنيّة والرّوحيّة.
لم ينقذ الدّولة من هذه الفوضى في الغرب إلا الاتّجاه نحو المدينة، فنشوء المدن ونموّها والعمل الصّناعيّ والاتّجار أوجدت المحيط والجوّ الصالحين لحرّية العمل وتبادل الأفكار والمعارف. إنّ المدينة كانت دائماً أصلح مكان لنموّ الفكرة الدّيمقراطيّة. وهي المكان الوحيد الّذي يمكن أن تتمركز فيه الحياة السّياسيّة. وهكذا نجد مدن ألمانية وإيطاليا الحرّة توجد الطّرق اللازمة لنشوء الحركات الاجتماعيّة والسّياسيّة الّتي أخذت تعدّ السّبيل لعصر جديد من عصور الدّولة هو عصر الدّيمقراطيّة ونشوء القوميّة.
القوميّة هي الّتي عيّنت شكل دولة البلاد العصريّة ووسّعت دائرة المساهمة في الدّولة أو معدوديّتها إلى حدود لم تكن معروفةً من قبل. وتحت تأثير عوامل القوميّة الآخذة في النّشوء أهمل النّظام الإقطاعيّ وقويت الملكيّة المركزيّة، لأنّها كانت دائماً أقرب إلى تمثيل وحدة الأمّة. وسلطة الفرد كانت دائماً أقرب إلى الدّيمقراطيّة من سلطة الأرستوقراطيّة المكوّنة طبقةً ممتازةً.
وقبل أن نتناول الدّولة الحديثة القائمة على مبدأي القوميّة والدّيمقراطيّة المتجانسين نرجع إلى حادث خطر في تاريخ الدّولة ومبادئها وقع في الشّرق وأوجد حالةً دوليّةً لا بدّ من درسها لاستكمال أطوار الدّولة واستيفاء العوامل الخطيرة المهيّئة مجراها.

الدّولة الدّينيّة
إذا كنت هنالك أرض تحدّد الحياة والثّقافة الإنسانيّتين تحديداً يكاد يكون حتميّاً فهي، بدون شكّ، الصّحراء. فالصّحراء لا تمنع الإنسان من الارتقاء من مرتبة الوحشيّة إلى مرتبة البربريّة أو الجاهليّة، ولكنّها تمنع الثّقافة العمرانيّة. وهذه صحاري العالم كلّه كانت ولا تزال خلوّاً من العمران والحضارة وكلّ ثقافة عمرانيّة، ولو لم تخرج بعض الشّعوب السّاميّة من الصّحراء إلى سورية والعراق لما كان قدّر لها أن تظهر مزاياها العالية وتنتج النّتاج الثّقافيّ العمرانيّ الّذي دفع البشريّة في مراقي الحياة الاجتماعيّة دفعةً سيظلّ زخمها فاعلاً فعله ما دامت البشريّة تتقدّ م وترتقي.
والدّولة في قبائل الصّحراء هي دائماً وأبداً دولة قبائلّة، وهي الدّولة الّتي أشرنا إليها في بداءة هذا الفصل ولا تدخل في الدّولة الّتي أطلقنا عليها اسم الدّولة التّاريخيّة المتطوّرة، المرتقية، المنشئة تاريخها، أو هي (الدّولة القبائليّة) الدّولة الأوّليّة الّتي يجتمع شيوخها عند الحاجة للبتّ في أمر كما يقضي به العرف أو العادة أو الدّين. ومعظم ما تنتهي إليه هذه الدّولة هو اتّحاد بعض القبائل المشتركة في القرابة الدّمويّة، ولا تحتاج هذه الدّولة إلى أكثر من العادة والعرف نظاماً نظراً للنّمط الواحد الّذي تسير عليه حياتها الفطريّة البعيدة عن الأخذ بالعلم والفلسفة، المنعزلة عن مجال التّطوّر الاقتصاديّ الاجتماعيّ.
ولمّا كانت الجماعات الفطريّة عموماً واقعةً تحت تسلّط التّصوّرات الخارقة (الدّينيّة) كان الدّين العامل الوحيد الّذي يمكنه أن يوجد مركزاً مشتركاً للقبائل، كما نجد مكّة قبل الإسلام وبعده. والحقيقة أنّ البيئة الوحيدة الصّالحة لتكوّن الدّولة الدينّية العامّة هي بيئة القبائل اللاعمرانيّة. ولا يمكن أن تنشأ في هذه البيئة دولة عامّة غير دينيّة. وقد أدرك حقيقة هذه النّظريّة ابن خلدون فكتب في مقدّمته فصل «في أنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينيّة من نبوءة أو ولاية أو أثر عظيم من الدّين على الجملة» ففي هذه البيئة مجال لقبول الشّرع الإلهيّ القاطع والخضوع له. ولا مجال لنشوء الشّرع المدنيّ والحقوق المدنيّة والشّخصيّة وتطوّرها. والدّولة الإسلاميّة الّتي وضع قواعدها النّبيّ محمّد بعد الهجرة هي الدّولة الوحيدة الّتي أمكنها أن تصير دولة عامّةً في بلاد العرب ونحن نرى في نشوء الدّولة الوهّابيّة العامّة في القرن الماضي وعودتها الآن إلى الوجود بعد أن كانت قد قضت عليها الدّولة العثمانيّة مصداقاً لقول ابن خلدون المذكور آنفاً.
بينما الكنيسة المسيحيّة في الغرب تحاول أن تنشىء على أنقاض الامبراطوريّة الرّومانيّة دولةً دينيّةً عامّةً يرأسها البابا. كانت الدّولة الدّينيّة في الشّرق تسيطر بلا منازع.
هجر محمّد مكّة إلى المدينة ليجعل الدّين أمراً مطاعاً وليوفّق بين الدّين والسّياسة أو بين الفكرة الرّوحيّة الّتي كان مخلصاً لها كلّ الإخلاص وبين حالة بربريّة ماديّة لا مجال للثّقافة الرّوحيّة فيها. وقد يبدو عجيباً أن تكون البيئة الصّالحة لسيطرة الدّين أقلّ البيئات صلاحيّةً لنموّ الثّقافة الرّوحيّة. ولكن لا غرو فحيث النّفسيّة والحياة العقليّة الرّوحيّة محدودة بنوع الحياة وظروف المحيط كان مجال التأمّلات الرّوحيّة والحياة العقليّة ــــ الرّوحيّة محدوداً. هنا المجال للتّسليم بالله الواحد والخضوع لأحكامه وإطاعة حدوده، وليس هنا المجال لمحاولة فهم الله في ألف شكل وشكل من الحاجات والعلاقات النّفسيّة الّتي لا يكن أن تتوّلد إلا في مرتبة ثقافيّة حضريّة عالية تتحرّر فيها النّفس من إلحاح الضّرورة المعاشيّة ومن الدّأب عليها.
وقد رأى النّبيّ أنّه لا بدّ من التّوفيق بين رسالته الرّوحيّة العامّة وإمكانيّات البيئة. فأخذت سور القرآن المدنيّة تقلّل من التعليم الرّوحيّ الّذي اتّصفت به سوره المكّيّة وتكثر من الأحكام الشّرعيّة والحدود، وأخذت جماعة المسلمين المحمّديّين تصير قوّةً غايتها إخضاع الكفّار لدين الله وأحكامه المنزلة على النّبيّ، بعد أن كانت في بدئها جماعةً روحيّةً تجتمع لممارسة التّفاهم الرّوحيّ بواسطة الإيمان الجديد. وهكذا نرى بداءة تكوّن الدّولة الدّينيّة الّتي أصبحت الدّولة العامّة للقبائل العربيّة.
كانت بلاد العرب لعهد محمد في حالة من تلك الحالات الّتي كانت تضطرّ قبائل إلى الأخذ بالمهاجرة من الصّحراء في طلب موطن جديد تكتمل فيه أسباب العيش. فلمّا نشأت الدّولة الإسلاميّة وابتدأت تشعر بقوّتها تحوّلت الحاجة إلى المهاجرة، إلى طلب الفتح. والفتح لمدّ الإسلام بالحاجات كان مهمّة الدّولة الإسلاميّة الأولى بعد محمد فخرجت جيوش الجهاد ووجهتها سورية المنقسمة إلى قسمين بسبب التّسلّط الأجنبيّ: الغربيّ التّابع لبيزنطية، والشّرقيّ التابع لدولة الفرس فانتزعت الأوّل من نظام الدّولة الرّوميّة والثاني من فارس. وكان من حسن حظّ سورية أنّ جيوش الفتح لم تقف فيها بل اندفعت موجاتها شرقاً وغرباً وجنوباً وما هي إلا سنوات، وإذا بالدّولة الإسلاميّة المحمّديّة قد صارت امبراطوريّةً مترامية الأطراف مركزها مكّة.
لم يترك محمد دستوراً للدّولة فهو قد أتمّ الدّين ولكنّه ترك الدّولة تهتمّ بمصيرها. ولمّا كانت الخلافة أوّل وأقوى سلطة في الإسلام، خصوصاً من الوجهة التّنفيذيّة والإداريّة، فقد أصبحت قبلة أنظار الطّامحين إليها. وفي التّنازع على الخلافة ظهر مبدأان: مبدأ الانتخاب ومبدأ النّسب النّبويّ وحصر الخلافة في شرعيّة أهل البيت فكان النّزاع بين المبدأين سجإلا وكانت الكفّة الرّاجحة أوّلاً في جانب مبدأ الانتخاب في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وبعد عثمان اشتدّ النّزاع بين المبدأين في شخصيّتين قويّتين جدّاً هما: معاوية الأمويّ وعليّ الهاشميّ. وعليّ أقرب إلى النبيّ وأعظم شأناً من الوجهة الدّينيّة.
ولكنّ معاوية كان قد أصبح ابن محيط غير المحيط العربيّ. فإنّ العشرين سنةً الّتي قضاها في سورية «سرينته» أو «سوّرته» وأعطته اتّجاهاً جديداً في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة. فإنّ علم الدّولة وفنّ السّياسة وعلم الحقوق الدّستوريّة والمدنيّة والشّخصيّة كانت قد بلغت في سورية أرقى مرتبة عرفها العالم، فأثّرت البيئة الجديدة كثيراً على معاوية وجهّزته ببعد نظر سياسيّ رجّحه على منازعه. ومن هذه الحقيقة ندرك السّرّ في أنّ معاوية، لا عثمان، أسّس الدّولة الأمويّة الّتي طوّرت الدّولة في الإسلام تطويراً خطيراً.
سارت خلافة معاوية بالدّولة الإسلاميّة في طريق وسط بين الانتخاب وشرعيّة الخلافة، أي إنّها جعلت الانتخاب لمرشّحي العائلة. ومع أنّ الدّولة الأموّية قامت على القوّة وعصبيّة البيت فإنّها لم تمح مبدأ الانتخاب(93) بل حصرته وحدّدته فلم يعد انتخاب الخليفة يؤدّي إلى التّحزّبات وقيام العصبيّات بعضها على بعض، وهرتمن يقول(94) في تحويل الأمويّين الخلافة إلى ملكيّة وراثيّة إنّه كان حادثاً خطيراً لا يحسب شيئاً في جنبه أيّ حادث آخر في حياة الشّعوب الإسلاميّة الدّوليّة. ولا شكّ في أنّ هذه الدّولة السّوريّة النشأة أنقذت الامبراطوريّة الإسلاميّة من حالة الفوضى وتطاحن القوّات.
إنّ الفضل في إيجاد الاتّجاه السّياسيّ الدّنيويّ في الدّولة الإسلاميّة يعود آى الدّولة الإسلاميّة السّوريّة الأمويّة. ففي هذ الدّولة جرت المحاولة الفعليّة الوحيدة لشدّ روابط أطراف الامبراطوريّة بالمركز(95)، وهو ما لم تدرك الدّولة السّوريّة العبّاسيّة أهّميّته ولم تحاول التّطور نحو تحقيقه، حتّى إنّ سلطة الخليفة العباسيّ الفعليّة كثيراً ما كانت تقف عند حدود مدينة بغداد(96).
وإنّه لمن الثّابت أنّ الدّولة السّياسيّة في الإسلام كانت الدّولة السّوريّة الأمويّة. فلما انتقل الأمر إلى العبّاسيين عادت الوجهة الدّينيّة والعوامل الفقهيّة إلى السّيطرة. فقد لبس الخلفاء العبّاسيّون عباءة النّبيّ وأولوا الوجهة الدّينيّة معظم اهتمامهم(97) وكانوا لبُعد نشأتهم عن بيئة سياسيّة حقوقيّة مرتقية كالبيئة السّوريّة، ضعفاء في سياسة الدّولة وهذا هو السّبب في استفحال أمر البرامكة وغيرهم من العناصر الفارسيّة والتّركيّة، وعظم شأنهم في تسيير شؤون الدّولة. ولم يحاول العبّاسيّون اقتباس النّظرة السّوريّة إلى الحياة والمجتمع لأنّ الاتّجاه السّوريّ المدنيّ لم يكن يتّفق مع التّمسك الدّينيّ الّذي جعلوه محور حركتهم.
كان من طبيعة الدّولة الدّينيّة أن تدخل في معدوديّتها كلّ الدّاخلين في الإسلام وتساوي بينهم في الحقوق المدنيّة والسّياسيّة إلا فيما يختصّ بالخلافة فإنّها منصوص على إلا تكون إلا في قريش. وقد ساعد هذا المبدأ كثيراً على تماسك الجماعة الدّينيّة وتعضيد الدّولة. وعدّت الدّولة الإسلاميّة كلّ بلاد مفتتحة جزءاً من الامبراطوريّة الإسلاميّة. ولكنّ الامبراطوريّة الإسلاميّة كانت إسميّةً أكثر منها فعليّةً فقلّما كانت سلطة الخليفة أو رأس الدّولة تسري في كلّ أقطار الدّولة. نضرب مثلاً لذلك محاولة الخليفة عثمان وضع إدارة ماليّة مصر تحت ضابط الإدارة المركزّية، فقد أعلن عامله عمرو [بن العاص] أنّه لن يكون ممسكاً البقرة بقرونها بينما غيره يحلبها(98)، وكان خروج العبّاسيّين من بلاد العرب، لنقض الدّولة السّوريّة، الحدّ الّذي وقفت عنده محاولة هذه الدّولة المشار إليها فوق ليحلّ محلّها الاتجاه اللامركزيّ العبّاسيّ الّذي لم يتمكّن من مقاومة النّزعات الاستقلاليّة المستمدّة من عصبيات الشّعوب المتعدّدة. وابن خلدون يجعل الدّولة تقوم على العصبيّة الّتي يتمّ لها الغلب [الفصل الثالث من الكتاب الأول ص 165]. والحقيقة أنّ التّفكك نصيب كلّ دولة دينيّة، لأنّ كلّ دولة دينيّة تحمل في داخلها مبدأين لا يكن الجمع بينهما على استقرار في المجتمعات العمرانيّة الرّاقية هما الوظيفة الرّوحية والسّلطة الزّمنيّة. وهكذا تفككّت امبراطوريّة «أمير المؤمنين» أو الخليفة وزالت صورتها بعامل الفتح المغوليّ الّذي لم تكن لها قوة لدفعه، حتّى نشأت السّلطنة العثمانيّة الّتي حاولت أن تبعث فكرة الامبراطوريّة الإسلاميّة فتلقّب السّلطان بالخليفة. ولكنّ العوامل الطّبيعيّة والثّقافيّة كانت أقوى من السّلطة الدّينيّة الزّمنيّة وهو ما أدركه الأتراك بعد الحرب فتركوا فكرة الدّولة الدّينيّة وخلعوا السّلطان ونبذوا الخلافة وأنشأوا دولةً قوميّةً في شكل جمهوريّ.
ويحسن بنا قبل أن نختم الكلام على الدّولة الإسلاميّة أن نظهر أسسها الحقوقيّة. فقد ذكرنا أنّ المسلمين متساوون في الحقوق المدنيّة والسّياسيّة والشّخصيّة إلا في الخلافة فهي في قريش. وكلّ من اعتنق الإسلام عدّ مسلماً له كلّ حقوق المسلمين.
شرع الدّولة هو شرع الله المنزل على رسوله. فهو شرع واضح جامد (Rigid) ككلّ شرع دينيّ آخر، ولكنّ الاجتهاد أنقذ الموقف وكان مفيداً جداً في تطوير الشّرع والحقوق.
ولمّا كانت كلّ بلاد افتتحت تعدّ بلاداً إسلاميّةً وجزءاً من أرض الدّولة الإسلاميّة فقد أصبحت الحقوق فيها حقوق المسلمين فقط. فعلى غير المسلمين أن يؤدّوا الجزية عن يد «وهم صاغرون» ويكونوا في حماية الدّولة. ولكنّهم محرومون من الحقوق المدنيّة والسّياسيّة ولا يبقى لهم سوى الحقوق الخاصّة في الأحوال الاجتماعيّة والدّينيّة المتعلّقة بهم، فهم مسموح لهم أن يمارسوا عباداتهم ويعقدوا الزّواج حسب شرائعهم ويجوز أن يتزوّج مسلم غير مسلمة ولا يجوز العكس وبعد نشوء الدّولة القوميّة في البلدان الإسلاميّة أيضاً أصبح يجوز كما في تركيا مثلاً. وكان فقدان الحقوق المدنيّة والسّياسيّة من أهمّ الدّوافع الّتي جعلت شعوب البلدان المفتتحة تبادر إلى اعتناق الإسلام فلا تقع في حكم المخضعين.
ولسنّ القوانين في الدّولة الإسلاميّة ثلاثة مصادر:
أولاً: علم العلماء.
ثانياً: إجماع المسلمين.
ثالثاً: سلطة الخليفة(99). 
وأثر الإجماع ضعيف فهو لا يظهر إلا في وجوب أخذ العادة والعرف بعين الاعتبار عند الفصل في بعض المسائل الحقوقيّة. وبخروج الإجماع بقي الأمر للعلماء والخليفة فكان هذان الجانبان يتنازعان في أيّهما له الفصل في سنّ القوانين. فتارةً يرجّح الواحد وطوراً يرجّح الآخر. وفي كلّ حال كان لا بدّ لكلّ قانون جديد من فتوى.
بعد انقسام الامبراطوريّة إلى دول لم يعد لكلّ مسلم الحقّ في معدودية كلّ دولة إسلاميّة بل أصبح كلّ واحد يخصّ الدّولة الّتي تحدّد أرضها وشعبها ويدخل ضمن نطاق هذا التّحديد.

الدّولة الدّيمقراطيّة القوميّة
في النّزاع الطّويل بين السّلطة الباباويّة الزّمنيّة وسلطة الملوك، في الغرب، خرج الملوك ظافرين، لأنّ الكنيسة لم تستطع التّوفيق بين القوّة الرّوحيّة والسّلطة الزّمنيّة ووقعت في الانقسام. وفي النّزاع بين سلطة الإرادة الإلهيّة المغيّبة وسلطة الإرادة الآخذة في أن تصير الإرادة الشّعبيّة العامّة اضطرّ الدّين لأن يتنازل عن طلبه السّلطة الزّمنيّة ويترك ما لقيصر لقيصر وما للدّنيا للدّنيا ويحتفظ لنفسه بالإلهيّات والرّوحيّات. ومن هذه الجهة فقط يستطيع الدّين أن يحتفظ بزعمه أنّه وحدة عامّة، ومن هذه الجهة فقط يستطيع الدّين أن يبرّر وجود مؤسّساته.
مع نشوء المدن ونشاط التّجارة والاحتراف ونهضة الاختراعات، دخل التّمدّن في طور جديد زعزع مؤسّسات كثيرةً. فالتّجارة والاحتراف زعزعا النّظام الفرديّ والعائلة القائمة بأود نفسها والاتّجاه نحو المدن وحرّر الأرقّاء وأبطل الاعتماد على سيّد الأرض، واختراع البارود قضى على مكانة الفرسان النّبلاء الّذين رسم لهم سرونتس [M. Cervantes 1547-1616] صورةً هزليّةً جميلةً في بطله «دون كيخوط» [Don Quixote] واختراع الورق والطّباعة فتح الأعين والبصائر وأيقظ الشّعور. ومن هذه العوامل جميعها تكوّنت الطّبقة الوسطى وأخذت طبقة الملاكين والإقطاعيّين تضعف وقويت سلطة الملك.
إنّ استيقاظ الشّعور بالوحدة الحيويّة والمصلحة الواحدة والرّابطة الواحدة بالحياة في أشكالها وأسبابها واتّجاهها جعل الجماعة تدرك وجودها وجهّزها بوسائل التّعبير عن إرادتها فكان ذلك بدء نشوء القوميّة. فلم تعد العامّة تبعاً للأمير تخدم مصلحته وتحتمي في ظلّه، وهو سيّدها الأوحد وعلاقة الملك بأبناء الدّولة هي علاقته بالأمير فقط. كلّا. بل أصبحت العامّة لها رأي وإرادة. وهذه الإرادة شرعت تميل نحو الملك، لأنّ الملك كان يمثّل وحدة الدّولة ووحدة السّلطة ووحدة المصلحة ووحدة الشّعب. إنّ مصلحة الشّعب ومصلحة الملك كانتا، بطبيعتهما، ضدّ مصلحة الأرستوقراطيّة الإقطاعيّة الاستثماريّة المتسلّطة المستعبدة الّتي كانت حائلاً قويّاً دون ظهور الإرادة العامّة الآخذة في النّمو والشّعور بنفسها.
كانت الملكيّة في نزاع خفيّ وعلنيّ مع الإقطاعيّين على السّلطة. ففي كلّ اصطدام بين هاتين المؤسّستين كان الشّعب يقف في جانب الأولى، حتّى تغلّبت الملكيّة على الأقطاع وتفرّدت بالسّلطة. وفي هذا العهد الّذي كان فيه الدّين في فوضى، تصالحت الدّولة والدّين واستمدّ الملوك حقوقهم من الله، فهم على عروشهم بإرادته، حتّى قال لويس الرّابع عشر [1638-1715م] «أنا الدّولة». ولكن القوميّة لم تقف عند حدّ القضاء على سلطة الإقطاعيين وتوحيد المرجع في الملك، الّذي أخذ تفرّده في السّلطة يتعاظم حتّى أصبح شديد الوطأة، بل سارت نحو الهدف الّذي يبرّر وجودها وهو إقرار أنّ السّيادة مستمدّة من الشّعب وأنّ الشّعب لم يوجد للدّولة بل الدّولة للشّعب.
هذا هو المبدأ الدّيمقراطيّ الّذي تقوم عليه القوميّة. فالدّولة الدّيمقراطيّة هي دّولة قوميّة حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجيّة أو إرادة وهميّة، بل على إرادة عامّة ناتجة عن الشّعور بالاشتراك في حياة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة. الدّولة أصبحت تمثّل هذه الإرادة. فتمثيل الشّعب هو مبدأ ديمقراطيّ قوميّ لم تعرفه الدّول السّابقة. الدّولة الدّيمقراطيّة لم تمثّل التاريخ الماضي ولا التّقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر، بل مصلحة الشّعب ذي الحياة الواحدة الممثّلة في الإرادة العامّة، في الإجماع الفاعل، لا في الإجماع المطاوع. 
تحت هذا العامل الجديد، عامل القوميّة الظاهر في تولّد روح الجماعة والرأي العامّ، تغيّر معنى الدّولة من القّوة الحاكمة المستبدّة إلى سيادة المتّحد وحكمه نفسه. والوسيلة الّتي مكّنت المتحد من تحقيق هذا المبدإ الجديد هي التّمثيل السّياسي(100) الّذي مكّن من الفصل بين السّلطة الاشتراعيّة والسّلطة التّنفيذيّة وترجيح كفّة السّلطة التّشريعيّة، لأنّها تمثّل إرادة الشّعب تجاه الملك القابض على مقاليد الأمور وتجاه السّلطة التّنفيذيّة المستولية على وسائل القوّة.
كانت الطّريق إلى هذا الهدف طويلةً وعرةً. فقد تشبّث الملوك بالحقّ الإلهيّ والتّفرّد بالسّلطة. فانتقل النّزاع من كونه نزاعاً في الدّولة بين الملك والنّبلاء إلى كونه نزاعاً بين الملك والقّوة الجديدة الّتي أيّدته في نزاعه السّابق. ورويداً أخذت القوميّة المستيقظة تنتزع حقوقها من الملكيّة حتّى قضت عليها أوحطّتها إلى مجرّد ملكيّة دستوريّة مقيّدة. وصارت السّيادة الحقيقيّة في الشّعب وأصبحت الدّولة تمثيليّةً.
إنّ معدوديّة الدّولة مهّدت السّبيل لتوليد المتّحد القوميّ، ولكنّ القوميّة أوجدت صفةً جديدةً وحقوقاً جديدةً لم تكن للمعدوديّة القديمة. إنّها شيء لا سلطة للدّولة عليه، فهي لا تمنح من قبل الدّولة لمقاطعات بعيدة وشعوب عديدة كما كانت تمنح المعدوديّة في رومة لعهد القياصرة، بل هي حقّ من حقوق كلّ فرد من أفراد الأمّة بالولادة.
والدّولة القوميّة تتميّز بأنّها لم تعد دولةً تجبل الأقوام جبلاً في مساحة الأرض الّتي تبسط ظلّها عليها، لأنّها أصبحت تصطدم بإرادة متّحدها هي قوميّتها، وإرادة القوميّات الأخرى. فإذا اتّسع نطاق الدّولة حتّى جاوز نطاق الأمّة أصبحت الدّولة امبراطوريّةً أو استعماريّةً كما هي الدّول الأولى الآن.
عند هذا الحدّ نقف في استعراضنا نشوء الدّولة وتطوّرها لننتقل إلى درس الأمّة والقوميّة لنعرف حقيقة هذا المتحد الاجتماعيّ وأهميّته الّتي أصبحت دين البشريّة في العصور الحديثة وغطّت شخصيّتها القويّة الفعّالة على شخصيّة الدّولة.
كانت الدولة قبل نشوء القوميّة إرادة خصوصيّةً تفرض نفسها على المجموع الّذي تشمله، أمّا بعد نموّ القوميّة فقد أصبحت النّظام الهيئة الممثّلين لإرادة الأمّة. وهكذا نرى، مع نموّ الدّولة ونموّ أعضائها في الفهم الاجتماعيّ، في الشّعور بحاجاتهم الخاصّة وإمكانيّات الحصول عليها بواسطة النّظام السّياسيّ تأخذ قوّة الدّولة في الاستقرار شيئاً فشيئاً على خدمتها هذا الهدف. فالدّولة وحكومتها ليستا مظهرين اجتماعيّين نهائيّين، بل تقومان على ما هو أعمق منهما، على حياة المتّحد وإرادته(101).

هوامش الفصل السادس

(1) غيغر، ABS، ص 293.
(2) فيركنط، AVv ص 1.
(3) ماير، المقدمة ص 11.
(4) غيغر، ص 295 وما يليها. ووسمن، ص 320.
(5) وسمن، ص 330.
(6) غيغر، ص 295
(7) وسمن، ص 332.
(8) مكيور، Modern State ، ص 16. نلفت نظر القارىء إلى صعوبة ترجمة لفظة Law التي تشمل المعنيين: الحقوق والقانون.
(9) كولر، AR ج.1. ص 5.
(10) المصدر نفسه، ص 6.
(11) المصدر نفسه، ص 6.
(12) المصدر نفسه، ص 7.
(13) المصدر نفسه، ص 19. وماير، المقدمة.
(14) المصدر نفسه، وهذا القول أقوى مما ذهب إليه إدوار ماير (ج 1 ق 2 ف 337) من أن الشعوب السامية كانت دائماً أبوية الحقوق. فقد أثبت كولر حدوث انتقال من حالة الأمومية إلى حالة الأبوية في عشائر متجاورة ولكن لم يتحقق قط حدوث العكس. وماير نفسه يثبت في مكان آخر (ف 338) أنه حيث التجأ في البادية رجل إلى قبيلة غير قبيلته وتزوج منها ورزق ولداً فهم لقبيلة الأم لا لقبيلة الأب وفي القول المأثور «الولد للفراش» معنى كبير من حقوق = =الأم. وفي التقاليد العربية دليل على الانتقال من حالة الأمومية إلى حالة الأبوية وهو ما وقف عليه روبرتسن سمت ونقله جنكس ص 51، 52.
(15) كولر، ص 9.
(16) ماير ج.1. ق 2 ف 337 و338. وكولر، ص 82.
(17) كولر ص 22، ص 89.
(18) ماير، ج 3 ف 379 ص 682.
(19)HH ج 5 ص 323 وما يلي.
(20) الأغاني ج: 17: ص 116 ج15 ص 73، 75 ــــ ج 16 ص 32 و53 ــــ 54.
(21) المصدر نفسه، ج 16 ص 56.
(22) كولر، ص 37.
(23) المصدر نفسه، ص 98 ، فيركنط، ص 12.
(24) فيركنط، ص 2. وقد تصرفنا في عبارته الأصلية القائلة: «قوة فيزيائية يستخدمها المجموع للإخضاع، أو على الأقل، للتهديد بها» لأننا لا نجد الدولة دائماً آلة في يد المجموع، كما سنرى، بل كثيراً ما نجد العكس.
(25) كولر، ص 33.
(26) فركنط، ص 2.
(27) المصدر نفسه، ص 2
(28) كولر، ص 34.
(29) فيركنط، ص 4.
(30) المصدر نفسه، ص 5.
(31) المصدر نفسه، ص 5.
(32) المصدر نفسه، ص 5.
(33) المصدر نفسه، ص 5.
(34) ونغر، AVV، ص 18.
(35) فيركنط، ص 7.
(36) كولر ص 35.
(37) كولر ص 1 ــــ 15. فيركنط، بحثه.
(38) فيركنط، ص 9.
(39) المصدر نفسه، ص 9.
(40) المصدر نفسه، ص 13. وكولر، ص 18.
(41) ماير، ج. 1، ف 192.
(42) المصدر نفسه، ف 199. وكولر ص 66.
(43) ماير، ص 199.
(44) كولر ص 51.
(45) كولر، ص 52.
(46) المصدر نفسه، ص52.
(47) ونغر،AVV، ص 21.
(48) المصدر نفسه، ص 20.
(49) مكيور، Modern State ، ص 14.
(50) كولر، ص 57.
(51) مكيور، Modern State، ص 25.
(52) ماير ج.1. ق 2 ف 360.
(53) ونغر، AVV، ص 25.
(54) المصدر نفسه، ص 26.
(55) مكيور، Modern State ص 59.
(56) كولر، ص 62. وونغر، ص 28.
(57) ونغر، AVV، ص 29.
(58) المصدر نفسه، ص 27.
(59) المصدر نفسه، ص 29.
(60) ظهر الأموريون، في النصف الأول من الألف الثالث ق.م، هجرة اتجهت نحو سورية الغربية وتوطنت لبنان وأنشأت فيه دولة خاصة. وقد نزح قسم من الأموريين بعد إقامتهم في سورية إلى شرقها، انظر ماير، ج.1. ق 2 ف 396. وكانت لغتهم قريبة جداً من الكنعانية (الفينيقيّة).
(61) بريستد، ص 216 ــــ 219، وماير، ج 2 . ق 2، ف 468.
(62) المستد، المقدمة.
(63) المصدر نفسه، ص 76.
(64) ماير ج 2 ق.1 ف 356.
(65) مكيور، Modern State ، ص 58.
(66) ونغر، AVV، ص 45.
(67) المصدر نفسه، ص 45.
(68) ماير، ج 3 ف 383.
(69) ونغر، AVV، ص 45.
(1) ماير، ج 3، ف 382.
(71) ماير، ج 3، ف 383.
(72) المصدر نفسه، ف 382.
(73) المصدر نفسه، ج3، ف 384.

(74) المصدر نفسه، ج3، ف 381، الحاشية. نقلاً عن ديودروس.
(75) المصدر نفسه، ج 3، ف 381 الحاشية.
(76) إنّ فن التخطيط الحربي وتحريك الجيوش في المعارك ارتقى إلى مرتبته العصرية على يد هاني بعل فهو واضع قواعد الحرب الحديثة ومبتكر حركة الالتفاف وإن أركان الحرب الألمان قد اتبعوا في الحرب الكبرى خطة هاني بعل في معركة كني كما صرّح بذلك فن فرتش (انظر أيضاً جوان ريبيرو).
(77) ماير، ج3، ف 382.
(78) هو الإصلاح الذي وضع قواعده طيباريوس غراقس في أصيل المئة الثانية ق.م : HH ج5 ص 279 و302. ومكيور، Modern State ، ص 95.
(79) مكيور، Modern State، ص 109 وما يليها.
(80) ماير، ج 2، ف 450. وكولر، ص 57 وما يليها.
(81) مكيور، Modern State، ص 103.
(82) ونغر،، AR ص 154.
(83) المصدر نفسه، ص 156.
(84) المصدر نفسه، ص 157
(85) المصدر نفسه، ص 157.
(86) المصدر نفسه، ص 156 و193.
(87) المصدر نفسه، ص 179.
(88) مكيور، Modern State ، ص 108.
(89) المصدر نفسه، ص 116.
(90) المصدر نفسه، 117.
(91) المصدر نفسه، ص 119، ولوشين فن أيبنقرويط ص 256 ــــ 257.
(92) ابن خلدون، المقدمة. [بيروت، دار الجيل. ص 166 ــــ 167] الفصل السابع والعشرون.
(93) هرتمن، AVV، ص 38.
(94) المصدر نفسه، ص 59.
(95) المصدر نفسه، ص 51 و52.
(96) المصدر نفسه، ص 52.
(97) كولر، ص 58.
(98) هرتمن، ص 53.
(99) المصدر نفسه، ص 56.
(100) جنكس ص 183.
(101) انظر مكيور، Community ص 33 .


 

الفصل السّابع - الإثم الكنعانيّ

 


تحديد المتّحد(1)
إذا كانت الدّولة مظهراً سياسيّاً من مظاهر الاجتماع البشريّ فالأمّة واقع اجتماعيّ بحت. ودرس الأمم ونشوئها هو درس اجتماعيّ، لا درس سياسيّ، وإن كان لا غنى للعلم السّياسيّ عن درس الأمّة والقوميّة لأهميتهما في النّظريّات السّياسيّة وفعلهما في تغيير مجرى الشّؤون السّياسيّة وإصلاح المعتقدت والمبادىء السّياسيّة، كما مرّ في الفصل السّابق.
وإذا كانت الأمّة واقعاً اجتماعيّاً، وإنّها لكذلك، فما تحديد هذا الواقع الاجتماعيّ وما أسبابه وخصائصه ومميّزاته؟ وما هي روحيّته أو عصبيّته، الّتي نسميّها القوميّة(2) وكيف نفهمه؟
قد رأينا في "بحثنا الاجتماع البشريّ"، في الفصل الرّابع من هذا الكتاب، أنّ الحياة البشريّة، ككلّ حياة أخرى، تجري وفاقاً لناموس عامّ هو ناموس العلاقة البيولوجيّة المثلّثة الأضلاع: الجسم ــــ النّفس (الدّماغ) ــــ المحيط فهل يعني ذلك أنّ اشتراك الكائنات الحيّة في هذا النّاموس العامّ يمكن أن يولّد اجتماعاً عامّاً بين الإنسان والحيوان وأن يكوّن متّحدات عامّةً أو مشتركةً بين أنواع الحيوان والإنسان؟ وهل، إذا وجدنا في عالم الحيوان أنواعاً اجتماعيّةً تجمهريّة قائمةً على أساس هذا النّاموس المشترك، كالنّمل والنّحل والذّئاب وغيرها، يصحّ أن نبحث في إنشاء متّحدات من هذه الأنواع والإنسان بناءً على إضافة ناموس آخر مشترك هو ناموس الاجتماع؟ وإذ كان الجواب على كلّ هذه الأسئلة نفياً فما هو السّبب المنطقيّ، الّذي نحتاج إليه دائماً في إقناع عقولنا المنطقيّة؟
السّبب هو أنّ النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة، لا أن الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع. وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسةً وهميّةً تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة.
إنّ القياس كان ولا يزال مصيبةً كبيرةً في الأبحاث العلميّة الاجتماعيّة، خصوصاً في الأبحاث الّتي لا تجرّد علم الاجتماع من النّظريّات الفلسفيّة، من الفلسفة الاجتماعيّة، وهو الالتجاء إلى القياس ما أوجد شيئاً كثيراً من الخلط في المسائل الاجتماعيّة عموماً ومسألة الأمّة والقوميّة خصوصاً. فالكلام السّياسيّ عن الأمّة، مثلاً، أنّها مجموع ذو إرادة واحدة، قد قاد إلى جعل الإرادة غرضاً معيّناً من أغراض الحياة الاجتماعيّة، أو تمثّلها بصورة الإردة الفرديّة كما في القول: أريد السّفر إلى أميركة أو أريد أن أشرب. والحقيقة أنّ الإرادة الاجتماعيّة ليست في هذه البساطة، فلا تكفي إرادة عدد من النّاس، من مجتمع واحد أو من مجتمعات متعدّدة، السّفر إلى أميركة لإنشاء متّحد. بل إنّ الاشتراك الفعليّ في تنفيذ هذه الإرادة لا يولّد متّحداً. إنّ ركّاب السّفينة لا يشكّلون متّحداً، لأنّهم يشتركون في مصلحة واحدة هي السّفر وإرادة واحدة هي الانتقال، فإن لم يكونوا متّحداً من قبل فهم ليسوا متّحداً.
ولقد أشرنا في غير موضع من هذا الكتاب إلى أنّ الاجتماع البشريّ ليس اجتماعاً مطلقاً أو اختياريّاً مطلقاً. فإذا كان الاجتماع صفةً عامّةً في الإنسانيّة فهذا لا يعني أنّ الإنسانيّة مجتمع واحد يسري فيه الاجتماع بمجرّد الإنسانيّة. فالسّوريّ المسافر إلى أميركة ليس كالمنتقل من دمشق إلى بيروت أو القدس، من وجهة الاتّحاد الاجتماعيّ ويعظم التّباين في انتقاله إلى الصّحراء مثلاً. وقد نجد في بعض الدّروس العلميّة الاجتماعيّة أوضاعاً تصنيفيّةً عامّةً كالاصطلاح على نعت مرتبة الرّابطة الاجتماعية الاقتصاديّة بمرتبة أو مظهر العلاقة الاختياريّة(3) بالنّسبة إلى العلاقة الدّمويّة الأوّليّة. فمثل هذا الاصطلاح قد يحمل على تصوّر اختيار استبداديّ أو اختيار مطلق والواقع غير ذلك. لا يختار الإنسان المجتمع الّذي يعيش فيه أكثر ممّا يختار والديه، ولكنّه قد يخيّر أمّه على أبيه أو العكس، ليس المجتمع Contrat Social [تعاقد اجتماعي] أساسه الفرد. وفي المجتمع يختار المرء من ينشىء علاقات معهم اختياراً لا يخلو من تقيّد ولا نريد أن نبني هنا فلسفةً اجتماعيّةً كالفلسفة الّتي يقول بها تكاتا اليابانيّ أو شمالنبخ الألماني(4) اللّذان يذهبان إلى أنّ رابطة الاجتماع في المستقبل ستكون رابطة الميل أو العاطفة. فذلك طور لا نعرف متى يكون، على افتراض أنّه كائن لا محالة، ولا كيف يكون.
إذا كانت البشريّة ليست مجتمعاً أو متّحداً فما هي إذاً؟ هي مجتمعات ومتّحدات. ولماذا هي كذلك؟ ولنوضح أكثر ونسأل: ما هي العوامل والأسباب الّتي تولّد المجتمعات وتكوّن المتّحدات؟
إنّ الجواب على بعض هذا السّؤال قد أعطي في «المجتمع وتطوّره»، ففي هذا البحث تكّلمنا عن الرّوابط الاجتماعيّة الاقتصاديّة الفاعلة في تطوير المجتمع عموماً، أي كلّ مجتمع تتناوله هذه الرّوابط نفسها. ولكنّ المجتمع عموماً ليس المتّحد الخاصّ المعيّن. فكيف نعيّن المتّحد بالنّسبة إلى ما نسميّه أحياناً المجتمع الإنسانيّ إلى الإنسانيّة؟
هل مجرّد انتشار ثقافة ماديّة وروحيّة واحدة بين عدد من الجماعات البشريّة يولّد من هذه الجماعات متّحداً رابطته الثّقافة؟ إذا كان الجواب نفياً ولم تكن الثّقافة الواحدة أساساً للمتّحد فما هي عوامل المتّحد وروابطه؟
إنّ الثّقافة العامّة تفرّق بين أنواع المتّحدات، لا بين المتّحدات، فهي أولّ شاطر بين الجماعات الأوليّة والفطريّة الجاهليّة وبين المجتمعات العمرانيّة الرّاقية، ولكنّ الثّقافة ليست من الصّفات الطّبيعيّة الشّخصيّة الّتي لا تنتقل وسنعود إلى درسها فيما يلي. أمّا الآن فنريد أن نضع قاعدةً عامّةً للمتّحد ندرسه عليها.
أريد أن أجاري هنا مكيور في إيضاحه المتّحد أنّه كلّ مساحة تشتمل على حياة مشتركة وتكون متميّزةً عن المساحات الأخرى تميّزاً لا تصحّ بدونه تسمية المتّحد(5). فالقرية متّحد، والمدينة متّحد، والمنطقة متّحد، والقطر متّحد، ولكلّ متّحد خصائص تميّزه عمّا سواه ممّا هو أصغر منه أو أوسع منه، أقلّ منه أو أكثر منه. فإذا سلّمنا بالافتراض أنّ المرّيخ مأهول وأنّ فيه نوعاً من البشر يحيون في جوّه وأرضه حياةً توافق ذلك الجوّ وتلك الأرض، صحّ أن يكون النّاس على هذه الدّنيا متّحداً مشتركاً، على ما فيه من متناقضات، في خصائص تميّزه عن متّحد سكّان المرّيخ، الّذين، على ما قد يكون لهم من فوارق متناقضة، لا بدّ أن يشتركوا في خصائص حياتهم العامّة المميّزة لهم عن سكان كلّ سيّار آخر، الموجدة لهم إمكانيّات تفاعل داخليّ تحدّد مجموعهم بالنّسبة لمجموع هذه الدّنيا ويكون أساس هذه الإمكانيّات خصائص النّوع، ويكون معنى هذا المتّحد منتهى التّوسّع في استعمال هذه اللّفظة الّتي تفيد التّجانس والتّلاحم والّتي أريد بعد الآن أنّ أقتصر فيها على الواقع الاجتماعيّ، على الجماعة المشتركة في حياة واحدة تكسبها صفات مشتركةً بارزةً وتسبغ عليها ما يمكننا أن نسمّيه شخصيّةً ووحدةً خاصّةً بالنّسبة إلى الوحدة الإنسانيّة العامّة. فإنّ شرط المتّحد ليس أن يكون مجموعاً عدديّاً من ناس مشتركين في صفات النّوع الإنسانيّ العامّة فحسب، بل مجموعاً متّحداً في الحياة متشابهاً أفراده في العقول والأجسام تشابهاً جوهريّاً. ولا نقصد بهذا التّشابه شيئاً سلاليّاً بحتاً ولكنّنا نقصد ما عناه بواس في الإجابة العضويّة على محرّضات البيئة الّتي تحدّد المتّحد. ومن إيضاح بواس نعلم أنّ التّشابه العقليّ والفيزيائيّ نتيجة، لا سبب. فهو ناتج عن الاشتراك في الحياة الواحدة فالنّقاد الخبير يقدر أن يميّز بين الدّمشقيّ والبغداديّ والبيروتيّ أو بين الجبليّ والسهليّ من بعض الصّفات الّتي يتحلّى بها كلّ من هؤلاء وتنطبع فيهم بعامل متّحد كلّ منهم. كذلك يمكنك حإلا أن ترى الفوارق المميّزة بين السّوريّ والمصريّ وتدرك في مقابلتهما أن الواحد منهما ينتمي إلى غير متّحد الآخر. فمتّحد المدينة والمنطقة واقع اجتماعيّ وكذلك متّحد القطر.
إنّ الاشتراك في الحياة يوّلد اشتراكاً في العقليّة والصّفات كالعادات والتّقاليد واللّهجات والأزياء وما شاكل. وعدم الاشتراك في الحياة يوهي أشدّ الرّوابط متانةً كالرّابطة الدّمويّة وهو ما تنّبه له وذكره ابن خلدون في مقدّمته [ص 142] ومنه القول: «النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ»، أي إنّ النّسب متى صار من باب العلم وفقد الاشتراك في الحياة الواحدة أصبح لا تنفع معرفته ولا يضرّ نسيانه أو جهله.
الاشتراك في الحياة هو ما يعمى عنه عدد وافر من الكتّاب والدّارسين حين يتكلّمون عن المتّحد أنّه جماعة لها صفات مشتركة من عادات وتقاليد ولهجات، حتّى إنّهم يجعلون هذه الصّفات الأساس الّذي يقوم عليه المتّحد، فيأخذون عدداً من الصّفات العامة المشتركة ويحاولون أن يجعلوا من الّذين تنطبق عليهم هذه الصّفات متّحداً واحداً لا يتقيّد بمساحة ولا تربطه بيئة. وهم في فعلهم هذا ينسون أو يجهلون أنّ هنالك صفات عامّةً تسري على جميع البشر من غير أن تجعل منهم متّحداً. فالمتحد هو دائماً أمر واقع اجتماعيّ. وأنّ من الصّفات ما قد يميّز جماعات من النّاس عنّ جماعات أخرى من غير أن يعني ذلك وجود متّحد منها. فإنّ الصّفات تتبع المتّحد لا المتحد الصّفات.
لنتوسّع في درس هذا الموضوع ولننظر في التّخبّط الّذي يجرّنا إليه حسبان صفات مشتركة أساساً للمتّحد. إذا سلّمنا بهذه النّظريّة، سلّمنا بأنّ الصّفات من عادات وتقاليد ومناقب هي صفات ثابتة لا تتغيّر ولا تتحوّل ولا تنتقل ولا تكتسب، بحيث يتحتّم على المشتركين في مجموعة معيّنة منها أن يكوّنوا متّحداً خاصاً محدّداً بهذه الصّفات كلّ التّحديد أو يمتنع عليهم الدّخول في متّحد تسري عليه صفات تتميّز عن صفاتهم ويكون الاختلاف في الصّفات بمثابة اختلاف طبيعيّ وراثيّ. وهذا يعني إلا يؤمّل السوريون والإنكليز والطليان والألمان إنشاء متّحد في نيويورك أو في الولايات المتّحدة عامةً، أو الدّخول في المتّحد الأميركانيّ، لأنهم أقوام لكلّ منها صفات خاصّة تميّزه عن القوم الآخر، أو تختلف عن الصّفات السّارية على محيط المتّحد الأميركانيّ، ولكنّنا كلّنا نعلم أنّ السّوريّ الّذي يهاجر إلى أميركة لا يلبث، إذا أقام، أن تتبدّل صفاته الخاصّة ويكتسب صفات المتّحد الأميركانيّ الخاصّة. فكيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين؟ أليس في هذا الواقع برهان مفحم على أنّ الصّفات ليست أساس المتّحد وأنّ أساس المتّحد والصّفات هو الاشتراك في الحياة الواحدة؟ بلى. فحيثما اجتمع جمهور كبير من السّوريّين في أميركة وقلّ اختلاطهم مع الأميركان وظلّوا محافظين على اشتراكهم في حياتهم، في متّحدهم، فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة ولكنّهم يظلّون متّحداً متميّزاً عن الأميركان بنسبة إقلالهم من الاشتراك في الحياة الأميركانيّة وعكفهم على حياتهم السّوريّة. وكلّما قلّ تعاشرهم فيما بينهم وازداد اشتراكهم في الحياة الأميركانيّة ازداد تخلّقهم بأخلاق الأميركان واكتسابهم صفاتهم. وإذا كانت أميركة بعيدةً على القارىء في سورية فلنأخذ مصر مثلاً. ألسنا نرى اشتراك السّوريّين المقيمين في مصر في الحياة المصريّة يكسبهم، تدريجاً، صفات مصريّةً فيعود واحدهم إلى سورية يخاطبك بلهجة «ازيّك» بدلاً من «كيف حالك» و«خبر إيه؟» بدلاً من «شو صار» إلخ. أو ليس عدم حصول هذه الصّفات لهم إلا بعد إقامتهم في مصر دليل على أنّ صفات المتّحد قائمة على أساس الاشتراك في الحياة، لا أنّ الاشتراك في الحياة قائم على أساس الصّفات؟
لنأخذ متّحداً صغيراً يمكننا أن نراقبه في جزئياته أكثر من المتّحد الكبير كالشّوير، مثلاً، أو صوفر أو مشغرة أو بلودان أو معلولا أو بيروت أو دمشق أو نابلس أو بغداد. إذا أخذنا الشّوير مثلاً وجدنا أنّ للشّويريّين لهجةً خاصّةً في النّطق، واشتراكاً في صفات نفسيّة أو خلقيّة خاصّة كاشتهارهم بالصّلابة والعناد، وعادات ومظاهر خاصّة في نوع معيشتهم والحرف الّتي يحترفونها، ناتجة عن اختباراتهم الخاصّة. ولا بدّ لمن هو غير شويريّ من ملاحظة بعض مظاهر خاصّة من حياة الشّويريّين اليوميّة. ومع أنّ عادات ومظاهر أهل بكفيّا تقرب كثيراً من عادات ومظاهر أهل الشّوير فإنّ لكلّ واحدة من هاتين البلدتين بعض الصّفات الخاصّة الّتي لا بدّ أن يظهر أثرها وفرقها في المعاشرة لتدلّ على أنّ ابن الشّوير وابن بكفيّا من متّحدين لا من متّحد واحد. فهل يعني ذلك أنّهما من متّحدين، لأنّهما متميّزان الواحد عن الآخر، أو أنّهما متميّزان، لأنّهما من متّحدين اثنين؟ ولا شكّ أنّ الوجه الثّاني هو الصّواب في بحثنا عن السّبب في حين أنّ الوجه الأوّل صواب في الاستدلال، لأنّنا نرى الشوّيريّ والبكفيــيّ يفقدان خصائصهما المميّزة إذا تركا متّحديهما وسكنا بيروت، مثلاً، مدةً طويلةً تسمح للبيئة الاجتماعيّة بالتّأثير عليهما أو إذا جيء بهما إلى بيروت طفلين وربيا فيها. وليس من ينكر الفوارق بين متّحدي بيروت ودمشق، مثلاً، فلهجة البيروتيّ ومظهره الخارجيّ ونوع حياته، من الوجهة الخاصّة، وبعض اتّجاهاته النّفسيّة، كلّ هذه تميّزه عن الدّمشقيّ. ولكنّ جميع هذه المتّحدات الصّغيرة وألوفاً مثلها تؤلّف متّحداً واحداً هو المتّحد القوميّ أو متّحد الأمّة أو متّحد القطر، أسماء لمسمًى واحد. وهي في مجموعها تشكّل وحدةً يعمّ في أفرادها التّجانس العقليّ والتّجانس في الهيئة والمظهر، التّجانس الّذي هو أكثر وأقوى من الفوارق الجزئيّة. وشرط كلّ متّحد يصحّ أن نسمّيه متّحداً أن يكون تجانسه أقوى وأكثر من تباينه.
عند هذا الحدّ يمكننا أن نعيّن المتّحد بالنّسبة إلى صفاته بأنّه اتّحاد مجموع من النّاس في حياة واحدة على مساحة محدودة يكتسب من بيئته ومن حياته المشتركة الخاصّة صفات خاصّةً به إلى جانب الصّفات العامّة المشتركة بينه وبين المحيط الّذي هو أوسع منه، بينه وبين جميع البشر، وبينه وبين المتّحدات الأخرى. أمّا تحديد المتّحد بأنّه صفات مشتركة تشتمل على عدد من النّاس بصرف النّظر عن حدود المساحة والاشتراك في الحياة، فمن الأخطاء الّتي أدّت إلى كثير من البلبلة والهذر.
لنترك هنا تحليل المتّحد من حيث صفاته ولنأخذ في تحليله من وجهة أعمق من وجهة الصّفات: من وجهة العلاقات، من وجهة الأغراض والمصالح والإرادة. فممّا لا شكّ فيه أنّ وضع عدد من المشدوهين أو المجانين في بقعة محدّدة من الأرض لا يكوّن متّحداً اجتماعيّاً، كما أنّ اجتماع عدد من المسافرين على باخرة أو في عربة قطار لا يكوّن متّحداً. ولقد تكلمنا عن الإرادة والمسافرين في بداءة هذا الفصل ونزيد هنا أنّه إذا كانت الإرادة خاصّةً ملازمةً لكلّ متّحد فلا يحسن أن نتجاهل الواقع فنظنّ أنّ التّوافق في إرادة معيّنة أو إرادات معيّنة يكفي لإيجاد المتّحد. فإذا تكلّم العلماء عن عوامل الاجتماع ووصفوها بأنّها قوى أو توافق المصلحة والإرادة فيجب إلا يبادر إلى تكوين اعتقادات سطحيّة بشأن المصلحة والإرادة بحيث تستعمل المصلحة بالمعنى التّجاريّ البحت وتستعمل الإرادة بالمعنى الفرديّ أو الاستبدادي. فلا يتصوّرنّ أحد أنّ تأليف شركة تجاريّة من سوريّين وإنكليز لاستثمار بعض أسواق الصّين أو البرازيل يؤلّف متّحداً اجتماعيّاً من أفراد الشّركة بناءً على تعريف الشّركة بأنّها هيئة تجمع المصلحة والإرادة، والمصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع أو المتحد. ومن تصوّر شيئاً من ذلك فقد اختلط عليه ما هو شأن المتّحد وما هو شأن الجمعيّة أو الشّركة.
نتكلّم عن المصلحة والإرادة متابعةً للاصطلاح العامّ، ولأنّ المصلحة والإرادة أوفى بالتّعبير وأوضح. فالحبّ الجنسيّ، مثلاً، هو أشدّ من مصلحة، هو حاجة بيولوجيّة، والجوع كذلك حاجة بيولوجيّة ولكنّ سدّ الجوع مصلحة ترتقي أو تنحطّ، وإرواء الحبّ مصلحة ترتقي إلى أعلى مراتب النّفسيّة وتنخفض إلى أدنى مراتب الحيوانيّة ــــ البيولوجيّة، والتّوسّع في معنى المصلحة يشمل كلّ ما تنطوي عليه النّفس الإنسانيّة في علاقاتها. وبهذا المعنى نتكلّم عن المصلحة الاجتماعيّة. وإذا كانت المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فواحدها سلبيّ وهو المصلحة والآخر إيجابي وهو الإرادة، فالمصلحة هي الّتي تقرّر العلاقات جميعها والإرادة هي الّتي تحقّقها. وبديهيّ أنّه لا إرادة حيث لا مصلحة، فحين يجوع الإنسان يريد أن يأكل وحين يعطش يريد أن يشرب وحين يشتاق يريد أن يحبّ. فالمصلحة هي طلب حصول ارتياح النفس. وتحقيق ارتياح النّفس هو غرض الإرادة. وهكذا نرى أنّ المصلحة غير المنفعة أو الفائدة، وليست هي دائماً وليدة الشّعور بالحاجة ولا هي والحاجة شيئاً واحداً. إنّنا نعني بالمصلحة في هذا البحث كلّ ما يولّد أو يسبّب عملاً اجتماعيّا وبناءً على هذا التّعريف يمكننا أن نقول إنّ رابطة المتّحد هي رابطه المصلحة، فالمصلحة وراء كلّ متّحد. وكلّما نمت الحياة وازدادت ازدادت المصالح الّتي تولّد الاجتماع وقلّت المصالح المفرّقة.
كما أدّى استعمال الأمثال في الكلام على المجتمع إلى شيء كثير من الهذر، كذلك أدّى الكلام غير المنقود إلى إساءة فهم وإساءة استعمال المقصود من المصلحة والإرادة. وتجنّباً للوقوع في فوضى الاصطلاحات الّتي عمّمتها لغة الجرائد في قطرنا تعميماً فاضحاً يجعل كلّ دراسة جدّية لوضع الأشياء في مواضعها عملاً شاقاً، رأيت أن أعرض هنا للمحة من المصالح الاجتماعيّة الّتي يمكننا أن نسميها مصالح المتّحد، أو مصالح لها خصائص ربط النّاس في متّحد.
إنّ المصالح، مبدئياً، صنفان يجب إلا يصير بينهما خلط وتداخل كما يحدث عادةً في تعميم المصطلحات الفنيّة. فهنالك المصالح المتشابهة أو الشّكليّة التي هي لكلّ فرد مثلما هي لكلّ فرد آخر، كتحصيل المعاش أو ربح الصّيت أو جمع الثّروة، أو أيّ مصلحة أخرى شخصيّة خاصّة. فهذه المصالح هي شكليّة أو متشابهة ولكنّها لا تقتضي اتّحاد من يريدونها أو إيجاد علاقة اجتماعيّة ثابتة فيما بينهم. وهنالك المصلحة العامّة أو المشتركة الّتي يجمع عدد من النّاس على الاشتراك في تحقيقها لأنّها تشمل الكلّ، كمصلحة خير القرية أو المدينة أو القطر. ومهما كان الباعث على العمل لهذه المصلحة، فالمصلحة نفسها تظلّ مصلحة الجميع لأنّها تشملهم، أي إنّه قد يكون حبّ المجد هو الموحي أو الدافع لبعض الأشخاص على العمل للمصلحة العامّة، فتكون المصلحة في هذا المثل مركّبةً بالنّسبة إلى الشّخص، ولكنّها بالنّسبة إلى العموم عامّة بسيطة، وهنا نضطرّ إلى التّمييز بين المصلحة العامّة الأوّليّة بالنّسبة إلى الكلّ وبين المصلحة العامّة الثّانويّة بالنّسبة إلى الشّخص الّذي يتّخذ من المصلحة العامّة وسيلةً لمصلحة شكليّة شخصيّة هي المصلحة الأوليّة له. فالأساس الاجتماعيّ للمصلحتين واحد هو خير المجتمع وهو وحده يوجد علاقة المصلحة الاجتماعيّة الثّابتة. ومهما يكن من الأمر في هذه المسألة فمصلحة المتّحد تظلّ قائمةً لأنّها دائمة وهي تختلف عن مصلحة قريبة منها هي مصلحة الشّركة، فهذه المصلحة تقوم على أساس المصلحة الشّخصيّة البحت، وكلّ اعتباراتها العامّة مقرّرة بالمصلحة الشّكليّة لكلّ شخص فهي خصوصيّة قبل كلّ شيء، لأنّ غرضها خصوصيّ، معيّن ومحدّد. فإذا رجعنا إلى مثل الشّركة السّوريّة ــــ الإنكليزيّة المتاجرة بصنف معيّن وجدنا أنّه متى وجدت شركة من هذا النّوع نفسها تجاه حالة لا تسمح بالإثراء الّذي هو غرضها، لم يبق للشّركاء أيّة مصلحة أخرى يجب اعتبارها، والشّركة تزول بزوال غرضها. الشّركة وسيلة مصالح خصوصيّة متماثلة. أمّا المتّحد فهو مجمع الحياة الاجتماعيّة. هو مقرّ الأحياء المتّحدين في الحياة بكلّ مصالحها. الشّركة أو الجمعيّة هي شيء جزئيّ أمّا المتّحد فشيء شامل كامل فيه تقوم جمعيّات من كلّ نوع وتزول وهو مرجعها. هو أكبر وأوسع من أيّة جمعيّة ومصلحة عموميّة وبعضها ثابت لا يزول إلا بزوال الحياة، باندثار المتّحد كما بنكبة من النّكبات.
يجب إلا يفهم من هذا الإيضاح أيّ تناقض بين ما نقوله هنا وبين ما قلناه في الفصل الخامس من أنّ رابطة الاجتماع الأساسيّة هي الرّابطة الاقتصاديّة. فيجب أن لا نتصوّر الرّابطة الاقتصاديّة عبارةً عن عمليّة اقتصاديّة أو غرض من أغراض الرّبح الاقتصاديّ، بل مصلحة تأمين حياة الجماعة وارتقائها. ولذلك يمكننا أن نعدّ المصالح المتشابهة الجوهريّة من أهمّ المصالح الاجتماعيّة. فتأمين سدّ حاجة الجوع والبرد يسهل جداً في الاجتماع، وكلّ مجتمع لا يؤمّن سدّ هذه الحاجات لا يمكنه أن يثبت، ولهذا السّبب نرى الأفراد الذّين لا يجدون تأميناً لمصالحهم الحيويّة في متّحدهم يهجرونه حالما يتمكّنون من ذلك، إلى بيئة جديدة يجدون فيها غرضهم الأوّليّ. حيثما وجد متّحد كانت مصلحة حياة كلّ فرد من أفراده، مصلحة حياته العامّة، أولى مصالحه. إنّ مصالح الحياة هي مصالح كلّ متّحد ولكن ليست مصالح أي متحد مصالج كل متحد، لأنّ مصالح المتّحد ليست بيولوجيّةً فقط، بل هي مصالح نفسيّة (عقليّة) ومصالح حيويّة نوعيّة أيضاً. وقديماً ميّز أرسطو بين «الحياة» و«الحياة الجيّدة»(6) ، فإذا كانت مصالح الحياة الجيّدة كذلك، فإنّ مصالح الحياة الجيّدة هي الّتي تتنوّع وتتّحد بتنوّع المتّحدات وتحدّدها، مولّدةً أنواعاً جديدةً من الاشتراك في الحياة. ولكنّ جميع هذه المصالح لا تقوم إلا على أساس المصلحة الاقتصاديّة، وقد رأينا في درسنا «المجتمع وتطوّره» كيف ارتقى المجتمع وفاقاً لنجاح المصلحة الاقتصاديّة.
إذا كانت المصلحة الاقتصاديّة أساسيّةً في كلّ مجتمع فهو لأنّها تخدم كلّ مصلحة أخرى حيويّة أو نفسيّة. والمتّحدات جميعها تتماثل في أنّ لها مصالح حيويّةً ولكنّها تتفاوت في هذه المصالح وفي مصالح الحياة الجيّدة بالنّسبة إلى المرتبة الثّقافيّة والدّرجة الاقتصاديّة. ففي القبائل الّتي لا تزال على درجة الرّابطة الدّمويّة نجد المصالح القائمة على الحاجات الحيويّة العضويّة أكثرها من نوع المصالح الجنسيّة وهي المصالح الّتي تتعلّق بالزّواج والعائلة والنّسب، أمّا مصالح الحاجات الحيويّة اللاجنسيّة، أي مصالح الطّعام والشّراب واللّهو وغيرها فهي بسيطة جداً من رعاية وجمع نبات وثمر. وأمّا مصالح الحاجات النّفسيّة (العقليّة) فقليلة وضعيفة جداً وهي تنحصر في بعض القصائد أو الأغاني وكلّها تدور على محور العلاقات الجنسيّة والحرب أو الغزو وفي الدّين الّذي يعني التّسليم لإرادة عليا أو لقوّة خارقة، لله القدير العلام، خالق السموات والأرض. وجميع هذه المصالح عامّة في المجتمع الفطريّ ومتداخلة، فهي مركّب.
الحقيقة أنّ المصالح لا تتعدّد وتتعيّن إلا في المجتمعات الرّاقية وفي هذه المجتمعات تتحدّد المصالح وتولّد جمعيّات معيّنةً. والمصالح وجمعيّاتها تتميّز وتتنوّع بحيث تجعل وحدتها أتمّ وأوضح.
في المتّحد الرّاقي نجد المصالح جميعها تتنوّع وتتعيّن بتنوّعها، وتؤدّي إلى إنشاء جمعيات من كلّ نوع منها، تجمع كلّ جمعيّة الأفراد العاملين لمصلحتها. وهذه المصالح على ثلاثة أنواع: النّوع الأساسيّ وهو يشمل المصالح الحيويّة والمصالح النّفسيّة (العقليّة). والمصالح الحيويّة هي.
أوّلاً: الجنسيّة، وجمعيّاتها العائلة في أشكالها.
ثانياً: اللاجنسيّة، وهي ما تعلّق بالغذاء واللّباس والمدرأ وتؤدّي إلى إنشاء الجمعيّات الزّراعيّة والصّناعيّة والتّجاريّة وجمعيّات الصّحة والطّبّ والجراحة. والمصالح النّفسيّة هي.
أوّلاً: المنطقيّة من علميّة وفلسفيّة ودينيّة وتهذيبيّة، وتتّحد في الجمعيّات العلميّة والفلسفيّة والدّينيّة، (الكنيسة) والتّربويّة. وفي المدارس والمعاهد التّهذيبيّة.
ثانياً: الفنّيّة. وتتناول جمعيّات الرّسم والدّهان والموسيقى والتّمثيل والأدب.
ثالثاً: المصالح الخصوصيّة، مصالح السّلطة والجاه. والعاملون لها ينشئون الأندية الخاصّة والجمعيّات العسكريّة والقوميّة. ثمّ تأتي المصالح الاقتصاديّة البحتة (تمييزاً لها عن المصالح الاقتصاديّة الحيويّة الّتي تبعث الجمعيّات الحيويّة في نوعيها الجنسيّ واللاجنسيّ) وهذه تتناول الجمعيّات الماليّة والتّجاريّة الكبرى والمصارف والشّركات المتّحدة كــ «التّرسط» [trust] وغيرها والاتّحادات التّجاريّة وجمعيّات المستخدمين وجمعيّات المستخدمين الخ. وتأتي في أرقى المراتب المصالح السياسيّة وأكبر جمعيّاتها، الدّولة، تشمل جميع مصالح المتّحد الأتمّ الّذي هو الأمّة ويتفرّع من الدّولة جمعيات أخرى أصغر منها تختصّ بالمتّحدات الّتي هي أصغر من الأمّة هي الحكومات المحليّة للمناطق والمدن. وبعد الدّولة نجد الأحزاب السّياسيّة الّتي هي جمعيات تختصّ بمصالح الفئات. ثمّ تأتي الجمعيّات السّياسيّة للقيام على مصالح معيّنة. ثمّ الجمعيّات القانونيّة والقضائيّة وغيرها. وهنالك أيضاً المصالح الاجتماعيّة العموميّة وهي تشكّل جمعيّات التّعارف والصّحبة وأندية السّمر والتّسلية البريئة أو المفيدة.
هذه صورة غير تامّة من مصالح أيّ متّحد راق، وهي على ما بها من نقص تمثّل جلياً بُعد المرحلة بين مصالح الجماعات الفطريّة والمجتمعات المتمدّنة الرّاقية. وكلّما ارتقى المتّحد في ثقافتيه الماديّة والعقليّة ازدادت المصالح المعيّنة الّتي من شأنها ترقية الحياة الجيّدة وتجميلها.
قد عرّفنا المتّحد بالنّسبة إلى الصّفات الخاصّة الّتي تميّزه عن غيره ونرى أن نعرّفه بالنّسبة إلى مصالحه وإرادته، فهو من هذه الوجهة وحدة اجتماعيّة حاصلة لأعضائها القناعة الدّاخليّة الإجماعيّة أنّ لهم مصالح تكفي لتفاعل أعمالهم، تفاعل مصالحهم وإراداتهم، في حياة عموميّة مشتركة على مستوًى ثقافيّ معيّن، ضمن حدود مساحة معيّنة. وبعد هذين التّعريفين، هل ندرك الفارق المعيّن الرّئيسي بين كلّ متّحد وكلّ متّحد آخر؟ أم هو الصّفات المميّزة، وقد رأينا أنّ هذا الفارق ليس من الثّبات والتّحدّد بحيث يصحّ أن يكون الفارق الرّئيسيّ المعيّن؟ أم هو المصلحة ومصلحة عدد كبير من المتّحدات تتماثل إلى درجة يستحسن معها توحيدها؟ أم هو الثّقافة، ونحن نعلم أنّ متّحدات عديدةً كبيرةً وصغيرةً تأخذ بثقافة واحدة عامّة؟ كلا. ليس واحداً من هذه الفوارق الفارق الأساسيّ، بل الفارق الأساسيّ هو وحدة الحياة المتجمّعة ضمن حدود معيّنة. فالمتّحد الاجتماعيّ ليس مجرّد أوصاف أو مصالح، بل هو أمر واقع. هو جماعة من النّاس تحيا حياةً مشتركةً في بقعة معيّنة ذات حدود.
كلّ متّحد، مهما كثرت صفاته أو قلّت، ومهما تعدّدت مصالحه، هو متّحد قائم بنفسه. كلّ قرية متّحد ولا يعكس وكلّ مدينة متّحد ولا يعكس وكلّ منطقة متّحد ولا يعكس وكلّ قطر متّحد ولا يعكس. والقطر الّذي هو متّحد الأمّة أو المتّحد القوميّ هو أكمل وأوفى متّحد. فالمصالح تنشأ في المجتمع، لا خارجه. والصّفات تتكوّن من حياة جماعة مشتركة وكلّ جماعة لها حدود، حتّى البدو الرّحل لهم حدود لرحلتهم. فهم يتنقّلون أبداً ضمن نطاق تجري حياتهم ضمنه فإن خرجوا منه إلى بيئة جديدة خرجت حياتهم عن محورها. ولو كانت بيوت أهل دمشق قائمةً إلى جانب بيروت من جهة صيدا والشّويفات مثلاً، وملتحمةً ببيوت هذه المدينة أكان يجوز حينئذ التّحدّث عن مدينتين متميّزتين، عن متّحدين؟
يَعرف المتجوّل المتّحد قبل أن يعرف مصالحه وخصائصه وصفاته فهو إذا أطلّ على بلدة كمشغرة يدرك حإلا أنّ هنالك متّحداً من النّاس قبل أن يعرف أنّ أهل مشغرةً كانوا زرّاعاً وأنّهم اليوم صناعيّون متخصّصون في دباغة الجلود، وأنّ هذا التّطوّر الاقتصاديّ قد طوّر مستوى مصالحهم وعدّل أخلاقهم. وهكذا الّذي ينتقل من قطره إلى قطر آخر يدرك أنّه قد أصبح في متّحد جديد سواء أكان يعرف ما هي لغة أهله أم لا يعرف، سواء أكان يجهل أخلاقهم أم لا يجهل. يميّز الإنسان المتّحد أوّلاً ثمّ يميّز خصائصه فهو يرى البلدة أوّلاً ثمّ يرى أشكال بيوتها وجنائنها وبساتينها ونسبة ترتيبها إلى طبيعة البيئة. وهو في تنقّله من قطر إلى قطر يرى برّيّة ذلك القطر وأماكن إقامة أهله واتصال قراه ومدنه بعضها ببعض ومدنه الكبرى، الّتي هي الكتل المغنطيسيّة الّتي تتوجه إليها الكتل الصّغرى ثمّ يتعرّف إلى جمعّياته الّتي تمثّل مصالحه ومؤسساته وإلى أخلاق أهله وصفاتهم. أمّا المصالح فهي مصالح هذه المتّحدات وأمّا الصّفات فهي صفاتها، وأمّا الإرادة ففي كلّ منها وما الإرادة إلا التعّبير عن الحياة. ما نريد هو ما نحن(7). نحن نريد مصالحنا لأنّنا نريد حياتنا والإرادة على قدر المصلحة، وكلّما كانت المصلحة أساسيّةً دائمةً كانت الإرادة كذلك.

تحديد الأمّة
الأمّة هي أتمّ متّحد، كما قلنا. ولكن لا بدّ لنا من درس هذا المتّحد درساً خاصّاً به، لأنّه أوسع وأكثر تعقّداً من كلّ متّحد آخر. ومع أنّه ليس من الصّعب إيضاح الواقع الاجتماعيّ والحقائق الاجتماعيّة، فإنّ الأمّة كانت ولا تزال محور كثير من النّظريّات الّتي قد تبدو متعارضةً وأحياناً متناقضةً. والسّبب في ذلك أنّ الأمّة تنطوي على عنصر عامّ، بل حيويّ لها، مفقود من المتّحدات الأخرى، هو العنصر السّياسيّ. فالكلام على الأمّة يكاد لا يخلو من عصبيّة القوميّة أو الوطنيّة، أو من الأغراض السّياسيّة، وهو لذلك عرضة لاختلاف النّظريّات وتعدّد المذاهب فيه.
كلّ أمّة تشعر بضرورة سيادتها على نفسها وحماية مصالحها من إجحاف وتعدّيات الأمم الأخرى. وفي هذا التّنازع، الّذي كثيراً ما يكون عنيفاً، يلجأ سياسيّو الأمّة ومفكّروها إلى نظريّات توافق ظروف أممهم وتكسبها معنويّات قويّةً. فبعضهم يبحث عن حقيقة تاريخيّة أو مثال حقيقيّ أو موهوم من التّاريخ، أو عن نزعة دينيّة أو سلاليّة، ولا يقتصر تنازع البقاء على تنازع النّظريات بين الأمم، بل يمتدّ إلى تنازع النّظريات ضمن الأمّة الواحدة، لما تشتمل عليه الأمّة من طبقات وجماعات يكون لبعضها مطامع ومصالح خاصّة، كما حدث للنّظريّات القوميّة الفرنسيّة، مثلاً. فإنّ الأمّة الفرنسيّة الّتي ابتدأت تتكوّن من امتزاج عنصرين رئيسيّين هما الجلالقة أهل البلاد الأصليّون والفرنك المغيرون على بلادهم، وهؤلاء شطر من القبائل الجرمانيّة، تعرّضت في مجرى تاريخها للنّزاع الخارجيّ الّذي جعل رجالها الشّاعرين بمصالحها الخاصّة يبحثون عن ممسك روحيّ، حقيقيّ أو خياليّ، يجمع الفرنسيّون من فرنك وجلالقة على التّمسّك به صيانةً لمصالحهم، الّتي أصبحت مصالح متّحد واحد، من أخطار التّقلّبات السّياسيّة والحربيّة. وقد توهّم بعضهم أنّ إنقاذ وحدة المتّحد الفرنسيّ من كلّ اختلاط خارجيّ، خصوصاً مع جيرانهم الألمان الذين هم شطر آخر من القبائل الجرمانيّة، وتقويتها يتمّان بجعل الفرنسيّين سلالةً واحدةً من نسب واحد. ويجب أن يكون هذا النّسب عريقاً في المجد والبطولة، عظيماً بخوارق قوّته يحبّب الانتساب إليه والالتفاف حوله. وأيّ نسب أعرق وأحبّ من أبطال طروادة الّذين خلّدهم هوميرس. [Homer حوالى 850 ق. م.]. ألم يقلّد ورجيل [Virgil, 71-19 B. C.] هوميرس وينظم أناشيد «الإنيادة» في البطل إنياس Eneas الّذي تحدّر منه الرّومان؟ إذاً يجب أن لا يقلّ بناء باريس عظمةً عن بناء رومة. وكما وجد في إيطاليا ورجيل ليخلّد ذكر أبي الرّومان الوهميّ كذلك يجب أن يوجد لفرنسة من يخلّد ذكر البطل العظيم الّذي خرج من صلبه الفرنسيّون: فرنقس أو فرنسيون بن هكتور! وقد وجد «رنسار» Ronsard الّذي اهتدى إلى هذا الحلم الضّائع وأخذ يؤلّف أناشيد «الفرنسيادة»(8) مجاراةً لورجيل في الإنيادة فنشر سنة 1572 الأناشيد الأربعة الأولى الوحيدة الّتي ظهرت. ولكنّ رنسار عدل عن متابعة هذا العمل الشّاقّ العقيم، ومع ذلك فإنّ الاعقاد بالأصل الطّرواديّ للفرنسيّين ظلّ معشّشاً حتّى أواخر القرن السّابع عشر. وقد حمل السّبب نفسه الّذي من أجله وضعت نظريّة الأصل الطرواديّ للفرنسيّين، فرنكاً وجلالقةً وروماناً، كتّاباً آخرين على البحث عن ممسك آخر مخترع يكون أقرب إلى المعقول، فذهب بعضهم (Etienne Forcadel) إلى أنّ الفرنك ليسوا سوى جلالقة هاجروا في زمن قديم ثم عادوا إلى وطنهم وميراثهم وعلى هذا يكون كلّ الفرنسيّين جلالقةً. فلمّا أثبت ليبتز جرمانيّة الفرنك، ولم يعد في الإمكان دحضها، ذهب عدد من الكتّاب إلى وحدة الشّعب المؤلّفة من المزيج الجلالقيّ والفرنكيّ وواحد منهم جعل اسم فرنسة «فرنكوغاليا» (Francogallia) واتّخذه عنواناً لمؤلّفه(9).
تراوحت النّزعات القوميّة في فرنسة بين أن تكون الأمّة من أصل جلالقيّ أو طرواديّ أو جرمانيّ. واشتدّ نزاع النّظريّات في الأصل بين مختلف الكتّاب والمؤرخين الّذين عالجوا هذه القضيّة القوميّة الفرنسيّة. وبديهيّ أنّ تكون الأنظار اتّجهت في البدء إلى الوجهة السّلاليّة من الموضوع، لأنّ اصطلاحات الرّابطة الدّمويّة الموروثة من العهد البربريّ كانت لا تزال مسيطرةً، وهي الاصطلاحات الّتي تسيطر على كلّ موضوع قوميّ في كلّ أمّة لا يزال عهدها بالبربريّة قريباً أو خضعت، لعهد قريب، لعوامل موجة بربريّة. واشتدّ النّزاع الدّاخليّ في فرنسة حول هذه النّقطة لأنّها كانت تهمّ طبقتي الأشراف والعامّة في تنازعهما حقوق السّيادة والحريّة. وقد أولع عدد من أشهر كتّاب الفرنسيّين بالمفاخرة بالعنصر الجرمانيّ الفاتح مزدرين كلّ فكرة جلالقيّة، لأنّ الفتح شيء لامع محبوب عند كلّ الأقوام، حتّى حسبه هؤلاء الكتّاب مغنياً عن روعة الواقع في نشوء الأمم. وقد أشرنا إلى ما كان من شأن العقائد السّلاليّة في فرنسة في الفصل الثّاني من هذا الكتاب فليراجع هناك.
سيطرت كلّ نزعة من هذه النّزعات السّلاليّة القوميّة على عصر من عصور حياة الأمّة الفرنسيّة، وفاقاً لظروف كلّ عصر ومطاوعةً لمصالح الطّبقات والفئات الخاصّة. فسرى الاعتقاد بالأصل الطرواديّ مدّةً من الزّمن ثمّ قويت العقيدة الجلالقيّة ثمّ سيطر المذهب الجرمانيّ الفرنكيّ، في التّعليم المدرسيّ، الّذي يجعل الفرنك أسلاف الفرنسيّين حتّى مئة وخمسين سنةً خلت. أمّا الآن فالتّعليم العموميّ في فرنسة يجعل الجلالقة، أهل البلاد قبل مجيء الفرنك، أسلاف الفرنسيّين(10). أمّا الأمّة الفرنسيّة والقوميّة الفرنسيّة فتتمثلان في كلمة كانت استعمإلا لم يحظ منذ البدء بمرتبته العالية، ولكنّها أخذت تنحت موقعها في القلوب حتّى أصبحت أوضح صورةً للأمّة الفرنسيّة والقوميّة الفرنسيّة هي: الوطن (Patrie) (11) الّذي جعل اسمي «فرنسيا» و«غليا» مترادفين. ومع أنّ اسم فرنسة هو الّذي غلب على البلاد بالاستعمال فإنّ الكيان الفرنسيّ ظلّ دائماً يطمح إلى جعل حدوده حدود الجلالقة القديمة.
نكتفي بهذا المقدار للدّلالة على أنّ تحديد الأمّة قد يتعرّض للتّأثّر بعوامل العقائد والأغراض قبل أن تنجلي في الذّهن حقيقة الواقع الاجتماعيّ. فالأمّة الفرنسيّة التي بقيت هي هي كانت أوّلاً نسباً بعيداً ثمّ سلالةً ثمّ أصبحت وطناً.
كما يجد الدّارس الاجتماعيّ صعوبةً في فهم حقيقة المتّحد من الأمثال والتّسبيهات، كذلك هو يجد صعوبةً في فهم المتّحد القوميّ أو الوطنيّ من وراء التّحديدات الّتي قد تبدو متعارضةً، وتكون كذلك أحياناً إن لم يكن غالباً، لأنّ الّذين حدّدوا الأمّة حدّدوها على ما سطع لكلّ منهم من نورها ووحيها في بيئته الخاصّة. فرينان [J. E. Renan, 1823-1892] يحدّد الأمّة متأثّراً بتاريخ فرنسة والرّوحيّة الفرنسيّة حين قال: «ليس تكلّم لغة واحدة أو الانتساب إلى مجموع شعبيّ Ethnographique واحد هو ما يؤلّف الأمّة بل يكوّنها الاشتراك في فعل أمور عظيمة في الماضي والرّغبة في فعلها في المستقبل» هذه صورة الأمّة الفرنسيّة من خلال تاريخ دولة الكبتيّين وما بعدها. ولمّا كان دارس العلم السّياسيّ يتناول موضوع الأمّة ويحاول فهمها من الأقوال الّتي ذهبت أمثإلا في هذا الشّأن، أرى أن أتناول هذه التّحديدات وأنّ أحللّ أجزاءها، لكي أسهّل على الطالب السّياسيّ أو الاجتماعيّ متابعة درس هذه القضيّة بالأسلوب الّذي تعوّده.
إنّ أوّل تحديد وضع لتعيين ماهيّة الأمّة وإيجاد صورة ذهنيّة منطقيّة لها هو التّحديد الّذي أعلنه بسكال منتشيني Pascal Mancini في خطابه الشّهير الّذي افتتح به فرع الحقوق الأترنسيونيّة في جامعة تورينو، في الثّاني والعشرين من كانون الثاني سنة 1851 وهذا نصه الحرفيّ:
Nszione è una Società naturale di Uomini, dà unità di territorio, di origine, di costumi, di lingua conformata à communanza di vita e di coscienza sociale.
وترجمته: «الأمّة هي مجتمع طبيعيّ من النّاس ذو وحدة أرضيّة (جغرافيّة) وأصليّة ووحدة عادات ولغة خاضع للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ». وقد جلب هذا التّصريح على منتشيني نقمة النّمسا، الّتي سعت إلى منع خطبه، ومصادرة أملاكه بأمر ملك نابولي.
منذ صرّح منتشيني بتحديده المشار إليه ونشره في السّنة نفسها، في Prelezioni تنبّه المفكرون الحقوقيّون والسّياسيّون والاجتماعيّون إلى وجوب تعريف الأمّة تعريفاً خالياً من الغرض ومن حريّة القول الاستبداديّ أو غير المنقود. فتعاقبت التّصريحات والتّعاريف الّتي لم يكن بعضها سوى توسيع أو تعديل لتعريف منتشيني. فشدّد بعضها على عنصر معين من عناصر الأمّة وتشبّث البعض الآخر بعنصر غيره أو بمجموعة عنصريّة خاصّة. ويحسن هنا، قبل البدء بتحليل عناصر الأمّة، أن نذكر تعاريف أخرى بألوانها الخاصّة لنرى تنّوعات الفكرة الواحدة ونموّها وتطوّرها.
بعد منتشيني ببضع سنوات عرّف الأمّة متشرع آخر فرنسيّ Pradier Fodéré ــــ بأنّها «مجتمع يشكّله سكّان بلاد معيّنة لهم لهجة معيّنة (Mème Langage) وترعاهم قوانين معيّة وتوحّدهم هويّة الأصل والتّوافق الفيزيائيّ والاستعدادات المناقبيّة واتّحاد طويل العهد في المصالح والشّعور، وتدامج في العيش على مرّ القرون. وما يفهم من القوميّة هو أنّها حصول حالة الأمّة في الواقع»(12). وفي سنة 1915 عرّف أميل دركهيم Durkheim القوميّة بأنّها «جماعة إنسانيّة تريد، لأسباب إثنيّة أو تاريخيّة فقط، أن تحيا في ظلّ قوانين معيّنة وأنّ تشكّل دولةً سواء أكانت صغيرةً أم كبيرةً، وهو الآن مبدأ مقرّر عند الأمم المتمدّنة أنّه متى ثبّتت هذه الإرادة الموحّدة نفسها باستمرار حقّ لها أن تعتبر الأساس الثّابت الوحيد للدّول»(13). وفي سنة 1919 ألّف م. أيوانوف كتاباً بعنوان البلغاريّون أمام مؤتمر الصّلح عدّد فيه العناصر التي تؤلّف الشّخصيّة القوميّة وتحفظها فإذا هي: «وحدة السّلالة، الحدود الجغرافيّة، اللّغة الدّين، الوحدة السّياسيّة، التّاريخ والتّقاليد، الأدب، طريقة الحياة والمظاهر الثّقافيّة العموميّة، وكلّما ازداد ظهور العناصر في قوميّة ما، ازداد إحياؤها وحدةً وازداد الشّعور القوميّ، الّذي يحرّكهم، توقّداً واندفاعاً»(14). وإنّنا نرى رنان يشدّد على «المبدأ الرّوحيّ» للأمّة ولكنّه يعود فيقول:
Une nation resulte du mariage d’un groupe d’hommes avec une terre . (15)
الأمّة تتولّد من زواج جماعة من النّاس وبقعة أرضيّة. ويأتي أيضاً شبنقلر فيقول «ليست الأمم وحدات لغويّةً ولا سياسيّةً ولا بيولوجيّةً، بل وحدات روحيّة ومع ذلك نرى مبدأ السّلالة يسيطر على معنى الأمّة في ألمانية في حين أنّ هنالك تعاريف أخرى تعزّز أهميّة الأرض كقول فن ايرن Fon Ihren «الأرض هي القوم» وما ذهب إليه هردر Herder بهذا الصّدّد.
إذا تركنا الآن التّحديدات الجزئيّة أو الفرعيّة أو الموضوعة من وجهة نظر واحدة أو خاصّة، وعمدنا إلى درس عناصر الأمّة استناداً إلى التّحديدات الشّاملة غير المتميّزة، أو المقصود منها أن تكون مجرّدةً، وجدنا هذه العناصر معدّدةً على أتمّ وجه موضوع حتّى الآن في تعريفي منتشيني وإيوانوف. ومن مقابلة هذين التّعريين نجد إيوانوف يستعمل «وحدة السّلالة» حيث يستعمل منتشيني «وحدة الأصل» ونراه يضيف إلى عناصر منتشيني الدّين والوحدة السّياسيّة والتّاريخ والأدب ويضع التّقاليد في محلّ العادات، وطريقة الحياة والمظاهر الثّقافيّة العموميّة في محلّ الاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ. فلنأخذ كلّ عنصر كما ورد في كلّ من هذين التّعريفين ولندرسه ونقابله مع مشابهه.
نبدأ بتعريف منتشيني ونتناول قوله إنّ الأمّة هي Società naturale di Uomini مجتمع طبيعيّ من النّاس. فواضح من هذا القول إنّ المجتمع الطّبيعيّ هو نقيض المجتمع الاصطناعيّ وبهذا القول وضع منتشيني حدّاً فاصلاً بين الأمّة من حيث هي مجتمع بطبيعة الواقع، إذ ترى النّاس مشتركين في أسباب حياتهم الواحدة في مجرًى طبيعيّ من التّفاعل والتّرابط، والدّولة من حيث هي نطاق قد يتّسع حتى يشمل ما هو أوسع من المجتمع الطّبيعيّ فيكون مجتمعاً مصطنعاً من مجتمعين طبيعيّين أو أكثر. نأخذ مثلاً سورية وبلاد العرب فنرى سورية متّحداً تامّاً، مجتمعاً طبيعيّاً تجري ضمنه حياة أفراده في ترابط وتفاعل تامّين واشتراك في مصير واحد. فالسّوريّون يشتبكون اشتباكاً متيناً في جميع المصالح كالزّواج والتّعاشر والتّعاون الاقتصاديّ والجمعيات والأندية والأحزاب والنّقابات والمدارس إلخ. كذلك نرى بلاد العرب مجتمعاً، بل مجتمعات طبيعيةً. فالعرب تجري حياتهم ضمن دوائر قبائلهم ولهم مصالحهم الخاصّة في الزّواج والرحلة والغزو والسّلب. وليس لهم مصالح عمرانيّة إلا في أسفل الجنوب في اليمن وهناك مصالحهم خاصّة وضعيفة. والمصالح النّفسيّة هي بالإجمال معدومة. ففي زمن الدّولة الإسلاميّة أصبح هذان المجتمعان الطّبيعيّان مجتمعاً واحداً مصطنعاً هو مجتمع الدّولة فاشتركا في دولة واحدة ولكنّهما ظلا مجتمعين طبيعيّين منفصلين في الحياة، فمن استقرّ من العرب في سورية أصبح جزءاً من المجتمع السّوريّ الطّبيعيّ وطلّق البادية بالمرّة. وهذا ما حدث مراراً في مجرى التّاريخ، ليس لسورية وبلاد العرب فقط، بل لأقطار عديدة كالمجتمعات الّتي ضمّتها رومة إلى نطاقها الشّرعيّ والدّوليّ وبسطت عليها لغتها كجلالقة عبر الألب وأقطار أخرى فإنّ هذه المجتمعات اشتركت في حياة الدّولة الرّومانيّة، ولكنّا لم تكوّن وإيطاليا مجتمعاً طبيعيّاً واحداً. وكان من البديهيّ أن تنقم النّمسا على منتشيني لأنّه يوقظ في الطّليان فكرة مجتمعهم الطبيعيّ فيكون فيها القضاء على سلطتهم في إيطاليا. فالأمّة إذاً مجتمع طبيعيّ، لا بالقوّة الخارجيّة ولا بالاستبداد ولا بأيّ شكل من أشكال الاصطناع. أمّا قوام الأمّة (المجتمع الطّبيعيّ) فيعطينا منتشيني عنصرها الأوّل: الوحدة الأرضيّة، أو الحدود الجغرافيّة في تعريف إيوانواف.
كان منتشيني موفّقاً كلّ التّوفيق حين قدّم العنصر الأرضيّ على جميع عناصر المجتمع الطّبيعيّ الأخرى. فقد رأينا في فصل سابق (الثالث) أنّ الأرض هي أولى إمكانيّات الحياة على الإطلاق، واليابسة عموماً هي أولى إمكانيّات حياة الحيوانات ذات الجهاز التّنفسيّ وأولى إمكانيّات حياة الإنسان. وأشرنا هناك إلى تنوّع البيئات وإمكانيّاتها. فالبيئة الجغرافيّة ضروريّة لحياة المتّحد أو المجتمع ضرورة الأرض للحياة. وأيّ متّحد أخذناه وجدناه محدّداً بالمساحة أو البيئة، لأنّ الإقامة في الأرض والعمران لهما شروط سابقة لا يتمّان إلا بها وقد عرضنا لها في الفصل الثّالث.
وإذا أعدنا النّظر في البيئة الجغرافيّة، في القطر وما يتعلّق به، وجدنا أنّ الحدود ليست من التّمام بحيث تفصل فصلاً تاماً، بين أيّ قطر وكلّ قطر، بين أيّ متّحد وكلّ متّحد، وإلا لوجب أن نسمّي كلّ قطر دنياً قائمةً بنفسها. وحيث الفصل تامّ كما في الجزر يلجأ المجتمع إلى إيجاد طرق وأساليب للمواصلة وهو لا ينفكّ يحسّن هذه الطّرق والأساليب حتّى يجعل الاتّصال على أفضل حالة ممكنة. لأنّ العزلة التّامة منافية للتّمدّن والارتقاء الثّقافيّ. ولكنّ الحدود تقلّل الاتّصال، سواء أكان سلميّاً أم حربياً، وتصعّب التداخل والاختلاط الاجتماعيّين مع الخارج بقدر ما تسهّل اشتباك الجماعات في الدّاخل واتّحادها. فالبيئة المحدّدة هي البوتقة الّتي تصهر حياة هذه الجماعات وتمزجها مزجاً يكسبها شخصيّةً خاصّةً، كالشّخصيّة الّتي يكتسبها الشّبهان (البرنز) من مزج النّحاس والتّنك والرّصاص، وهي الّتي توجهد الإمكانيات لنشوء المراكز العمرانيّة الّتي تتألّب عليها قوّات المجتمع ويحتشد فيها نتاجه الثّقافيّ، فتتكوّن البيئة الاجتماعيّة الّتي تصبح ذات مناعة تكمل ما نقص من الحدود الطّبيعيّة. والحقيقة أنّ البيئة من حيث هي مركز الاجتماع والتّكتّل هي أهمّ من الحدود لتكوّن البيئة الاجتماعيّة ولكنّ الحدود الطّبيعيّة ضروريّة لوقاية المجتمع وحماية نموّه حتّى يستكمل قوّته الشّخصيّة. فبعض الأمم جنت عليها قلّة حدودها الطّبيعيّة أو رخاوتها وطلاقتها كبولونيا، وأرمينيا وإلى درجة أقلّ الإغريق والأراضي السّفلى (هولندا) وبلجيكا. وكذلك سورية فقد جنت عليها كثيراً طلاقة تخومها من جهة الصّحراء، فالصّحراء حدّ للبيئة السّوريّة يقف عنده عمرانها وتمدّنها وثقافتها ولكنّها لم تكن حداً للقبائل المتحيّنة الفرص للاستيلاء على أرض آمن من الصّحراء وأضمن للعيش منها، والاستقرار فيها.
لعلّ سورية أفضل مثال للبيئة الّتي تصهر الجماعات المختلفة النّازلة بها وتحوّلها إلى مزاج واحد وشخصيّة واحدة. فنحن نعلم أنّ سورية كانت مأهولةً في العصر الحجريّ المتوسّط، كما دلّت البقايا المكتشفة في فلسطين، وأنّها على الأرجح مصدر الثّقافة المغالثية(16). ونعلم أيضاً أنّ جماعات شماليّةً كالحثّيين وغيرهم قطعت طوروس وهبطت سورية لتلتقي فيها بالجماعات الجنوبيّة الخارجة من الصحراء، فتمتزج هذه الجماعات كلها وما أضيف إليها ممّا جاء من الغرب كالفلسطينيّين، بعضها بالبعض الآخر وببقايا جماعات العصر الحجريّ وتكوّن مزيجاً خاصاً. ومع أنّنا نتمكّن، بالأدلّة الرّأسيّة والدّمويّة من تقصّي مختلف السّلالات الموجودة حالياً في سورية فإنّنا نرى لها كلّها طابع البيئة الخاصّ الّذي يكسبها تشابهاً قوّياً وتجانساً شديداً(17). وقد رأينا أنّ هذا المزيج السّوريّ تمكّن من إنشاء امبراطورية قويّة بسطت سيطرتها على مصر واتّخذت مصر قاعدةً لها، كما رأينا مصر تبسط نفوذها على سورية، وكما رأينا امبراطورية الفرس تبسط ظلّها على سورية ومصر. ولكن لم يؤثّر شيء من ذلك على تحديد البيئة المتّحد. وهنا تبدو لنا صحة قول فن أيرن «الأرض هي القوم» وقول رنان في كيف تتكوّن الأمّة (راجع ص 134) والفرق الواضح بين المجتمع الطّبيعيّ القوميّ والمجتمع المصطنع السّياسيّ. وويدال دلابلاش الّذي أشرت مراراً إلى مؤلّفه الهامّ في الجغرافية الإنسانية، يقول(18) «إنّ ظواهر الجغرافية الإنسانيّة (توزيع البشر) تنسب إلى الوحدة الأرضيّة الّتي لا يمكن تعليل تلك الظّواهر بدونها. إنّها (الظّواهر) تعزى، في كلّ مكان، إلى البيئة الّتي هي بدورها وليدة توافق حالات فيزيائيّة» وهو يوافق «لواصور» في أنّ سكّان أيّة بقعة كانت، يتألّفون من عدد معيّن من النّوايا (جمع نواة) المذرورة المحاطة بمناطق مشتركة المركز تقلّ كثافتها في ابتعادها عن مركزها(19). فكلّ متّحد له مراكز تجمّع مشتركة تضعف عوامل الحياة وظواهرها وتقلّ كثافة السّكان كلّما ابتعدت عنها، فهي الكتل المغنطيسيّة الّتي تجذب ما حولها إليها.
ما أصدق هذا القول على سورية فهو يصدق عليها كما يصدق على فرنسة وعلى أيّ بلاد أخرى. خذ النّوى المذرورة في سورية، في التّاريخ القديم، تجد أنّها قد أصبحت كتلاً مغنطيسيّةً قويّةً كدمشق وبغداد (بابل) وأورفه وحمص وحلب وبيروت والقدس. إلا تقلّ كثافة السّكان ومظاهر الحياة كلّما ابتعدت عن القدس جنوباً وعن دمشق شرقاً وجنوباً حتّى تكاد تنعدم، ثمّ إلا تقل عن حلب شمإلا وشرقاً وماذا [عن] غرب بيروت؟ أوليست سورية كلّها تجمّعات صغيرةً حول كتل مغنطيسيّة كبيرة؟ ولو كانت القاهرة واقعةً بين القدس ودمشق، مثلاً، أو بين القدس وقناة السّويس، وقرى مصر ومزارعها واقعةً في شبه جزيرة سيناء وما حولهما بحيث يكون هنالك عمران واحد في بيئة واحدة، هي بيئة القطر السّوريّ، أكان في الإمكان حينئذ التّكلّم عن القطرين سورية ومصر؟ ولو كانت بغداد واقعة قرب "الرتبة" أو بين هذه ودمشق، أو لو كانت الصحراء بين سورية والعراق بلاداً عمرانية آهلة بالسكان، أما كانت البيئة الموحدة وحدت المجتمع أيضاً؟ وإنّ جفاف الإقليم بسبب محق الحرجات والغابات، الّذي ساعد الصّحراء على اقتحام التّخوم السّوريّة الجنوبيّة، وتجويف الصّحراء السّوريّة كاد يفصل بين الشّام والعراق أو بين شرق سورية وغربها لولا النّهران السّوريان العظيمان الفرات ودجلة اللّذان حفظا استمرار العمران السّوريّ وإمكانية تكاثره وتوثيق الحياة القوميّة ضمنه.
لا أمّة على الإطلاق بدون قطر معيّن محدود. أمّا ما ذهب إليه إسرائيل زنويل Israêl Zangwill من أنّ الشّعب اليهودي تمكّن من الاحتفاظ بنفسه بدون بلاد(20) ، فمن الأغلاط الاجتماعيّة الفاضحة. فاليهود قد احتفظوا بيهوديّتهم الجامدة من حيث هم مذهب دينيّ. وقد أكسبهم دينهم الشّخصيّ عصبيّةً لا تلتبس بالعصبيّة القوميّة إلا على البسطاء والمتغرّضين. اليهود ليسوا أمّةً أكثر ممّا هم سلالة (وهم ليسوا سلالةً مطلقاً)، إنّهم كنيس وثقافة(21). لا يمكننا أن نسمّي اليهود أمّةً أكثر مما يكننا أنّ نسمّي المسلمين أمّةً والمسيحيّين أمّةً أو السنّيين أمّة والشّيعة أمّةً والأرثوذكس والكاثوليك أمّة الخ. ولجميع هذه المذاهب عصبيّاتها وتقاليدها الّتي تتميّز بها.
الأمّة تجهد أساسها، قبل كلّ شيء آخر، في وحدة أرضيّة معيّنة تتفاعل معها جماعة من النّاس وتشتبك وتتّحد ضمنها. ومتى تكوّنت الأمّة وأصبحت تشعر بشخصيّتها المكتسبة من إقليمها وموادّ غذائها وعمرانها ومن حياتها الاجتماعيّة الخاصّة وحصلت من جميع ذلك على مناعة القوميّة أصبحت قادرةً على تكميل حدودها الطّبيعيّة أو تعديلها، على نسبة حيويّتها وسعة مواردها وممكناتها. وبقدر ما هي الحدود جوهريّة لصيانة المجتمع من تمدّد المجتمعات الأخرى القريبة منه كذلك هي، إلى درجة أعلى، طبيعة البيئة ومواردها. فالأمّة تكون قويّة أو ضعيفةً، متقدّمةً أو متأخّرةً، على نسبة ممكنات بيئتها الاقتصاديّة ومقدرتها على الانتفاع بهذه الممكنات. إنّ وجود موارد كافية لتأمين التّبادل الدّاخليّ ومعادلة التّبادل الخارجيّ، أو زيادة الصّادر على الوارد، هو من شروط البيئة الصّالحة لنشوء الأمّة. القطر والجماعة، وإن شئت فقل القطر الصّالح والقوم المؤهّلون، هذان هما العنصران الأساسيّان لنشوء الأمّة.
يعرّف منتشيني العنصر الثاني بوحدة الأصل (العرق) للجماعة، أمّا إيوانوف فيعرّفه بوحدة السّلالة. وفي هذين التّعريفين، على ما بهما من تشابه في المرمى، اختلاف قد لا يكون يسيراً، وهذا الاختلاف هو في اختيار إيوانوف لفظة السّلالة الّتي قد لا تخلو من مغزًى في استثارة نعرة معيّنة. يمكن أن تتّفق هاتان اللّفظتان: الأصل والسّلالة، إذا عني بالسّلالة تعاقب أجيال شعب معيّن بصرف النّظر عن الحقائق الأنتربولوجيّة ــــ الحيوانيّة (زولجيّة). فإنّ من المؤلّفين في السّلائل كمرتيله (Mortillet) من يميّز بين السّلالات التّاريخيّة والسّلالات الحيوانيّة الفيزيائيّة. وهذه نظرة تذهب إلى أنّ اختلاط سلالات أمّة معيّنة وتمازج نسلها قد يولّدان، على التّعاقب، سلالةً فرعيّةً أو ثانويّةً، بحيث يصبح في الإمكان التّكلّم عن السّلالة السّوريّة والسّلالة الألمانيّة والسّلالة الإنقليزيّة. وقد ورد ذكر السّلالة السّوريّة على أقلام الكتّاب كما جرت على أقلامهم السّلالة الأنقلوسكسونيّة الّتي يسخر منها كثيراً ولز في مجتزإه التّاريخيّ. والفرنسيّون، الّذين ينتقدون الألمان كثيراً في مذهبهم السّلاليّ في القوميّة المؤسّس على نظريّة قوبنو وتشمبرلين الآريّة، يعتنقون هذا النّوع الفرعيّ من السّلالة فتقوم السّلالة التّاريخيّة لهم مقام السّلالة الفيزيائيّة. ومع أنّ هذه السّلالة قد تراوحت عندهم بين أن تكون فرنكيّةً جرمانيّةً أو جلالقيّةً فهي قد رست على السّلالة الفرنسيّة الّتي تتّخذ الجلالقة أسلافاً لها، محافظةً على الارتباط التّاريخيّ بين القوم والأرض.
الحقيقة أنّه ليس لأمّة من الأمم الحديثة أصل سّلاليّ واحد، حتّى ولا أصل شعبيّ واحد، إذا أردنا أن نعود إلى الأصل الفيزيائيّ أو التاريخيّ. فلست أخال منتشيني يعتقد أنّ الطّليان من أصل سلاليّ واحد أو من أصل شعبيّ واحد. فإذا تتبّعنا تاريخ تكوّن الأمّة الإيطاليّة كان الأصل الوحيد الثّابت الّذي نتمكّن دائماً من تقريره هو الأرض إيطاليا. أمّا الأصل الشّعبيّ فهو مشترك في عدّة أصول. فقد نشأت رومة من ثلاث قبائل وجدت نفسها محاطةً بشعوب قويّة مختلفة اللّغات والثّقافات كالأتروربّين (الأترسكيّين) الّذين أخذ الرّومان عنهم فنونهم واللاتّين الّذين أخذوا عنهم لغتهم واللّوكانيّين واللّيقوريّين والجلالقة أمام الألب وغيرهم، ثمّ جاء فيما بعد اللّمبرديّون. ومن اختلاط هذه الشّعوب في إيطاليا نشأت الأمّة الإيطاليّة (لا الأمّة الرّومانيّة). وقد أشرنا إلى سلالات إيطاليا الأتربولوجيّة (راجع ص 44). وسواء أأخذنا السّلالات الإيطاليّة من الوجهة الأنتربولوجيّة أم من الوجهة التّاريخيّة، وجدناها غير موحّدة الأصل.
إنّ الأمّة من الوجهة السّلاليّة أو من وجهة الأصل، هي مركّب أو مزيج معيّن كالمركّبات الكيماويّة الّتي يتميّز كلّ مركّب منها بعناصره وبنسبة بعضها إلى البعض الآخر . وهذه الأمّة السّوريّة فأيّ أصل واحد لها؟ أهو الأصل الكنعانيّ (الفينيقيّ) والكنعانيّون جاؤوا طبقةً فوق طبقة أهل العصر الحجريّ، أم الأمّوريّ أم الحثيّ أم الآراميّ؟ أو ليست سورية مزيجاً أو مركّباً معيّناً من هذه الشّعوب مضافاً إليها العرب بعد الإسلام وغيرهم. وإذا أخذنا الوجهة الأنتربولوجيّة من الأصل السّوريّ وجدنا أنّه كذلك مزيج من مفلطحي الرّؤوس ومعتدليها ومستطيليها كما أثبتت ذلك الأبحاث الأنتربلوجيّة(22) وكما سنسهب ذلك في الكتاب الثّاني. وقد رأينا أن فرنسة لا تختلف عن سورية وإيطاليا بهذا الصّدد. وإذا وجّهنا نظرنا إلى إنكلترة والجزر البريطانيّة عموماً فإنّنا نجد الحالة نفسها من المزيج. ففي إنكلترة وحدها شعبا «الإنكليز والسّكسون» ثمّ ما جاءهم من رومان ونرمان، وهؤلاء الأخيرون كان لهم التّأثير في تغيير لغة الإنكليز حتّى أصبحت لاتينيّةً أكثر منها جرمانيّةً، حتّى أنشد تنسون «من نرمان وسكسون ودنماركيّين نحن». وليس الأصل الإنكليزيّ سوى ما جعل شكسبير هنري الخامس يحثّ به جنوده: Yeomen whose limbs were made in England «الرّجال الّذين صنعت أعضاؤهم في إنقلتر» وماذا نقول في ألمانية. أليست هي خليط من نحو ثلاث سلالات أنتربولوجيّة وتختلف أشكالها السّلاليّة في الشّمال والجنوب والوسط، مع كلّ ما يحكى هنالك عن نقاوة الدّم الآريّ؟ وهذه أميركة أمامنا، فأيّة وحدة سلاليّة، تاريخيّة أو أنتربلوجيّة لها؟ أليست الولايات المتّحدة خليطاً من إنقليز وألمان وأرلنديين وطليان وسوريّين وفرنسيّين وأسوجيّين، الخ. والبرازيل أيضاً هي خليط من برتغاليين وسوريين وألمان وطليان وزنوج وهنود أصليين وإسبان. وعلى هذا، قس أيّة أمّة أميركيّة أخرى. أكرّر أنّ الأصل الإنسانيّ الوحيد للأمّة هو وحدة الحياة على تعاقب الأجيال وهي الوحدة الّتي تتمّ دورتها ضمن القطر. المزيج المتجانس أصل كاف للأمّة وهذا المزيج هو ما يعبّر عنه أحياناً بلفظة السّلالة.
يضع منتشيني بعد وحدة الأصل وحدة العادات وإذا بحثنا عن مرادفها أو مقابلها في تعريف إيوانوف وجدنا التّقاليد، ولعلّ منتشيني يحعل العادات تشمل التّقاليد ولعلّ إيوانوف يجعل التّقاليد تشمل العادات، والفرق بين العادات والتّقاليد أنّ الأولى لا يجب أن تكون موروثة من الأجيال الماضية والثّانية وراثية في الأجيال. تتناول التّقاليد ما هو بمعنى الطّقس أو القانون غير المكتوب لما يكون لها من المساس بالحالات النّفسيّة العميقة وشؤون الحياة الهامّة كالزّواج وأحواله والمآتم وطريقة دفن الموتى ونظام العائلة، وهي لذلك أثبت وأصلب من العادت. فقد يجوز، في العرف، أن تترك عادةً من العادات ولكن الخروج على التّقليد يعتبر تمرّداً وثورةً. أمّا العادات فتناول ما هو بمعنى الأزياء والتّصرّف في حالات وظروف معيّنة كحالات الأكل والشّراب واللّباس و المعاشرة والأعياد. فمن العادات عادة تقبيل الأيدي، مثلاً، وشرب قدح من العرق قبل الأكل وعادة التّقبيل عند الوداع أو اللّقاء وعادة السّلام والتّعارف والرّقص. وبالإجمال العادة تتعلّق، على الأكثر، بالذّوق وما هو مستحسن وما هو مكتسب في الحياة الجيّدة اليوميّة، والتّقليد يختصّ بما هو جوهريّ في الحياة الاجتماعيّة وما يتعلّق بالاعتقادات الخفيّة المتوارثة ومنها ما صار اعتقادات دينيّةً أو نصف دينيّة. ولا ينفي ما قلته بشأن وراثيّة التّقاليد أن يكون هنالك عادات وراثيّة أيضاً فإنّ من الأشياء الّتي تصبح مستحبّةً ما يظلّ كذلك أجيالاً.
تنشأ التّقاليد من اختبارات الحياة والاعتقادات بشأنها، وتنشأ العادات من ظروف الحياة واستحسان بعض أساليبها ورموزها. وهذا يعني أنّ التّقاليد والعادات تنشأ بعامل الاجتماع في المجتمع، فهي شأن من شؤون المجتمع ونتيجة من نتائجه أي انّها ليست سبباً من أسبابه، كما يظنّ عادةً بعض الدّارسين سطحيّاً، الّذين يتوهّمون أنّ توافق بعض عادات عند عدد من الأمم سبب يكفي لإلغاء واقع هذه الأمم والتّعويض عنه باستنتاج أمّة واحدة موهومة من عادات أو تقاليد معيّنة. فإنّ من التّقاليد والعادات ما هو مشترك بين عدّة أمم أو بين عدد كبير من الأمم، خصوصاً الأمم الّتي كانت قديماً قبائل أو شعوباً متجاورةً كالشّعوب الساميّة. فإنّ هذه الشّعوب جميعها تشترك في تقاليد وعادات بعضها دينيّ وبعضها اجتماعيّ، ولكنّ هذه التّقاليد والعادات ليست كلّ تقاليدها وعاداتها موحّدةً، بل إنّنا نجد لكلّ أمّة من هذه الأمم تقاليد وعادات خاصّةً بها ناتجةً عن اختباراتها الخاصّة الشّخصيّة وعن نموّ أذواقها بتفاعلها مع بيئتها وباتّصالها بالعالم الخارجيّ. ووحدة هذه التّقاليد والعادات الشّخصيّة، الّتي تظهر وجهاً من نفسيّة الأمّة في مجرى حياتها، هي العنصر الهامّ من عناصر وجود الأمّة.
كلّ أمّة تنشأ بعامل ارتباط جماعة من النّاس، مهما كانت تقاليدها وعاداتها ومهما كان مصدرها، ببقعة من الأرض لا بدّ من أن تكون في مجرى حياتها تقاليد جديدة وعادات جديدة. فالتّقاليد مع أنّها وراثيّة، تنشأ وتندثر بعامل الحياة لتحلّ محلّها تقاليد جديدة وكذلك العادات، وهي أسرع تبدّلاً من التّقاليد. كلّ ارتقاء في أمّة يحدث تعديلاً في التّقاليد والعادات. والأمّة الّتي تتحجّر تقاليدها وعاداتها تكون هي نفسها في حالة تحجر. هكذا الصّين، مثلاً، فإنّ صلابة تقاليدها حرمتها التّقدّم بقدر ما فصلتها عن تقاليد العالم المتمدّن. إنّ التّقاليد تصبح في مثل هذه الحالة كالأغلال والقيود لا يمكّن الأمّة أن تحيا حرّةً إلا بتحطيمها. يجب أن تكون حياة الأمّة أقوى من تقاليدها وإلا قتلتها التّقاليد. التّقاليد والعادات تكسب حياة الأمّة لوناً خاصاً تتميّز به ولكنّها لا تكوّن الأمّة.
كلّ تطوّر ثقافيّ في أمّة من الأمم يولّد تقاليد جديدةً. وشرط التّقاليد المميّزة الأمّة أن تكون متولّدةً من حياة الأمّة. فهنالك تقاليد مشتركة بين عدد من الأمم ولكن ليست هذه التّقاليد هي الّتي تميّز الأمّة.
يشترك منتشيني وإيوانوف في اعتبار وحدة اللّغة عنصراً أساسيّاً في تكوين الأمّة. والحقيقة أنّ اللّغة (أيّة لغة كانت) من حيث هي وسيلة للتّخاطب والتّفاهم البشريّ في المجتمع هي من ضرورات الاجتماع الإنسانيّ الدّاخل فيه العقل والنّفس. وإنّ وسيلةً من وسائل التفاهم ضروريّة أيضاً للتّجمهر الحيوانيّ الرّاقي كأصوات بعض الطّيور وتنبيهات بعض الحيوانات الصّوتيّة كنباح الكلاب وهريرها، أو الصّامتة كإشعارات العثّ أو الدّئاب.
كلّ مجتمع يجب أن يكون له وسيلة أو وسائل، لغة أو لغات، لهجة أو لهجات يتخاطب بها أفراده ويتفاهمون ويتفاعل تفكيرهم وتزداد ثروتهم العلميّة. وهكذا نرى أنّ اللّغة وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سبباً من أسبابه. إنّها أمر حادث بالاجتماع في الأصل لا انّ الاجتماع أمر حادث باللّغة.
ثمّ إنّ اللّغة متى صارت لغة جماعة أو جماعات معيّنة أصبحت حاملةً الميراث الأدبيّ الثّقافيّ لهذه الجماعة أو هذه الجماعات. وفي هذه الحقيقة يكمن سرّ أنّ اللّغة عنصر من عناصر الأمّة. فالأمّة من حيث هي متّحد اجتماعيّ ذو نوع من الحياة خاصّ به في بيئته لا بدّ لها من لغة واحدة تسهّل الحياة الواحدة وتؤمّن انتشار روحيّة واحدة تجمع آدابها وفنونها وعواملها النّفسيّة وأهدافها ومثلها العليا. ولا فرق بين أن تكون اللّغة الواحدة مختصّةً بالأمّة الواحدة أو مشتركةً بين عدد من الأمم، لأنّ الهامّ للأمّة في اللّغة هو ما تحمله من صور حياتها وحاجاتها النّفسية والماديّة وما هو من خصوصيّاتها، لا أشكال ألفاظها القاموسيّة. فليس الفرق عظيماً بين أن يكون اسم الباب «باباً» والحجر «حجراً» وأن يكون اسم الباب door أو Porte أو Tuer واسم الحجر Stone أو Pierre أو Stein . وأن يعرف الإنسان أو القوم لغةً لا تعبّر عن احتياجاته واشتياقاته كأن لا يعرفها. وبهذا المعنى فقط يجب أن يفهم قول بلنتشلي (Bluentschli) : «متى استبدل المرء لغةً جديدةً بلغته خسر قوميّته» أي متى كانت اللّغة الجديدة لغةً راقيةً غنيّةً بأدبها الخاصّ حاملةً مجاري نفسيّةً وفكريّةً قويّةً تجرف معها النّفسيّات الجديدة الدّاخلة فيها. أمّا حيث تكون النّفسيّات الدّاخلة في لغة جديدة قويّةً فإنّها تفعل في اللّغة وتكسبها من نفسيّاتها وتوجّهها في التّعبير عن احتياجاتها ومثلها العليا شأن السّوريّين في اللّغة العربيّة فإنّهم أخذوها من الفاتحين العرب ولكنّهم نقلوا إلى هذه اللّغة علومهم وأدبهم ومجاري فكرهم فأصبحت اللّغة العربيّة لغتهم القوميّة تسيطر نفسيتهم ومواهبهم فيها في بيئتهم وتجاوزها. وإنّ من الأسئلة الّتي تنبّه الفكر إلى هذه الحقيقة: ماذا كانت تكون الثّقافة العربيّة لولا ما نقله السّوريّون من السّريانيّة واليونانيّة إلى اللّغة العربيّة؟
لا يصحّ قول بلنتشلّي المشار إليه إلا في الأقوام الغافلة عن نفسها ووحدة اجتماعها أمّا الأقوام المتنبّهة الحيّة الوجدان القوميّ أو الاجتماعيّ فيمكنها أن تقبل لغةً جديدةً ولا تفقد خصائصها القوميّة الأخرى. وهذه إرلندة يعود إليها تنبّهها القوميّ وعصبيّتّها بعد قرون من سيطرة اللّغة الإنكليزيّة.
إنّ وحدة اللّغة لا تقرّر الأمّة ولكنّها ضروريّة لتماسك الأمّة وحيث تتّخذ اللّغة أساساً للقوميّة يكون القصد من ذلك التّعبير عن حاجة التّوسع والامتداد، كما هي الحال في ألمانية الّتي يلجأ مفكّروها أحياناً إلى وحدة السّلالة وأحياناً إلى وحدة اللّغة(23) لسدّ حاجتها إلى التّوسّع ولضمّ أقليّاتها الدّاخلة في أمم أخرى تعمل على إذابتها.
وإنّ من أكبر الأغلاط تحديد الأمّة باللّغة. فليس عالم اللّغة العربيّة أمّة واحدةً وليس عالم اللّغة الإنكليزيّة إو اللّغة الإسبانيّة أمّةً واحدةً. وكلّ أمّة من أمم هذين العالمين تنشىء أدبها الخاصّ الّذي يعالج حاجاتها ويظهر نفسيّتها وذوقها بلغة هي مشترك بينها وبين غيرها. وبعض الجماعات لا تفتقر إلى لغة واحدة لتكوين أمّة. فهذه سويسرا يطلق عليها كلّ ما يطلق على الأمّة إلا وحدة اللّغة ولكنها بدون لغة واحدة تظلّ ضعيفة الوحدة الرّوحيّة، قابلةً للتّفسّخ بعامل التّأثيرات الثّقافيّة الّتي تمتدّ إليها بواسطة لغاتها المتعدّدة المتّصلة وراء الحدود بأمم عظيمة ذات مراكز ثقل ضخمة وجاذبيات قويّة.
إنّه ضروريّ أن تتكلّم الأمّة لغةً واحدةً وليس ضروريّاً أن تنفرد بهذه اللّغة. على أنّ أهمّ ما في اللّغة للأمّة الأدب الّذي تنشئه هذه الأمّة ليعبّر عن روحيّتها ويحفظ روحيّتها ومثلها العليا.
يزيد إيوانوف على عناصر منتشيني عناصر منها الدّين فهو يرى الدّين لازماً للشّخصيّة القوميّة ومن صفاتها الأساسيّة وما يقصده من الدّين هو الاعتقاد الدّينيّ الواحد العام في المتّحد الاجتماعيّ.
ممّا لا شكّ فيه أنّ الدّين ظاهرة نفسية عظيمة الخطورة من ظواهر الاجتماع البشريّ. إنّه ظاهرة قد نشأت وارتقت بعامل تطوّر الإنسانيّة نحو سيطرة النّفس وحاجاتها في شؤون الحياة. وهو قد تطوّر مع تطوّر البشريّة ولن ينّفكّ يتطوّر بتطوّرها. ولكنّ تطوّره بطيء جدّاً وفي هذا البطء سرّ خطورته.
إذا مثّل الدّين وحدة العقيدة في شعب كان من العوامل على تقوية التّجانس الدّاخليّ الرّوحيّ فيه. وكلّما كان الشّعب متأخّراً في الارتقاء الفكريّ الفلسفيّ كلّما كان الدّين أفعل في السّيطرة على العقليّة.
الحقيقة أنّ الدّين في أصله لا قوميّ ومناف للقوميّة وتكوين الأمّة، لأنه إنسانيّ ذو صبغة عالميّة. ففي التّعاليم الدّينيّة، المسيحيّ أخو المسيحيّ باعتبار المسيحيّين جماعةً واحدةً، والمسلم المحمّديّ أخو المسلم المحمّديّ باعتبار المسلمين المحمّديّين جماعةً واحدةً. ورابطة المسيحيّين دم الفادي وتعاليمه ورابطة المسلمين المحمّديّين القرآن المنزّل. وكلّ دين إلهيّ في العالم يزعم أنّه للعالم كلّه لا فرق بين سوريّه وإغريقيّه ويسعى لتوحيد العالم تحت ظلّه.
ولكنّ الدّين، إلهيّاً كان أو غير إلهيّ، لم يشذ عن قواعد الشّؤون الإنسانيّة ولم يخرج على مقتضيات أنواع الحياة البشريّة وحاجاتها المتباينة أو المتقاربة. فحيثما تضاربت مصلحة المجتمع، الدّولة أو الأمّة، ومصلحة الدّين كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النّزاع. هكذا أخذت السّور القرآنيّة المدنيّة تتطوّر لتوافق حاجة الجماعة فصارت جهاداً وتشريعاً، بينما كانت السّور المكّيّة فكراً متسامياً إلى «الله» وروحاً متجرّدةً من الأصنام والدّنيويّات. وهكذا صارت تعاليم لوثر [M. Luther, 1483-1536] المصلح وسيلةً لتحرّر ألمانية من ربقة رومة. والكنيسة الأنقليكانيّة (الإنكليزيّة) الّتي أنشئت وأزيلت ثمّ أعيدت لتفي بغرض المجتمع الإنقليزيّ فظلّت في طقوسها كأنّها كاثويكيّة أو أرثوذكسيّة ولكنّها استقلّت عن هذين المذهبين.
إنّ الدين واحد ولكنّ الأمم متعدّدة. وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسّك كلّ واحدة بكلّ عقيدة أو بأية عقيدة، سواء أكانت دينيّةً أو غير دينيّة، لتحافظ على استقلالها الرّوحيّ فلا تخضع لأمّة أخرى بواسطة السّلطة الرّوحيّة الدّينيّة ولذلك ظلّت إسكتلندة كاثوليكيّةً لكي تحتفظ بشخصيّتها القوميّة، فلا تذوب في إنقلترا، وما يقال في إسكتلندة يقال في إرلندة. وهكذا لجأ الفرس إلى الشّيعة ليحدثوا انقساماً يتخلّصون فيه من سيطرة سورية الأمويّة وليستعيدوا استقلالهم ونفوذهم الرّوحيّين والماديّين، وتابع العراق الفرس لتصبح السّيطرة فيه، وتمسّكت سورية بالسنّة لكي لا تذوب في العراق وبلاد فارس.
أمّا الدين من الوجهة العقليّة فهو نوع من أنواع الفلسفة في تعليل مظاهر الكون وتقدير نهايته ومصير النفّس البشريّة. ومع أنّ جميع الأديان الكبرى تجمع على فكرة أساسيّة واحدة، هي فكرة الله وخلود النّفس والعقاب والثّواب فهي تختلف في جزئيّات تتعلّق بالمناقب والأخلاق بالنّسبة إلى البيئة الّتي ينشأ فيها كلّ دين وحاجة الحياة لتلك البيئة. ثمّ تأتي المذاهب والشّيع لتعدّل الدّين من هذه الوجهة ليلائم حاجات ومصالح مجتمع خاصّ أو مجتمعات خاصّة. ونحن نعتقد أنّ إيوانوف قصد المذهب حين قال الدّين فجعل المذهب ديناً قائماً بذاته وهو من باب تسمية الجزء بالكلّ أو الفرع بالأصل.
إنّ في المجتمعات الإنسانيّة نزعةً إلى إكساب العقائد العامّة صبغات وألواناً وأذواقاً من خصوصيّات شخصيّاتها. فكلّ مجتمع يحبّ أن يرى نفسيّته وشؤونه الخصوصيّة في معتقداته ومذاهبه، أي أن يطبع المذهب العامّ أو المشترك بطابع شخصيّ. فالمجتمع الرّوسيّ، مثلاً، قد أدخل في الأرثوذكسيّة الشيء الكثير من شخصيّته وخصوصيّاته الاجتماعيّة. فالتّرانيم والأجواق الكنسيّة وتقبيل الأقارب والأحباب ثلاثاً، والأعياد ومظاهرها القوميّة، هذه الأشياء الثّانويّة بالنّسبة إلى الاعتقاد بالله والخلود والمسيح لها الشأن الأوّل في نفسيّة المجتمع وهي هذه الأسياء الّتي لها قيمة قوميّة في حياة المجتمع، أشياء تقليديّة صبغ المجتمع الدّين بها فأصبحت تقاليد دينيّةً قوميّةً.
أرادت الجامعة الدّينية أن تحول دون نشوء الأمم ولكنّ الأمم عدّلت الدّين ليوافق نزعاتها القوميّة. وبهذا المعنى صار الدّين ويصير عنصراً من عناصر القوميّة. وفي الأمم، الّتي تتعدّد فيها الأديان أو المذاهب تكون القوميّة الدّين الجامع ويعود الدّين إلى صبغته العامّة وعقائده الأساسيّة المتعلّقة بما وراء المادة.
إنّ شرط كون الدّين عنصراً قوميّاً أن لا يتضارب مع وحدة الأمّة ونشوء روحها القوميّة فإذا فقد هذا الشّرط زالت عنه صبغته القوميّة وعادت له طبيعته العامّة.
ومن العناصر الّتي يعدّدها إيوانوف الوحدة السّياسيّة والتّاريخ والأدب وطريقة الحياة والمظاهر الثّقافيّة العامّة. أمّا الوحدة السّياسيّة فهي التّاج الّذي تتوّج به الأمّة نفسها وتحصل به على اعتراف الأمم الأخرى بحقّها في الحياة وكرامتها الشّخصيّة. ولكنّ الوحدة السّياسيّة ليست شرطاً للأمّة ولا عنصراً من عناصرها ولكنّها ضرورة من ضرورات الأمّة ليكون لكيانها الاجتماعيّ ــــ الاقتصاديّ قيمة حيويّة عمليّة. كلّ أمّة تتجه بطبيعة وجودها إلى إنشاء دولة تضمن لها سيادتها وحقوقها الأنترنسيونيّة.
وأمّا التّاريخ فهو سجل مجرى حياة الأمّة، وخطورته هي في القوميّة، في روحيّة الأمّة ووجدانها، لا في الأمّة بعينها. فإنّ ذكريات ما قامت به الأمّة وما عانته تقوّي الوجدان القوميّ. ووحدة الأمّة هي الّتي تعيّن التّاريخ القوميّ. فلولا ما حدث من وحدة الإغريق بعد الإسكندر لظلّ تاريخ الإغريق تواريخ أثينة وإسبرطة وطيبة ومكدونيا أو تواريخ الدّوريّين واليونانين والهلينيين، إلخ.
وأمّا الأدب فقد ذكرناه في باب اللّغة .
وأمّا طريقة الحياة فمن مميّزات الأمّة النّاشئة في بيئة معيّنة تقدّم إمكانيّات معيّنةً من زراعة وصناعة وسلك بحار وتجارة وتفصيلها في باب العادات والتّقاليد.
وأمّا المظاهر الثّقافيّة العموميّة فتشمل جميع ما ذكر من لغة ودين وعادات وتقاليد وتاريخ وأدب وهي كلّها من مظاهر المتّحد الاجتماعيّ الأتمّ الّذي هو الأمّة.
ومع أنّ تفصيل المظاهر الثّقافيّة قد مرّ معنا فيحسن بنا أن نعرض هنا لشيء أدقّ من المظاهر الثّقافيّة ولم يذكره إيوانوف ولا منتشيني ولكنّ الكتّاب الاجتماعيّين يوردونه في أدلّتهم على الأمّة، وهو الثّقافة أو وحدة الثّقافة. والثّقافة هنا بمعنى Culture وهي مجمل العلوم والفلسفات الّتي تتناول الحياة وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوًى عقليّ واتّجاهات فكريّة واعتقادات مناقبيّة وإدراك للشّؤون النّفسيّة والمادّيّة.
الحقيقة أنّ طبيعة الثّقافة عامّة كطبيعة الدّين. وإنّما قد مرّ على العالم أدوار ثقافيّة سمّي كلّ دور منها باسم الشّعب الّذي قام به أو اللّغة الّتي كانت واسطته. فإذا تكلّمنا عن الثّقافة السّوريّة عنينا بها الدّور الذّي قام به السّوريون في ترقية الثّقافة العامّة وهو دور الجمع بين الزّرع والغرس وسلك البحار والتّجارة وإنشاء الحروف الهجائيّة والدّولة المدنيّة وخصوصاً العناصر الأربعة الأخيرة، كما تقدّم معنا آنفاً. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة الإغريقيّة عنينا بها الفلسفة والفنّ اللّذين أنشأهما الإغريق وأعطوهما للعالم. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة العربيّة عنينا بها ترقية العلوم التي اشتركت فيها العناصر الداخلة في نطاق اللغة العربية، كالحساب والهندسة والطّبّ والكيمياء. وإذا تكلمنا عن الثقافة العصريّة عنينا بها الدّور الأخير الّذي تشترك فيه الأمم المتمدّنة واللّغات الحيّة كلّها مع الاحتفاظ بالألوان أو الصبغات القومية لبعض نواحي الثّقافة.
إذن، ليست الثّقافة شيئاً خاصّاً، بل شيئاً عامّاً يتفاوت في الدّرجات بين الأقوام. فالسّوريّون والإنقليز والألمان والفرنسيّون والمصريّون وجميع الأقوام المتمدّنة يشتركون في ثقافة واحدة عامّة دورها هو الدّور العصريّ. ولكنّ كلّ أمّة من هذه الأمم تحتفظ لنفسها بأسلوبها الأدبيّ أو الفنيّ الخاصّ في ما تعطيه لهذه الثّقافة. ويجوز أن يكون لكلّ أمّة بعض مظاهر ثقافيّة خاصّة.
إذن لا تعيّن الثّقافة الأمّة ولكنّ درجة الثّقافة تكون فارقاً بين أمم وأمم. والسّبب في هذا الفارق اقتصاديّ جغرافيّ قبل كلّ سيء، حيثما وجدت المؤهّلات الرّوحيّة.
بقي في تحديد منتشيني عبارة قويّة هي كون الأمّة مجتمعاً طبيعيّاً من أبرز صفاته خضوعه للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ.
هذه هي نقطة الابتداء الحقيقيّة الأساسيّة لوجود الأمّة ولتعريف الأمّة. شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع كلّه وتنبّه فيه الوجدان الاجتماعيّ، أي الشّعور بوحدة الحياة ووحدة المصير فتتكوّن من هذا الشّعور الشّخصيّة الاجتماعيّة بمصالحها وإرادتها وحقوقها.
كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ (انظر ص 122 و123).
الأمّة متّحد اجتماعيّ أو مجتمع طبيعيّ من النّاس قبل كلّ شيءّ آخر. وكلّ ما مرّ آنفاً من العناصر هي أوصاف للأمّة ناشئة من مجرى حياتها وتاريخها وهي قابلة التّطوّر والتّكيّف. فقد تتعاقب الأديان ويتحوّل الأدب وتتبدّل العادات وتتعدّل التّقاليد وترتقي الثّقافة في أمّة من الأمم من غير أن يشوب سنّة نشوء الأمم شائبة، ومن غير أن ينتفي وجود الأمّة، إلى أن تزول الأمم والقوميّات من الوجود ويصبح العالم كلّه متّحداً اجتماعيّاً واحداً لا تفصل ببينه فواصل أرضيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة.
لقد عرّفنا المتّحد الاجتماعيّ في مكان آخر (ص 181 و186 و187) فراجعه هناك. وممّا مرّ في بحثنا في تعريف الأمّة وعناصرها يمكننا أن نستخلص قاعدةً عامّةً لتعريف الأمّة تعريفاً غير خاضع لتأثير واحد معيّن من تاريخ أو أدب وهي:
الأمّة جماعة من البشر تحيا حياةً موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات.

الإثم الكنعاني
ما دمنا قد بلغنا حدّ الوجدان القوميّ الّذي هو أبرز الظّواهر الاجتماعيّة العامّة العصريّة فقد بلغنا هذا الدّين الاجتماعيّ الخصوصيّ الّذي أعطى الكنعانيّون فكرته الأساسيّة للعالم ونُعت في بعض الظّروف بالخديعة الكنعانيّة(24) أو الإثم الكنعانيّ. ومن الهامّ جداً للعلم الاجتماعيّ أن نستقصي سبب نسبة الرّابطة القوميّة المؤسّسة على فكرة الوطن إلى السّوريّين الكنعانيّين، لأنّ هذا الاستقصاء يساعدنا على فهم هذه الرّابطة الرّوحيّة المتينة. ولا بدّ لنا من الاعتراف بأنّنا لم نقف في ما طالعناه من كتب التّاريخ والاجتماع على سوى هذه الإشارة السّريعة إلى أصل الوطنيّة الكنعانيّ ومع ذلك فلن يصعب علينا اكتشاف السّبب بدرس أحوال الكنعانيّين الاجتماعيّة والسّياسيّة.
إنّ الكنعانيّين، من بين جميع شعوب التّاريخ القديم، كانوا أوّل شعب تمشّى على قاعدة محبّة الوطن والارتباط الاجتماعيّ وفاقاً للوجدان القوميّ، للشّعور بوحدة الحياة ووحدة المصير، فارتحلت جماعة منهم من حوالي البحر الميت إلى الشّمال الغربيّ ونزلت على السّاحل أمام لبنان وعرفت في التّاريخ باسم الفينيفيّين الذي أصبح أشهر من اسم كنعان ولكنّها ظلّت محافظةً على نسبها الكنعانيّ فظلّ الفينيقيّون يسمّون أنفسهم كنعانيّين.
أنشأ الفينيقيّون (الكنعانيّون) الدّولة المدنيّة فكانت طرازاً جرى عليه الإغريق والرّومان. ومع ما نشأ عندهم من الدّول فإنّهم لم يتحاربوا وظلّوا محافظين على صفة الشّعب الواحد المتضامن في الحياة وكانت زعامة فينيقية تنتقل من مدينةً إلى مدينة، من دولة إلى دولة بعامل التّقدّم والكبر وازدياد المصالح والنّفوذ كانتقال الزّعامة من مدينة صيداء إلى مدينة صور الّتي أسّست أوّل امبراطوريّة بحريّة في التّاريخ.
وباكراً أسّس الفينيقيّون الملكيّلآ الانتخابيّة وجعلوا المَلك منتخَباً لمدّة الحياة فسبقوا كلّ الشّعوب والدّول التاريخيّة إلى تأسيس الدّولة الدّيمقراطيّة. وما الدّولة الدّيمقراطيّة سوى دولة الشّعب أو دولة الأمّة. هي الدّولة القوميّة المنبثقة من إرادة المجتمع الشّاعر بوجوده وكيانه.
وإنّ [مبدأ] المحافظة على الرّباط الوطنيّ القوميّ عند الفينيقيّين ظلّ ملازماً لهم في انتشارهم في طول البحر السّوريّ وعرضه وفي المستعمرات والامبراطوريّات الّتي أنشأوها فظلّت الحقوق المدنيّة في الزّواج والاختلاط وجميع المظاهر الاجتماعيّة والثّقافيّة واحدةً لهم جميعاً ولم يكن هنالك استثناء إلا في الحقوق السّياسيّة.
ومع أنّ الفينيقيّين (الكنعانيّين) أنشأوا الامبراطوريّة البحريّة فإنّ انتشارهم كان انتشاراً قوميّاً بإنشاء جاليات استعماريّة تظلّ مرتبطةً بالأرض الأمّ، وتتضامن معها في السّرّاء والضّرّاء. كان انتشارهم انتشار قوم أكثر منه اتّساع دولة. وإنّ هذا الانتشار مع بقاء الاشتراك في الحياة بالرّوابط الوطنيّة والدّمويّة والاجتماعيّة كان الظّاهرة القوميّة الأولى في العالم الّتي إليها يعود الفضل في نشر المدنيّة في البحر السّوريّ والّتي خبت نارها قبل أن تكتمل بما هبّ عليها من حملات البرابرة الإغريق والرّومان. ومن دلائل هذه الظّاهرة الّتي امتاز بها الكنعانيّون أنّهم لم يدخلوا الأقوام الغريبة الّتي أخضعوها بالفتح كاللّيبيين والإسبان القدماء (الأيبريين) في نظام حقوقهم المدنيّة والسّياسيّة. ومع أنّ ذلك كان من مصادر ضعفهم تجاه تقدّم رومة فإنّه كان دليلاً على روحهم القوميّة ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم.
القوميّة، إذن، هي يقظة الأمّة وتنبّهها لوحدة حياتها ولشخصيّتها ومميّزاتها ولوحدة مصيرها. إنّها عصبيّة الأمّة. وقد تلتبس أحياناً بالوطنيّة الّتي هي محبّة الوطن، لأنّ الوطنيّة من القوميّة ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمّة وأهمّ عنصر من عناصرها. إنّها الوجدان العميق الحيّ الفاهم الخير العامّ، المولّد محبّة الوطن والتّعاون الدّاخليّ بالنّظر لدفع الأخطار الّتي قد تحدق بالأمّة ولتوسيع مواردها، الموجد الشّعور بوحدة المصالح الحيويّة والنّفسيّة، المريد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتّعصّب لهذه الحياة الجامعة الّتي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه.
القوميّة هي الرّوحيّة الواحدة أو الشّعور الواحد المنبثق من الأمّة، من وحدة الحياة في مجرى الزّمان. ليست القوميّة مجرّد عصبيّة هوجاء أو نعرة متولّدة من اعتقادات أوّليّة أو دينيّة. إنّها ليست نوعاً من الطّوطميّة أو نعرة دمويّةً سلاليّةً، بل شعور خفيّ صادق وعواطف حيّة وحنوّ وثيق على الحياة التي عهدها الإنسان. إنّها عوامل نفسيّة منبثقة من روابط الحياة الاجتماعيّة الموروثة والمعهودة، قد تطغي عليها، في ضعف تنبّهها، زعازع الدّعاوات والاعتقادات السّياسيّة، ولكنّها لا تلبث أن تستيقظ في سكون اللّيل وساعات التّأمل والنّجوى أو في خطرات الإنسان في بريّة وطنه أو متى تذكّر برّيّة وطنه.
وإنّ الوطن وبريّته، حيث فتح المرء عينيه للنّور وورث مزاج الطّبيعة وتعلّقت حياته بأسبابها، هما أقوى عناصر هذه الظّاهرة النّفسيّة الاجتماعيّة الّتي هي القوميّة. ماذا تعني القوميّة للسّويسريّ إذا أزلت جبال الألب وبحيراتها؟ وماذا تعني القوميّة للفرنسيّ إذا اختفت سهول فرنسة وتحوّلت أنهرها عن مجاريها؟
والسّوريّ هل يخفق قلبه لجبال الألب أو لصحاري بلاد العرب على ما فيها من مشاهد جميلة؟ أليست سورية هي الّتي ترتاح إليها نفسه ويحنّ إليها فؤاده إذا غاب عنها؟
إنّ شاعراً سورياً مهاجراً ظنّ أنّه قد وجد قوميّته في لدعوة السّياسيّة ــــ الدّينيّة إلى الامبراطوريّة العربيّة أو الوحدة العربيّة أو إعادة مجد العرب. ولكنّه، في ساعة سعيدة من ساعات يقظته النّفسيّة، تنبّه شعوره الدّاخليّ المجرّد عن العوامل السّياسيّة فأدركه الحنين إلى الوطن. على أنّ هذا الحنين لم يكن إلى وطن لا عهد له به، إلى الصّحراء أو مصر أو المغرب، بل إلى سورية. هو الشّاعر إلياس فرحات فانظر كيف تتدفّق عواطفه الصّادقة وشعوره السّليم الفطريّ:

نازح أقعده وجد مقيم في الحشا بين خمود واتّقاد
كلّما افترّ له البدر الوسيم عضّه الحزن بأنياب حداد
يذكر العهد القديم فينادي 
أين جنّات النّعيم من بلادي
زانها المبدع بالفنّ الرّفيع منصفاً بين الرّوابي والبطاح
ملقياً من نسج أبكار الرّبيع فوق أكتاف الرّبى أبهى وشاح
حبّذا راعي القطيع في المراح 
ينشد اللّحن البديع للصّباح 
موطني يمتدّ من بحر المياه ممعناً شرقاً إلى بحر الرّمال
بين طوروس وبين التّيه تاه بجمال فائق حدّ الجمال
ذكره يغري فتاه بالمعالي 
أنا لا أبغي سواه فهو مالي 
وأيّ سوريّ لا يشعر بهزّة نفسيّة حين يقرأ قصيدة «ربّ صُنْ سورية» لأمين تقي الدّين وبأنّ في هذا المقطع روعة الحقيقة:

يا بلادي نعشي غداً سيسير فتغطّيه من رباك الزّهور
ومتى حثّ بي لقبري المسير فلنعشي على الأكفّ صرير
كلّ معناه: ربّ صن سورية
وهنالك شاعر سوريّ آخر كبير هو سليمان البستانيّ مترجم الإلياذة. هذا الشّاعر اغترب وساح كثيراً وأدركته أوصاب الهرم فذهب يستشفي في سويسرة الجميلة. ولكنّ سويسرة لا ترتبط بحياته فهو لا يرى فيها صور نفسيّته ومزاجه وروابط حياته وروحيّته. تأمّل حنينه إلى سورية ومقابلته بين تلول لبنان وجوّه وجبال الألب وهواء سويسرة:
أفقْ ولو حيناً قبيل الرّحيل لم يبق من صحوك إلا القليل
أفقْ فذي شمسك رأد الأصيل
إن آذنت بالعبور
عمّ الظلام 
ونمت عاري الشّعور بين النّيام 
وفاتك الحسّ وسمع الكلام والمنطق العذب ومرأى الجميل
.................
ذكرت لبنان وهاج الحنين فؤادي العاني لذاك العرين
قد عزّ منياه طوال السّنين
فأين تلك الفصول
بلا انحراف 
وأين تلك التّلول
والجوّ صاف 
وأين ماء فيه محي وشاف وأين ذيّاك النّسيم العليل
فهل ترى يفسح آتي الأجل حتّى به تغمض منك المُقل
وأرض سورية محطّ الأمل
ولو زماناً تسير
قبل الفوات 
إلى حماها تسير
تلقي الرّفات 
وأهلها نلفي قبيل الممات بمرتع الرّغد وعيش خضيل

إنّ الإثم الكنعانيّ لا يزال فاعلاً فينا وقد أصبح فاعلاً في العالم كلّه.


هوامش الفصل السابع

(1) قد اصطلحنا على ترجمة: Gemeinschaft, Communauté, Community متحد.
(2) إن اختلاف اللفظ في النسبة إلى الأمة في اللغة العربية قد أدى إلى التباس في المعنى كثيراً ما انتهى بتشويش في الأبحاث. فيجب على القارىء أن يتحاشى ها الالتباس.
(3) غيغر، ص 292 و293.
(4) المصدر نفسه.
(5) [مكيور]، Community ص 22، 23 .
(6) المصدر نفسه ، ص 109.
(7) المصدر نفسه، ص 136.
(8)Franciade ، نظر جوانبه ص 37. وفيما يلي مثال من الفرنسيادة:
Muse, enten - moy des Sommets de parnasse
Guide na langue et me chante la race
De rois françois issus de Francin
Enfant d’Hcotor, Troyen de nation
Qu’on appeloit en sa jeunesse tendre
Astyanax et du nom e Scamandre.
De ce Troyen conte - moy les travaux, 
Guerres, desseings, et combien sur les eaux. 
Il a de fois (en despit de Neptune
Et de Junon) surmonté la fortune
Et sur la terre eschapé de peris (perils)
Ains que avant que) bastir les grands murs de paris.
(9) هو المتشرع الكبير هطمن Hotman .
(10) جوانيه ص 34.
(11)Maurice Barrés يقول في كتابه: Les traits eternels de la France Nous sommes la nation aui, la premiére de toute l’Europe, a eu l’idée qu’elle formait une patrie نقلاً عن جوانيه، ص 32.
(12) جوانيه، ص 226. انظر أيضاً: مكيور Modern State الدولة الحديثة ص 123.
(13) جوانيه، ص 9. 
(14) المصدر نفسه، ص 10.
(15) المصدر نفسه، ص 9.
(16) المصدر نفسه، ص 386.
(17) مكيور، Modern State، ص 123
(18) المسند.
(19) سنعود إلى هذا الموضوع بإسهاب في الكتاب الثاني.
(20) [دلابلاش]، ص 7.
(21) المصدر نفسه، ص 15.
(22) نقلاً عن جوانيه ص 385.
(23) باركر ص 15.
(24) انظر بهذا الصدد أبحاث كبرس، وأبحاث الدكتور شنكلن في الجامعة الأمير كانية.
(25) مثال ذلك غناء موريس أرنط M, Arndt :
So weit die deutsche Zung Klingt
Und Gott in Himmel Lieder singt,
Das soll es sein! Da soll es sein!
Das ganze Deutschland soll es sein.
معناه: يجب أن تشمل ألمانية الكاملة مدى مايرن اللسان الألماني وما يترنم الله في السماء!
(26) هرتس، ص 162 نقلاً عن قوبنو. انظر أيضاً أفلاطون، الجمهورية، الفصل الثالث.
(27) إن حكاية مجيء الفينيقيين من خليج العجم أو البحر الأحمر ليست موثوقاً بصحتها وقد أصبحت ساقطة بعد الأدلة الجديدة المثبتة ما ذكرناه آنفاً. ماير (ج 2 ف 356 الحاشية) يذكر نفي مجيء الفينيقيين من البحر الأحمر أو جزائر البحرين وإن كان كيتاني قبل القول بمجيء الفينيقيين من خليج العجم (كيتاني، ج 1. ص 185).

 

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.