إلى وليم بحليس

 [23 أو 24/9/1941]


رفيقي العزيز وليم بحليس،
تسلمت اليوم كتابك الأخير المؤرخ في 20 سبتمبر/أيلول. وأتمنى أن تكون صحتك قد صارت كما يجب فهي أساس الأعمال.
الشركة البرقية: كنت أتوقع أن أجد في كتابك نتيجة المقابلة مع الشخص المعيّن من قِبل الشركة التي نقلت خبر انتقال محمد سعيد [مصون عابدين]. ولكني لم أجد شيئاً من ذلك ولعله سهو. فأمر من هذا النوع قد يكون ظاهره بسيطاً وغير هام، ولكن قد تكون في باطنه أمور هامّة، وإني آخذ عليك عدم إبلاغي في الحال أنّ الشركة عيّنت لك شخصاً للاتصال، فمثل هذا الأمر ما كان يجب أن يغفل.
إذا كنت قد اتصلت بالشخص فيمكنك أن تظهر له أسفك من عدم التفاهم والتعاون مع الحركة القومية، وتبيّن له أنّ الطرق الإذاعية التي سلكتها الدولة فيما يختص بسورية كانت حابطة، لأنها اعتمدت العناصر الرجعية ولم تصل إلى نتيجة مع العناصر القومية المجددة التي عليها وحدها يتعلق الأمل بإحداث تغيير ما في سورية والشرق الأدنى، لأنها العناصر الفاعلة بينما العناصر الرجعية لا تفعل غير الكلام وقد أصبحت ممقوتة من الشعب. واذكر له استهزاء الناس بكتابات شكيب أرسلان السخيفة. وقل له إنك كنت تود أن ترى سياسة الدولة وإذاعتها تتجه بالأكثر إلى التفاهم والتعاون مع الحركة السورية القومية، وإنك ترغب في مقابلة أحد المراجع لتبلّغه رأيك ووجوب تغيير السياسة، وإنّ سياسة شكيب أرسلان والعناصر الرجعية مثله قد حبطت في جميع المهاجر السورية، وإنه إذا كانت مدينة الرسائل [برلين] راغبة في عدم خسارة كل ميل السوريين عنها وعن سياستها، فلا أفضل لذلك من تأييد النهضة السورية القومية والتعاون معها، لأنّ الشعب لا يرى خيراً إلا بها.
مهمة المرّ: إني أعلم جيداً ما هي مهمة السفراء. فكل سفير مختص بدولة وبنطاق محدود. ولكن هذا لا يمنع أن يكلف أحد السفراء بصورة خاصة بالقيام بمفاوضة أو مخابرة خارج نطاق صلاحياته الأولى. ولا شك في أنّ هذه المسألة عائدة إلى وزارة الخارجية. فلو أبدى السيد المرّ وغيره آراءهم ورغبوا نقلها إلى الوزارة المذكورة لكان في ذلك فائدة.
السياسة البريطانية: لا تريد هذه السياسة توسيع شقة الخلاف مع فرنسة . ومع أنها هي التي افتتحت شمال سورية فإنها لم تظهر إلا بمظهر الحليفة لــ«فرنسة الحرة» لكي تظل محافظة على العلاقة مع فرنسة وهي تكون مستعدة، في هذه الظروف، للتضحية بسورية وبغيرها لقاء استعادة فرنسة إلى ناحيتها. وفرنسة أهم لها الآن من سورية ، ولذلك ليس من المنتظر أن تغيّر بريطانية موقفها بالنظر لما يظهر من حزب سوري مهما برهن أنه أقوى من غيره أو أقوى منزلة عند الشعب (هذه الفقرة لاطلاعك وليس لاطلاع المرّ).
مسألة سفري إلى الوطن: إني أكون مستعداً للسفر في أية دقيقة يتم فيها التفاهم بيني وبين المفوضين البريطانيين، أو بين هؤلاء ومفوضي الحزب في الوطن، فإذا كانت للبريطانيين رغبة وأحبوا أن تكون المخابرة في الوطن فيمكنهم أن يبدأوا هناك ويسمحوا للمفوضين القوميين بمخابرتي للعودة في حالة حصول التفاهم. فالزعيم يعود إلى الوطن حسب اتفاق يؤمن سلامة وصوله وحريته. وبدون هذا الاتفاق فإني حر لأسافر ساعة أشاء وبالطرق الخاصة.
الرفيق فؤاد [لطف الله]: إني أعلم صعوبة العمل النظامي المقيد لعدد كبير من أفراد شعبنا المتنورين. ولكن المقتنعين بصحة المبادىء وصلاح الحركة القومية لا يشكّلون معضلة لا تحلّ. فالأمر يتوقف على جوابهم على هذا السؤال البسيط: لندع جانباً تعيين المدة التي يمكن فيها تحقيق القضية السورية. وبما أنكم مقتنعون بأنّ القضية الصحيحة هي في الحركة السورية القومية، وأنّ الطريقة الوحيدة لتحقيقها هي التي تقدّمها هذه الحركة، فهل أنتم مستعدون لمساعدة هذه الحركة؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب وظهر الاستعداد فالأمر هين، إذ يمكن تأليف فرقة أو هيئة من هؤلاء الأشخاص يطلق عليها «فرقة أو هيئة المحبذين للنهضة السورية القومية» ويمكن هذه الفرقة أن تعمل تحت إدارة أحد القوميين أو مستقلة بإدارتها. ولكن تتصل بالزعيم أو بمرجع يعيّنه الزعيم ليأتي عملها حسب المرغوب أو المطلوب ولتسهيل مهمتها وتسلّم ملاحظاتها وإعطائها التوجيهات التي ستحتاج إليها. فأعترف بها وبعملها وتسجّل لها مساعيها بشكر وفخر، وتخلّد لها في الأمة الروحية السامية التي دفعتها إلى العمل. ومتى كتب إليّ الرفيق فؤاد أجيبه ويمكنك أن تطلعه على رأيــي منذ الآن. ويمكن الفرقة المذكورة أن يأخذ أفرادها عهداً بالعمل لمناصرة الحركة القومية والمحافظة على مبادئها. ويمكنهم أن يناصروا بدون عهد أو قسم بل بتطوع غير مربوط.
سان باولو: إذا أمكن تنظيم هيئة تتمكن من إدارة الفروع فالأفضل توحيد الفروع في مركزها، أي في مدينة سان باولو وهو الأوفق. وعلى كل حال فالأفضل الآن جعل سان باولو راجعة لسان باولو حتى إشعار آخر.
الزوبعة: إذا أمكن فتح اكتتاب للزوبعة لإنشاء رأسمال يمكّنها من تكبير قطعها وزيادة صدورها كان حسناً. وبهذه المناسبة أحب أن أعلم ماذا سيعمل الرفيق جورج [بندقي] بأمهات الحروف العربية فهل يجد شغلاً كافياً لها هناك أو يحب بيعها. فإذا كان لا شغل كثيراً لها هناك بسبب وقوف الصحف فيكون من الموافق تحويلها إلى الزوبعة لتستقل بطباعتها ولا يكون هناك مراقبة على سياستها وإدارتها. وسأرسل إليك قائمة بالمشتركين لتطالبهم وليدفعوا مقدماً وعلى هذه الطريقة يجب السير.
الرفيق جبران مسوح أحسن الآن ولكن قد يحتاج لاجتياز عملية وصحته كما هي لا تمكّنه من أن يكون عوناً في الإدارة كما يجب، وإذا بقيت حالته على هذه الكيفية فإنّ الزوبعة ستواجه أزمة الحاجة إلى مدير مقتدر يؤمن انتظام شؤونها، خصوصاً في حالة تكبيرها وزيادة صدورها.
وشايات: إنّ أخبار الوشايات قد تكون صحيحة ولا غرابة فيها. والاحتياط هو دائماً ضروري. وإذا كان قد بلغ دائرة المراقبة أسماء معيّنة فيحسن اختيار بعض أعضاء غير ظاهرين أو غير بارزين ليكونوا «مراكز بريدية»، وفي الوطن كانت تلجأ بعض الفروع إلى اتخاذ صناديق بريد لأسماء وهمية تأتي الرسائل لها على عنوان معيّن. ولكننا كنا نؤمّن، في الوطن، بريداً خصوصياً بواسطة سائقي السيارات وبواسطة المتنقلين، إذ يجب على كل عضو متجول أو على أهبة السفر أن يتقدم إلى الإدارة لتكلفه بما يلزم. وقد نحتاج في المهجر إلى إنشاء مفاتيح جفرية للشؤون الهامّة.
«جنون الخلود»: قد يكون الأفضل جعل أقلّ عدد يطبع خمسة آلاف لكي يرسل منها إلى الوطن ومصر والعراق بعد الحرب، لأنّ البحث يجب أن يصل إلى الشبيبة القومية في الوطن حيث تكون النتيجة أكبر.
اقتراحات: يقترح بعض الرفقاء هنا اختيار لجنة من هذه المدينة تقوم بجولة على السوريين وتحثّهم على مساعدة الحركة القومية وتجمع تبرعاتهم. وبعضهم يقترح أن يصير مثل ذلك في المهاجر الأخرى، لأنه قد آن للناس أن يتحركوا في سبيل الحرية. والرفيق إدوار [سعاده] يقترح إيجاد حركة جمع «إعانة للشتاء في الوطن» أو ما شاكل، والاقتراح وجيه وإذا ضم هذا الاقتراح إلى مشروع فرقة المحبذين فيمكن حصول نتيجة تذكر. والمشروع هنا يقتضي تحريك الصحافة وهي لا يحركها غير المال وسنرى.
حالما تصل ترهات الهدى أنظر فيها.
سلامي لك وللعائلة وللرفقاء. ولتحيى سورية .
بعد: أريد أن ألفت نظرك إلى أمر الزوبعة التي أصبحت الآن واسطة الإذاعة الوحيدة للنهضة القومية. فهي على صغرها واقعة تحت عجز مالي على نسبتها. ومكتب الزعيم في عجز دائم. فالجالية هنا منتشر الفساد فيها انتشاراً مريعاً، خصوصاً في هذه المدينة التي جمعت طائفة من أحط الناس. ولكن يوجد عناصر جيدة أيضاً، وإنما عدم وجود معاون لي يجعل الاتصال بهذه العناصر صعباً، إذ لا يليق ولا يفيد اتصال الزعيم مباشرة بالأوساط. والرفيق مسوح هو كاتب فقط ولا يمكنه أن يكون أكثر من ذلك، ولا يمكنه أن يكون صحافياً سياسياً. ولذلك ففائدته محصورة في مقالاته الشعبية الممتازة. وإذا كان يجب تكبير الجريدة فسنحتاج إلى مال وإلى شخص للإدارة، خصوصاً وحالة الرفيق مسوح الصحية ليست حسنة، وهو اليوم طريح الفراش منذ أمس، وقد أرسلت إليه طبيباً وذهبت ووقفت على نتيجة الفحص. والأمر يتعلق بنزيف دم داخلي، لا يعلم الآن إذا كان مصدره من الكبد الذي كان يشكو حصى فيه أو من قرحة في المعدة أو الاثني عشري. وقد تكون مسألته دقيقة. ولكنه ليس تحت الخطر الآن. وهذا الأمر ليس جديداً معه ولكنه متهاون، ولسان حاله ترك الأمور تجري في أعنّتها من الناحية الصحية.
ولا أكتمك أنه إذا استمرت الحال على هذا المنوال فسيتوجب عليّ إعادة النظر في الموقف وفي حالتي الخصوصية.
«جنون الخلود»: سرّتني جداً حمية الرفيق فؤاد القومية واستعداده لتأمين طبع هذه المقالات. وإني أفضّل طبعها في مطبعة الرفيق جورج بعد أن تحررت من سلطان الامبراطور فؤاد وصارت خاصة به، على شرط أن يرسل إليّ مسودتين من كل ملزمة، الأولى قبل التصليح والثانية بعد التصليح، لألقي آخر نظرة عليها وأتحقق من كمال التصليح قبل الطبع. وقد كنت أُفضّل لو أنّ السيد باسيل يافث يطبع الكتاب من غير حاجة إلى إشهار الأمر فيترك ذلك إلى وقت مناسب. فيمكننا تحويل ما يتبرع به الرفيق فؤاد أو السادة أسعد لطبع مجموعة خطب الزعيم ومقالاته الضرورية لإبقاء المجرى الأساسي للأفكار القومية مستقيماً.
إنّ ما سيصدر من المقالات في المسيحية والإسلام سيكون هاماً جداً للتفكير القومي ولمعالجة المشاكل الروحية ـــ الاجتماعية في الأمة السورية. ولولا ضيق الوقت معي وحراجة الظروف السياسية لكنت وسّعت البحث ودققت أكثر في التفاصيل. ولكن المجال الذي حددته يكفي لإيضاح الطريق وتعيين الحل. والأقلام القومية تتكفل فيما بعد بزيادة الحجج وتوسيع النطاق.
[غير مؤرخة في الأصل].

المزيد في هذا القسم: « إلى وليم بحليس إلى كامل عواد »

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.