إلى نصوح الخطيب

13/7/1938

عزيزي نصوح،
بعد إرسال كتابي إليك بالبريد الجوي الأخير كثر تفكيري حول الصراع بين الصلاح والشر، وقد حلمت أمس حلماً غريباً رأيت أن أروي لك قصته. فقد رأيت في منامي أنّ جماعة رأت الفساد يعم البلاد فاجتمعت على محاربته وجعل الصلاح سائداً. وأنشأت هذه الجماعة حزباً. أما الفساد فكان له شركات تعمل لتأييد دولته وابتدأت هاتان القوتان تتصارعان. فما إن أحست شركات الشر بنشوء حزب الصلاح حتى أخذت المؤامرات السرية تدبّر لإهلاك هذا الحزب. واتفق أن انخرط في سلك جماعة الصلاح رجل من أهل السوء باشا في الخديعة والنميمة. فبعد الاحتكاكات الأولى بين جماعة الخير وجماعة الشر، تحركت في رجل السوء عوامل الانحطاط الأصلي فباع نفسه لشركات الفساد وظل يتظاهر بالصلاح ليكيد لجماعته سرًّا.
ولمّا كانت جماعة الصلاح تعدّه واحداً منها ولم يكن أظهر في السابق شيئاً من طويته السيئة لم تشك به وسلمت إليه شيئاً كثيراً من أسرارها. ولكن أعمال هذه الجماعة أخذت تسوء في المدة الأخيرة وأصبحت في مأزق حرج.
فخططها التي كان يتحتم نجاحها كانت تصاب بالشلل، فتعود الجماعة إلى فحص الخطط ودرسها فتجدها محكمة غير قابلة للفشل، ولكن لا يصبح الصباح حتى تفاجأ بحركة جديدة من جانب شركات الفساد تعطل هذه الخطط.
وقد سبب هذا الأمر نكبات عظيمة وقاست جماعة الصلاح الأهوال. وأخيراً تنبه واحد من جماعة الصلاح إلى هذا السيئ المندس بينهم واكتشف سوء طويته وبعض أعماله الأثيمة. فحالاً اجتمع ثلاثة رجال من أهل الصلاح وتداولوا في الأمر. فقال واحد، يؤنب السيئ ويقصى.
وقال الثاني، بل يقتل غيلة ونمشي في جنازته، إذ يكون قد سقط في سبيل الواجب.
وقال الثالث، بل يرسل إليه واحد يراه في الطريق وحده فيدعوه لمقابلة أحد المسؤولين في الحال ولا يترك له مجالاً للاتصال بأحد، وعند مجيئه يقبض عليه وينقل سراً في الليل إلى مكان معيّن، ويكون فاقد الوعي فيصحو ليجد هيئة محكمة مهيبة جالسة لتحاكمه، فتوجه إليه تهمة خيانة الجماعة وإيقاعها في يد شركات الفساد وإعطائها جميع معلومات الحركة، فإذا أنكر يحرج مركزه بالسؤالات ثم يعذب حتى يعترف بكل شيء، وحينئذٍ تحكم عليه المحكمة بالإعدام فيقتل رمياً بالمسدس وتخفى جثته في مكان لا يمكن الاهتداء إليه. وكان وجه أحد الثلاثة يشبه وجه القائم في الساحل الشمالي، ووجه الثاني كوجه رئيس الدائرة التنفيذية في المكتب المختص، ووجه الثالث وديعاً.
وفيما الثلاثة لا يزالون يقلبون المسألة والقائلان بالعقاب الأقصى يشددان على وجوب قطع دابر الشر من جماعة الصلاح على الخصوص، وأن الإجراءات الضعيفة الناقصة لا تفيد شيئاً، استفقت من حملي، وقد فكرت كثيراً في هذه الرؤيا الغريبة وما هي علاقتها بالحوادث الجارية.
فما رأيك وما رأي الثلاثة في هذه المسألة أو هذا اللغز؟ ولماذا يجب أن أرى هذا الحلم الآن؟ وأنا أعتقد أن المسألة تافهة فولع سيجارة بهذه الورقة!

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.