إلى رئيس المجلس الأعلى


2/7/1938

حضرة رئيس المجلس الأعلى،
سرّني جداً أن أتسلم أمس البريد الأول الذي أرسل إلى المحطة الأولى بعد خرووجي. وقد جعلتني المعلومات الواردة فيه أتبيّن الموقف الأول الذي كنت في حاجة ماسّة لمعرفته. ومن الأخبار الأولى الواردة في رسالتكم اتضح لي جلياً صحة تقديري الموقف والظروف قبل مغادرتي. فلو أني ترددت أو أبطأت لكنت الآن غنيمة باردة لأعدائي وأعداء الأمة. إنّ مداهمة مكتب الحزب في صباح الإثنين بينما كان يُنتظر قدومي ومعي نعمة [ثابت] إلى دار القضاء لدليل قاطع على صحة المعلومات التي تلقيتها وعلى خطة المؤامرة المدبّرة بدقة لضرب الحزب على اليافوخ. وأعتقد أنّ خطتهم التنفيذية كانت كما يلي:
1 ـ يُنتظر أن يأتي الزعيم إما إلى دار القضاء لإعطاء «شهادة»، وإما إلى مكتب الحزب لانتظار معلومات.
2 ـ في كلتا الحالتين يداهم مكتب الحزب ويستولي على ما فيه من أوراق ووثائق، وإذا كان الزعيم موجوداً قُبِض عليه لوجود أدلّة تثبت وجود الحزب، وإذا كان الزعيم قد جاء إلى دار القضاء فتؤخذ الأدلة المثبتة وجود الحزب إلى تلك الدار فتكون سبباً كافياً لإصدار مذكرة توقيف بحقي بحجة التحقيق في وجود الحزب ومقاصده وعلاقاته، الخ.
أما وجهة نظر عبد الله [قبرصي] فواهية، بل صبيانية. وعبد الله لا يصرف وقتاً في درس قضية الحزب السياسية والتبصّر في مؤامرات أعداء النهضة القومية. ومن هذه الجهة لا يمكن الأخذ برأيه. وإني مرسل إليكم مع هذا الكتاب كتاباً إلى عبد الله فليسلّم الكتاب لعبد الله بعد أخذ نسخة منه تحفظ عنده رئيس المجلس الأعلى لحين الحاجة. ويمكن أن يأخذ المجلس الأعلى علماً بورود جواب إلى عبد الله مع الاحتفاظ بتبليغهم مضمونه حين تدعو الحاجة.
المجلس الأعلى: سرّني كثيراً شعور أعضاء المجلس الأعلى بالمسؤولية الخطيرة الملقاة على عواتقهم وظهور استعدادهم للاضطلاع بها. وأريد أن أهنئ المجلس بانتخابه الأمين النصوح رئيساً له، ليس من أجل أنكم أقلّ تعرّضاً من غيركم للاعتقال، بل من أجل المزايا والمواهب العالية التي تتحلون بها والتي أقدّرها قدرها، وأطلب من جميع أعضاء المجلس أن يشاركوني في هذا التقدير.
صلاحيات المجلس الأعلى: أوافق على اجتهاد المجلس في تعيين صلاحياته التطبيقية. أما الإبهام في المرجع التنفيذي الأعلى عندما لا يمكن الاتصال بالزعيم فلا يمكن أن يكون هنالك ما يدعو إليه، لأنّ التنفيذ يكون تنفيذ سياسة وتنفيذ تشريع وهو من صلاحية مجلس وكلاء العمد، ويكون من صلاحية المجلس الأعلى تقرير السياسة وتقرير التشريع واتخاذ التدابير اللازمة لمراقبة التنفيذ والتثبت من صحته عملياً.
أما إذا كان القصد من الإبهام في القرارات السياسية والتشريعية، فحين تعرض قضايا خطيرة مستعجلة لا تتمكن من انتظار الاتصال بالزعيم فالمجلس الأعلى يتخذ صلاحية التقرير النهائي ويحمل مسؤولية ذلك. وإني أعطي المجلس الأعلى صلاحية واسعة من هذا القبيل في كل الظروف التي لا يمكن معها انتظار الاتصال بي. وفي كل مقررات المجلس الأعلى يخضع المجلس للاتجاه السياسي ـ الإداري العام ولتوجيهات الزعيم.
الحالة السياسية الداخلية: إنّ مراجعة بعض مقالاتي السياسية الخارجية والداخلية في النهضة تظهر جلياً أني كنت أشعر باتجاه جديد في سياسة الانتداب على سورية، وهذا يمكن مراجعته في مقالة «أمصير المستعمرات مصيرنا؟» (انظر ج 3 ص 209) وما يليها وفي المقالات التي كتبتها في الأعداد الأخيرة تحت رأي النهضة (انظر ج 3 ص 268) في صدد «الكتلة الوطنية» وهذا الاتجاه الجديد وما يجرّه من اتفاقات وعقود إنترناسيونية يتضارب تضارباً كلياً مع اتجاه عملنا القومي. وقد كنت دائماً أصرّح بأنّ السلم بيننا وبين «الحكومة» ليس سوى هدنة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، لأنه سلم غير مبني على تفاهم واتفاق، بل على سعة الحيلة من الجانبين.
وإنّ موقفنا من التطور السياسي الجاري على طريقة اكتساب الوقت ريثما تتم العقود الإنترناسيونية المنتظرة، خصوصاً في حالة «الكتلة» ولواء الإسكندرونة، وتحركنا في النقمة على هذا التطور والضرب على أيدي مؤيديه، أحرج موقف الجماعة بقدر ما أخذ يوجد لنا مكانة سياسية في قلب الشعب وأوساطه. وليس من المعقول أن يكون حادث المجرم جورج حداد سبباً كافياً لتعطيل النهضة إلى أجل غير مسمى على الرغم من أنّ وزيرين أكدا لنا أنها لن تعطل.
فالتوتر نتيجة تطور التضارب السياسي الأساسي. إني أشك كثيراً في إمكان الوصول إلى تفاهم مع أي حزب أو فئة سياسية في الوطن، لأنّ لجميع الأحزاب والفئات أغراضها الخاصة وصلاتها وليس في شيء منها ما يمكن أن يتفق مع سياسة الحزب القومية المستقلة. ولكن ضمن هذه الأحزاب والفئات يوجد أفراد وجماعات تكون مستعدة للتفاهم معنا حالما نضع برنامجاً عملياً للكفاح، وهذا ما أفكر فيه الآن.
إذن أرى أنّ عمل الحزب السياسي يجب أن يكون مناورة محكمة مع الأحزاب ودفعها في بعض الاتجاهات، أو إيجاد استعداد معيّن فيها للعمل في اتجاه معيّن، أو الوقوف موقفاً معيّناً بينما تشتغل الأوساط الشعبية والحزبية في الاتجاه الذي نريده، ونهيئ رأياً عاماً أو حالة نفسية متهيئة للإجابة على ندائنا الذي نوجهه إلى الأمة في الحالة المناسبة. والذي أراه أنه إذا أمكن تمديد الهدنة لربح كان أفضل، وإذا أظهر الجانب الانتدابي استعداداً للتفاهم معنا فنحن مستعدون.
ولست أعتقد بنجاح أي مساع رسمية مع «الكتلة» لأن طبيعة «الكتلة» طبيعة نزقة، فوضوية، إفرادية. والأفضل الاشتغال مع بعض أفراد «الكتلة» بصورة شخصية، كما يفعل مأمون [أياس] مثلاً. ويجب، من الآن فصاعداً، أن نوجه كل عنايتنا إلى قيادة الجهاد القومي وتوجيه الأمة معتمدين على أنفسنا.
مؤتمر المنفذين: إنّ الفكرة حسنة، ويحسن عقد اجتماعات لفئات من شخصيات الحزب المتينة، التي لا تشغل وظائف، لدرس الموقف وتأليف لجان تتكلف كل منها بالعمل في ناحية، ويشعر الجميع بالمسؤولية الملقاة عليهم. وجميع ما اتخذ بصدد المنفذين حسن وأثبته.
مجلس وكلاء العمد: إني أقرّ وأثبت ما أقره المجلس الأعلى في هذا الصدد وألغي قرار تعيين عبد الله [قبرصي] رئيساً لمجلس الوكلاء. ويجب تبليغ الوكلاء أهمية المراكز والوظائف التي يشغلونها وما يترتب عليها من نتائج، ووجوب التضحية في هذه الظروف فلا يكون العمل في ساعات الفراغ، مع السماح بتكاثر الأشغال الخصوصية، كما في شأن الدكتور [أديب معلوف] وبشير [فاخوري]. فكل وكيل عميد يجب أن يعطي نحو نصف نهار للأشغال الحزبية، فنحن نكاد نكون في ساعة الجهاد العام واستعداداتنا يجب أن تكون تامة.
التدريب القومي: في كتاب سابق إلى نصوح أشرت بوجوب متابعة العمل في هذه الناحية بكل نشاط، بنشاط أكثر كثيراً من السابق. وإني مسرور، لأنّ المجلس الأعلى شعر أيضاً بأهمية هذه الناحية واتخذ التدابير التي رآها عملية ومفيدة. على أني أشير بتوحيد أعمال هذه. وبناءً عليه تولّي جمال [باشا الغزي] قيادة التدريب العام. فيكون العاملون تابعين له وهو يصدر إليهم تعليماته وأعيّن منير [الملاذي] رئيس أركانه للتدريب العام.
ويلحق بهذه الدائرة صلاح شيشكلي. فيكون عليهم درس مناطق الحزب وتعيين برنامج التدريب والتشكيلات. ويجب أن يعلم بذلك «العدد المجهول» في المكتب المختص، ويكون على رئيس المكتب التنفيذي «ول» [وليم سابا] لهذا المكتب الاتصال بالقائم بالأعمال في الشام الذي زارني برفقته في بيت مري وإبلاغه أن يحذر حلبي وأن يبلّغ جميع التابعين إليه ذلك، وأن يبلّغ جميع رجال هذا الفرع أن يكونوا مستعدين للعمل فالساعة قريبة.
وفيما يختص بمركز بيت مري يجب أن يكون للمتن الأدنى والمتن الشمالي ثم يمدد لجميع المتن ويكون على المسؤول أن يتردد على الشوير لإجراء ما يلزم هناك. وليبلّغ رئيس الدائرة التنفيذية في المكتب المختص وجوب الاتصال بوديع [إلياس مجاعص] في الشوير وإطلاعه على دقائق الفرع. وقد يكون وديع أكثر المؤهلين للتوفيق بين الفرع التدريبي والفرع المجهز. ويجب الاهتمام بإلحاق منفّذ صيدا [معروف سعد] بهذه الدائرة وإيجاد خلف له ولعله يتمكن من مرافقة جمال.
أعمال مجلس وكلاء العمد: هي حسنة. ولكن على هذا المجلس، لصفته التنفيذية، الاهتمام بإيجاد الأشخاص العمليين وتأليف اللجان للطوارئ وتشغيل عدد من الأشخاص الموثوق بهم. ويجب إيجاد لجنة تنفيذية احتياطية، حتى إذا حدث اعتقال تتولى هذه اللجنة العمل، وفي طرابلس إمكانيات واسعة.
السيد [محمد] الباشا المناصفي: إنّ وجود هذا الشخص في بيروت مدة أيام وتركه مركزه الجديد بدون رخصة، ولم يمض على تسلّمه وظيفته الجديدة سوى أيام معدودة، جعلته موضع شك كبير عندي، خصوصاً عندما وجدته ملازماً المكتب ودائرة الداخلية.
وقد سألته عن سبب وجوده وأعطيته تعليمات بألا يغادر مركزه بدون رخصة وأنه يمكنه أن يأخذ ثيابه معه. ولم أظهر له أكثر من ذلك. وقد جاء تقرير العامل في «المكتب الأعلى المختص» (لا المجلس الأعلى المختص) يجعل هذا الشخص موضع ريبة شديدة. وإقصاؤه عن الوظائف التنفيذية والإدارية ضروري.
ولكني أرى الأفضل تكليفه بمهمة كمراقبة أحزاب أو أشخاص أو كتابة شيء معيّن أو درس بعض النظريات، وتفنيد نظريات الأحزاب اللبنانية مثلاً لتنشر فيما بعد. ولكنه يجب أن يوضع في مكان بعيد عن الدوائر المركزية، والأفضل ألا يكون في بيروت أو في مراكز التدريب القومي. ويجب أن يظل تحت مراقبة مراقب نبيه فطن، ولعل فريد عطية من حيفا، وهو الآن في عبيه، يتمكن من تمثيل دور معه. وهذا العضو متصل بأديب الزهيري ويمثّل معه دوراً ويمكن استخدامه في المكتب المختص. ويجب أيضاً مراقبة عبد الله الجميل وسلمى صائغ ووداد ناصيف وهذه يتردد عليها كثيراً فؤاد حداد وهي تلاطفه لتأخذ منه معلومات وهو غبي.
الفرقة السرية: يجب أن تتابع تمارينها بجدّ وإيجاد بعض مهمات لها أو لأفرادها.
فكتور أسعد: إنّ رأيكم في مشروعه هو الأصوب. والاتصال ببيار عقيم ولكن فليجرب حظه. على أنه يجب أن يحذر خبث بيار ومن وراءه، فالرجل ليس سوى عميل للسياسة الأجنبية.
نشوء الأمم: قد فوضت إلى السيد نصوح [الخطيب] بالتلفون أن تعود إليه جميع أعمال الكتاب. ولمّا كان جبران «صوفته حمراء» عند الحكومة فقد لا يفيد عقد اتفاق معه ولكن يمكن ذلك مع شخص آخر. وكنت قد وضعت في مكتبة أبي اللمع خمس نسخ من المعتاد وثلاثاً من الممتاز، على الأرجح، وقد يكون العدد أكثر فليسأل والقيد كان في درج مكتبي. ولم أقبض منها شيئاً فليحاسب ويمكن تلبية طلب الكاتب. ولترسل النسخ المطلوبة إلى أسد الأشقر بسرعة، كما أنه يجب إرسال عدد إلى كل فرع في المهجر.

ملاحظات:
1 ـ لك شخصياً أقول يجب أن تكون متحفظاً، لأنّ جورج حداد لا يعرف حداً للوشاية، ويجب المضي في العمل والاحتياط لكل شيء. وعندما يسألك أحد عنّي قل له أنت لا تدري شيئاً لأنك غير متصل بالإدارة.
2 ـ ليكلف بعض أشخاص بترتيب تشكيلات فد [فدائية] وول [وليم سابا] يعرف بعض الأشخاص. وقد يصلح فكتور [أسعد] لترؤس هذه الفرقة.
3 ـ إذا حدث شيء خطير يستدعي مخابرتي بسرعة فيمكن إرسال برقية بالاسم المعطى إلى فندق Petit Palais في Platres قبرص.
4 ـ يجب ألا يظهر الحزب أي ضعف، بل ليحافظ على انتظام أعماله ورباطة جأشه.
5 ـ يجب ألا يقتصر الاستعداد على الجمهورية اللبنانية بل في الداخل أيضاً، لأنه إذا تحركنا هذه المرّة فالحركة يجب أن تكون لأغراض يؤيدها الحزب عامة.
6 ـ إذا خشيتم مراقبة الرسائل الصادرة فلترسل بواسطة فلسطين. وفي حيفا عنوان مجهول للمنفذية، P.O. Box 1463, Victor Ganino.
لاحظت أنكم ترسلون سلاماً للرفقاء بواسطة الزعيم.
إني أنتظر البريد القادم الأسبوع الآتي. وأظن أنه يجب اختراع مفتاح جفر جديد.
بلّغوا سلامي إلى أعضاء المجلس الأعلى، ورجال الدوائر، وطمنوا الجميع، واطلبوا منهم أن يسهروا على فضيتهم.
إنّ خروجي من متناول أعدائي يعطينا فرصة ثمينة فلنستفد منها: ولتحيى سورية!
بعد: وردني عن مأمون [أياس] أنّ أحد الأعضاء يمكنه أن يضع مئة إنكليزية للرحلة. فليستعد وليسأل عبد الله قبرصي إذا كانت قضية [جبرائيل] منسى تمنع قيامي بالرحلة.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.