إلى إبراهيم حبيب طنوس

بوينُس آيرس، 22/7/1939

الرفيق الحي إبراهيم حبيب طنوس،
نعتّك بالحي، لأني لمست نبض الحياة في مقالاتك وفي حركتك الحارة المشعة. وإني عندما أفكر بك أتمثلك قوة من قوى الحياة القومية المبعوثة في مجموع الأمة. من أجل ذلك ومن أجل أن الحياة بمناقبها ومثلها العليا ليست شيئاً عاماً مطلقاً في مجموعنا الهالك، أرى أنه يجب أن يميّز بين الأحياء والأموات، وأن أعدّك واحداً من أبناء الجيل السوري القومي الذي يفرّقه عن غيره من الأجيال فارق جوهري ـ الحياة.
إني أراقب كتابتك وأسرّ بفاعليتك المبشرة بنتائج كبيرة. وأريد أن تكون فاعليتك غير منصرفة إلى الوجهة الواسعة من بث الروح فيكون للوجهة العميقة نصيب منها. فالفكرة يجب ألا تكون واسعة فقط، بل راسخة عميقة أيضاً لتستطيع البقاء. ولذلك أريد منك ألا تبذل كل جهدك وتصرف كل اهتمامك إلى توجيه البعيدين عن الحركة السورية القومية نحو مبادئها ومثلها العليا فقط، وأن تخصص الوجهة الداخلية من هذه النهضة بعناية دراسية فتتعمق في درس الأشكال والتعابير التي يظهر بها العمل القومي، وتنظر هل هذه الأشكال والتعابير منطبقة على روح النهضة العميقة الفاعلة.
ولكي أجعل تناول هذه المسألة هيناً عليك ألفت نظرك إلى مقالة رئيسية نشرت في العدد الرابع عشر من سورية الجديدة بعنوان «نهضة سورية الأدبية». فإذا راجعت هذه المقالة وجدت عند آخرها هذا الاستنتاج أو التقرير النهائي ـ
«بيد أنه كما حصل في أوروبة أخذ يحصل الآن في سورية، الخ.» فترى من قراءة هذه الفقرة والفقرتين التاليتين الأخيرتين أن النهضة السورية القومية لست سوى نتيجة منطقية للتطور الأدبي أو «للنهضة الأدبية» في سورية أو هي وليدة «اتجاه النهضة الأدبية اتجاهاً قومياً». فهل هو صحيح هذا الاستنتاج أو هذا التقرير؟ وأين هي هذه النهضة الأدبية وأين هو اتجاهها القومي الذي «ولد النهضة السورية القومية»؟ وهل هو صحيح أننا إذا جمعنا هذه الأخلاط الأدبية، المتنافرة، الغربية، التي يسميها الكاتب «نهضة»، وجدنا فيها «الاتجاه القومي» الذي «ولد» النهضة القومية؟
وهل صحيح أن النهضة السورية القومية ليست سوى «نتيجة منطقية» خالية من كل فن وكل إبداع، وأنها نبتت بالعوامل الطبيعية كالأعشاب أو الأشجار، فهي لا قيمة روحية لها وكل ما يقال عن زعيمها ومنشئها ليس سوى هوس خيالي فارغ أو مجرّد اصطلاح، وكل ما يسمع عن عظمة رجالها وشقهم طرقاً جديدة ليس سوى وهم شباب؟
وما هي الروحية الجبارة التي ننتظرها من التسليم بهذا الاستنتاج والاقتناع بأن النهضة السورية القومية ليست سوى نتيجة مستقرة في طبيعة التطور الأدبي؟ وهل إذا أنعمنا النظر نجد هذا الاستنتاج صحيحاً أم نجده واهياً فاسداً، وأن العكس هو الصحيح، أي إن التطور الأدبي الجديد، لا بل إن نشوء أدب جديد هو الأدب القومي الصحيح هو نتيجة للنهضة السورية القومية؟ وهل يصح أن يعتبر الاستنتاج المتقدم تعليماً قومياً؟
إني أرى هذا الاستنتاج وغيره المشاكل له من بقايا التفكير السابق للنهضة السورية القومية وفاقداً روح النهضة السورية القومية الحقيقية. فالسوريون القوميون يرفضون كل تعليم يقول بالاعتماد على افتراض تعاقب أحداث مرتبة ترتيباً منطقياً، أي يقول بالاتكال على الطبيعة و«التطورات الأدبية» ويلغي فكرة الإبداع والابتكار اللذين تتصف بهما النهضة السورية القومية وعقليتها المتحررة من «التطورات الأدبية»، التي كثيراً ما تكون عاملاً ضد النهضة القومية كما هي الحال في ما يسميه الكاتب «النهضة الأدبية».
فإنك إذا جمعت كل ما أنشئ وكُتِبَ في سورية وفي العالم العربي كله وجدت أنه أخلاط متنافرة الروحية، متضاربة الاتجاهات، متباينة النزعات توجد بلبلة يحار فيها الفكر ولا يخرج منها بشيء جلي.
إن النهضة القومية قد حدثت على الرغم من هذه الأخلاط الأدبية التي يسميها الكاتب «نهضة أدبية» لا بفضلها. فالترجمة التي يعطيها الكاتب لنشوء الحركة السورية هي غلط صرف.
إن النهضة السورية القومية طبيعية في أنها خارقة العادة والمألوف، وأنها منبثقة من النفس السورية التي تبعث مع الأجيال، نوابغ يأتون الخوارق والمعجزات، لا في أنها وليدة ترتيب طبيعي يفعل من تلقاء ذاته. والفقرة الأخيرة من المقالة المشار إليها أقرب إلى روح النهضة من الترجمة التي سبقتها.
هذه الناحية من العمل القومي، ناحية التعمق في فهم طبيعة النهضة السورية القومية وإظهار فاعلية قواها العظيمة، هي ما يجب أن يعنى به القوميون النابهون، وما يجب أن يجري حوله نقاش يجلو مبهمات التعابير في ثقافتنا القومية الجديدة.
فإذا لم تحصل العناية به فالعقيدة السورية القومية وقواها الروحية تتعرض للبلبلة والميعان وتفقد فاعليتها ووحدة روحيتها.
مثل هذه الترجمة الأدبية للنهضة السورية القومية وكيفية نشوئها الترجمة التي وردت في «افتتاحية» العدد الحادي عشر للديموقراطية وعنوان المقالة «على حساب سورية فلتحيى الديموقراطية».
فقد ورد في هذه المقالة أن الإمبراطوريتين الرومانية والبريطانية كانتا في أوائل عهديهما «عنوان الحرية والعدل والديموقراطية تعيش الشعوب تحت ظلهما متمتعة بشرائعها وأديانها وعاداتها القومية التقليدية، محتفظة باستقلالها الداخلي، الخ».
وهذه الترجمة غلط فاحش ولا يجوز مطلقاً أن يصدر في صحيفة سورية قومية ذاقت أمتها من الرومان والبريطانيين القتل والتخريب والتجريد من الحرية والكرامة القومية. ومثل هذا التعليم يجعل السوريين يترحمون على عهديْ هاتين الإمبراطوريتين الزاهرتين بـ «الديموقراطية» ويتمنون عودهما. فهل هذا ما تقصده النهضة السورية القومية؟
وآخر مقالة صدرت في العدد الأخير المزدوج الصادر في 15 الجاري للكاتب الأديب نفسه بعنوان «التشريع والبيئة» ورد فيها أن البيئة التي نشأ فيها المسيح هي «بيئة مدترانية رومانية» فجرّد البيئة السورية من خصائصها السورية ونعتها بالرومانية.
وهاجم حقيقة المسيح المقدسة عند المسيحيين والمسلمين على السواء بقوله «أما المسيح أو بالأحرى واضعو أحكام الديانة المسيحية».
إن النهضة السورية القومية قد اكتفت بالفصل بين الدين والدولة، فقد بيّنت في شرح مبادئ الحزب السوري القومي الحد الذي تقف عنده النهضة القومية من الدين، فلا يجوز تجاوز هذا الحد إلى بحث حقائق أو أوهام أديان معينة ومهاجمتها بهذا الشكل.
إن هذه السلسلة من المقالات المخالفة لروح النهضة السورية القومية حملتني على إرسال كتاب إلى المحرر أقول له فيه إنه لا يمكنّني أن أتبنى مثلها، وإنّ عليه أن يعرض مقالاته المقبلة من هذا النوع على لجنة بحث قبل النشر [ويمكن] أن ينشرها في مكان غير تحت «رأي سورية الجديدة» وباسمه أو باسم مستعار إذا شاء.
وإنه يجب عليه التفريق بين رأي سورية الجديدة ورأيه هو الخاص.
وهنالك مسألة حملتني في سبيل تجريد سورية من العقلية الشرقية وإعادة عقليتها الأصلية إليها. فهذه النظرية الفلسفية الجديدة التي قصدت بها إحداث انقلاب عظيم في نفسية الأمة، وتغيير مجرى الفكر والمعتقدات بصورة عملية ذكرتها في خطابي في أول مارس / آذار 1938 ثم في تصريحي المنشور في العدد الأول من سورية الجديدة رداً على تصريح المفوض الفرنسي الجديد (انظر ج 3 ص 287).
وبدلاً من أن يتناول المحرر هذه النظرة الفلسفية الجديدة التي يجيء بها سعاده ويبيّن أهميتها، وكيف أنها تنقذ النفسية السورية من التخبط في أوهام الفكر الشرقي، ينشئ مقالة يترجم فيها العقليتين السورية والشرقية على هواه فلا يتقيد بما عناه سعاده، ولا يشير إلى أن الفكرة فكرة سعاده، وأنه تأثر بها ويحاول أن يفهمها.
وقد نشر مقالته(14) في العدد الرابع حين كنت وناموساي قيد التوقيف على الرغم من تعليمات الناموس الأول إليه بوجوب إعطاء الفكرة مقامها وتعيين مصدرها. وإنّ هذا الخطأ المقصود من المحرر يحمل على التساؤل عند مبلغ فهمه النفسية السورية والتصرف وفاقاً لها.
إن هذه الفكرة الجديدة التي صرّحت بها يجب ألا تخمد في رطانة أدبية وتضيع قيمتها وفاعليتها بابتذالها على هذا الشكل، فيجب العودة إلى هذا الموضوع وأعتقد أنه يمكنك أنت أن تتناول هذا الموضوع فتكتب بعض المقالات مثلاً، بعنوان «سعاده ينقذنا من بلبلة النفسية الشرقية ويعيد إلينا نفسيتنا الأصلية»، ويمكنك أن تتبادل الفكر حول هذا الموضوع مع الرفيق أسد الأشقر الذي تعيّن «الوكيل العام لمكتب عبر الحدود» وسافر منذ أيام إلى حيث يتولى شؤون مكتبه الجديد. وأعطيك عنوانه.
أهنئك بعملك وأهنئ الرفيق وليم بحليس باجتهاده.
وسلامي للرفقاء والأصدقاء. ولتحيى سورية.
A.P. Aschkar
Superi 2948
Buenos Aires
Rep. Argentina

 

 

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.