إلى عضوَي اللجنة المفوضة

 30/8/1939

حضرة عضوي اللجنة المفوضة،
وردني كتابان: الواحد موقّع من أعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة المكلفين مباشرة الأعمال التمهيدية والضرورية قبل صدور المرسوم، والثاني من عضو اللجنة المفوضة الرفيق إلياس بخعازي. وإني أجيب اللجنة هنا على الكتاب الأول:
جميل صفدي: إن ما ارتآه المكلفون تشكيل المجلس الإداري في صدد هذا الشخص ينطبق على التعليمات الأولى التي أرسلتها إلى اللجنة التنفيذية بواسطة الوكيل العام لمكتب عبر الحدود. وقد ذكر هذا الانطباق عضو اللجنة الرفيق إلياس بخعازي في كتابه المذكور فوق. ولقد كانت إرادتي الاقتصار على هذا التدبير، بينما تؤخذ الإجراءات الداخلية التي تؤمن قطع علاقة هذا الشخص بأعمال الحركة، ولكن وردتني أخبار فيما بعد وبعضها من مدير شؤون سورية الجديدة تفيد أنّ هذا الشخص قد وسّع اتصالاته وراسل بعض شخصيات الحركة القومية. وطلب نسخاً من كتابي نشوء الأمم وتسلّم عدداً منها. وهذا يدل على حركة واسعة يقوم بها يخشى أن تجلب أضراراً كبيرة إذا كانت لهذا الشخص مآرب جاسوسية. وحالما وردني خبر مدير شؤون سورية الجديدة في هذا الصدد، وأنه أرسل فطلب تحويل إرسال نشوء الأمم إلى إدارة الجريدة كتبت إليه أشير عليه بلفت نظر مراسل سورية الجديدة في الوطن إلى الشكوك التي لمكتب الزعيم بهذا الشخص، وأنا بدوري اتخذت التدابير الممكنة لتبليغ المركز في بيروت هذا الأمر، ولكن الرفيق جورج [بندقي] لم يجبني عما إذا كان نفّذ ما طلبته منه، وطريقة مكتب الزعيم أمينة ولكنها بطيئة. ولهذا السبب ولمّا لم تكتب إليّ اللجنة المفوضة في صدد هذا الشخص غير قيامها بتبليغ الأعضاء ما أوعزت به وهو غير كاف رأيت أنه يجب اتخاذ تدبير حاسم في صدده.
إني أستصوب راي أعضاء المجلس المنطبق على تعليماتي الأولى. ولكني أطلب من اللجنة المفوضة الاهتمام الجدي بتبليغ بعض الشخصيات والأوساط التي لها اتصال أو تحبيذ للحركة القومية أنّ هذا الشخص غير مكلف بشيء من الزعيم. ثم إن اللجنة مكلفة تبليغي ما اتخذته من التدابير ونفذته من الخطط، لتحصل القناعة عندي أن ما قامت به كاف لوضع حد لحركات هذا الشخص الكثيرة. فلا يكفي اللجنة أن تنفّذ وتهمل إعطاء بيان أو تقرير بما قامت به، ليحصل الاطمئنان لدى المراجع العليا أن اللجنة المفوضة ساهرة وأن تدابيرها فعالة.
ومما يجب الانتباه له هو أن لهذا الشخص أخت متزوجة في ولاية غوياز تقدر على مساعدته بقصد أو بغير قصد على جمع أموال في تلك المنطقة، أو إكساب أخوتها صفة تساعدهم على القيام بأمور شاذة أو ضارة.
وقد تؤثر هي على السيد جاد سلمون ليساعدها في ما تريد. فيجب الاتصال بهذا الرجل الذي زارني في فندق اسبلناده برفقة صديقي الدكتور عبده جزرة وإفهامه الموقف، وبالاختصار يجب أن تفكر اللجنة في كل شيء، وتهتم لكل أمر، فلا تبقى حاجة للالتجاء إلى تشهير أو أي أمر علني.
بقي أن ألاحظ أن أمر جميل صفدي ومخابرة مكتب الزعيم بشأنه هما من الأمور الإدارية التي يجب أن تنحصر في اللجنة التنفيذية فقط، فلا يجوز أن يشترك معها أعضاء هيئة أخرى فيها. يحق للجنة أن تستشير أعضاء هيئة أخرى ولكنها هي تقرر، لأنه ليس من صلاحيات أعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة بحث مسألة جميل من وجهة التدابير الحزبية. ولكن من صلاحيته إبداء رأيه في ما يتعلق بالجريدة من هذه المسألة لمكتب الزعيم رأساً أو أن يتخذ قرارات في هذا الشأن.
الرفيق رشيد شكور: إني مطّلع على حماس هذا الرفيق واندفاعه القديم وإخلاصه في اندفاعه. وأعلم أن كثيراً من الحماس القديم، غير الواضح الأهداف وغير المنظم، لا يفيد حركتنا القومية إلا إذا فعلت فيه التعاليم القومية الجديدة، واكتسب النفسية القومية الصحيحة، وقد تبيّن من عمل الرفيق شكور أنه حتى الآن لم يكتسب سوى ما هو قليل وسطحي، وهنالك أدلة على أنه يعتقد أن التعاليم القومية النفسية والفكرية وجدت ليتعلمها غيره لا هو وأنه هو يعرف ما يخوّله تعديلها، كما ظهر من حديثه في الاجتماع التمهيدي لـ سورية الجديدة في بيت الرفيقين فؤاد [بندقي] وتوفيق [بندقي]، فهو لا يريد أن يقبل نظرية الزعيم التاريخية الجديدة التي تقلب النظريات المعروفة حتى الآن عن سورية وتاريخها، ويريد فوق ذلك أن يظل متقيداً بالنظريات الأجنبية الكلاسيكية وبعض استنتاجاته الشخصية.
واعتقاده وإرادته هذان يرميان إلى نقض الاتجاه القومي ويعاكسان هذا الاتجاه، ويبلبلان التفكير القومي الذي أنفقت كل حياتي ومواهبي لتأسيسه تأسيساً جديداً نقياً موحداً. وقد قلت لرشيد إنه لا مانع عندي، أو عند مراجع الحزب العليا، أن يكون لبعض الأعضاء نظريات خاصة في الشؤون التاريخية أو الثقافية. ولكن هذه النظريات تظل خاصة، إذا لم تتبناها مراجع الحزب المختصة، ولا يمكن تعميمها بصورة تحمل طابع الحزب أو تدل ضمناً على موافقته.
فلا مانع عند الدوائر العليا أن يؤلف الرفيق شكور كتاباً في تاريخ سورية يتضمن نظرياته، ولكن بعد صدور الكتاب ستتناقش فيه المراجع الثقافية وتبدي رأيها فيه. فإذا رأته مخالفاً للتعاليم القومية، فإنها تمنع القوميين من شرائه، وتعلن أنه لا يعبّر عن رأي النهضة القومية.
وقد يتضمن الكتاب اختلافاً فكرياً ــ روحياً يحمل القوميين على اعتبار صاحبه غير قومي وقطع صلاتهم به. وأنا، شخصياً، لا مانع عندي من قيام أفراد سوريين «بنهضات» جديدة يقودونها بتفكيرهم المستقل، ولكني بصفتي زعيم الحزب السوري القومي لا أقبل ولا أجيز نشوء تضارب نظري في أساسنا التاريخي وأساس ثقافتنا القومية الجديدة.
وهنالك جهة أخرى، وهي عدم صلاح الرفيق شكور لمعالجة القضايا السياسية، وعدم فهمه فلسفة نظام الحزب فهماً دقيقاً، وعدم فهمه الزعيم وشخصيته. فهو لا يظهر أنه مؤمن بالزعيم، وأنه يرجع إلى تعاليمه، ويستدل من بعض كتاباته أنه يعدّ الزعيم هيئة نظامية فقط أو دستورية، وهذا مخالف للواقع، وقد يؤدي إلى إضعاف ثقة القوميين بالزعيم وإيمانهم به ومحبة التعلم منه والتعويل على تعاليمه. ولو أن الرفيق شكور كان في متناول المجلس الأعلى أو مجلس العمد للإشراف مباشرة على أعماله، لوجد نفسه في موقف حرج جداً. ولكني أنا تساهلت كثيراً في أمره لعلاقتي الشخصية في هذا الموضوع. ولكن مراجع الحزب التي رافقت الزعيم في إنشائه وتعليمه وقيادته لا تتساهل مطلقاً في هذا الأمر الخطير، لأنّ عليه يتوقف نجاح الحركة القومية، كما كان العامل الأعظم في نجاحها حتى الآن، ولأنه يتعلق بشعور القوميين عامة وإيمانهم.
ولقد كان من وراء عدم فهم الرفيق شكور سياسة الحزب السوري القومي وخروجه على التوجيهات التي أرسلتها إليه تكراراً، أن جريدة صوت الأحرار البيروتية قامت بحملة على الحزب متهمة إياه تهماً عديدة باطلة، مستشهدة بفقرات من مقالات محرر سورية الجديدة الخارجة على التوجيهات المرسلة إليه.
فهو بنظرياته الخاصة وبصفته غير مسؤول يعرّض الحزب السوري القومي كله لمشاكل نحن بغنى عنها. فمسألة كتابة وتحرير سورية الجديدة باعتبارها لسان حال النهضة القومية ليست مسألة شخصية تتعلق بشخصي أو بشخص المحرر، بل مسألة خطيرة لها علاقة بعمل المنظمة القومية وحركاتها. ويذكر أحدكما العضو الرفيق توما [توما] ما قلته في هذا الصدد في اجتماعي الأخير بالرفيق فؤاد [بندقي] في البستان حول هذه القضية.
فقد أبديت رغبتي في استقدام محرر من الوطن وعدم ارتياحي إلى إمكان الرفيق شكور تمثيل الحركة القومية من الوجهة الإذاعية العامة أو من الوجهة السياسية. ولا يمكن التعويض عما تحتاج إليه الحركة القومية بصفات مطاطة وغير مقيدة أو مضبوطة كالوطنية والغيرة والحمية وما شاكل.
وإذا كنت أريد تنحية الرفيق شكور عن وظيفة المحرر، فهذا لا يعني أني أريد إقصاءه عن صفوف القوميين أو عن الحركة الكتابية بالمرّة، بل إني أريد ألا يبقى هو ممثلاً الحركة الإذاعية وسياسة الحزب، ولكنه يقدر أن يكتب مقالات أدبية قومية كعادته تنشر له بعد موافقة المحرر المختار عليها، فيتدرج في التوجيه النظري القومي وفي فهم الاتجاه السياسي للحزب، ويتمكن من العمل ببطء وإمعان، فيخرج عمله أنضج وأحسن، وبعد ذلك قد يتطور إلى حد يسمح له بإعطائه مركزاً أوسع.
وهذه هي القاعدة التي تتبعها المنظمة القومية، ولم يكن تعيين الرفيق شكور في وظيفة محرر جريدة النهضة القومية الوحيدة إلا من باب حكم الظروف. وإذا كان هو لا يتمكن من القيام بالوظيفة كما تريد الإدارة العليا فيكون من عجز الرأي الإبقاء على حالة غير مفدة أو مضرة بناءً على اعتبارات شخصية.
والرفيق القومي المخلص الذي يذيب شخصيته في شخصية المنظمة القومية يقبل أن يضعه زعيمه في المركز الذي يراه أفْيد للحركة، فلا يناقش ولا يجادل ولا يتطلع إلى مشاركة الزعيم في إدارته. وقد كتبت لرشيد وبعض الرفاق أبيّن لهم أنه لا يصير المرء سورياً قومياً بمجرّد تسجيل اسمه بين أعضاء الحزب السوري القومي، وأن على الرفيق شكور أن يعرف الفرق بين رأيه الخاص في السياسة والتاريخ والثقافة القومية، ورأي المنظمة القومية الرسمي الذي لا جدال فيه. وهذا ما لم يفهمه الرفيق شكور.
ولما كانت سلامة وحدة روحية الحركة القومية، وسلامة وحدة فكرها واتجاهها، أمراً أساسياً جوهرياً فإن مسالة تحرير سورية الجديدة يجب أن تخضع للاعتبارات الأساسية وإلا أصبح أمر الحركة فوضى، إذ هنالك مئات ومئات من المخرَّجين من الجامعات والمثقفين الذين لو شاء كل منهم أن يعتدّ بنفسه وبعلمه، كما يفعل رشيد، لوقعت الحركة القومية في فوضى تقضي عليها.
بناءً عليه، وبناءً على رأي أعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة، أقرر أن يبلّغ الرفيق رشيد شكور بواسطة اللجنة المفوضة، وبعدها بواسطة مجلس إدارة سورية الجديدة أن تعيينه كان تعييناً موقتاً في وظيفة محرر للجريدة القومية.
وأنه يجب الآن أن يقتصر على كتابة ملخص البرقيات والأخبار المحلية ومقالة زراعية قصيرة. وفيما سوى ذلك يمكنه نشر بعض المقالات من دراسته المتروية، ولكن دائماً بإمضائه أو بتوقيع مستعار لكي تظل لها صفتها الخاصة.
وإني لا أتبنى مقالاته السياسية أو الثقافية، ولا يمكنّني التساهل في أمر الكتابة السياسية أو العقائدية، ولا يجوز أن يتحمل الحزب السوري القومي مسؤولية نظرياته وآرائه السياسية.
ولذلك لم تعد له صفة رئيس تحرير أو مدير كتابة وتحرير، بل صفة كاتب متخصص في تلخيص البرقيات الأسبوعية وكتاب الأخبار المحلية والاحتفاظ بمنهاج تبويب الجريدة. أما المقالات الرئيسية فحين لا تكون من قلمي، أو من قلم الوكيل العام لمكتب عبر الحدود، فتوضع مقالات مدير شعبة سورية الجديدة في الوطن في باب «رأي سورية الجديدة»، والمقالات أو التعاليق المستحسنة من المراسلين.
ولا ينشر تحت «رأي سورية الجديدة» غير مقالات من غير هذه المصادر حتى إشعار آخر. وليس يضر الرفيق شكور أو يقلل من أهميته أنه ليس صحافياً سياسياً، وأنه كاتب أديب فقط. وهو إذا تخصص في هذا الباب وأخذ بالنظرية العلمية التاريخية المثبتة في نشوء الأمم فقد يخرج أديباً قومياً جيداً، وحينئذٍ يصبح في إمكاني تأييد كتاباته. فيجب عليه، إذن، أن يجتهد في الدرس والاستفادة بدلاً من أن يعتقد أنه يعرف كل شيء، وأنه لا يحتاج إلى تعليم جديد.
ويجب أن يبلّغ بوضوح أني أنتظر منه تصرفاً قومياً صحيحاً وفهماً جديداً، خصوصاً في ما يتعلق بالموقف والمسؤولية، وإلا كان شاذاً وخارجاً عن حدود النظام والطاعة، ولا يعود يمكنني الاعتماد عليه. والحركة القومية تحتاج إلى قدوة في النظام والطاعة أكثر مما تحتاج إلى نظريات وتصورات خصوصية متفرقة.
أطلب من اللجنة المفوضة أن تبلّغ مجلس إدارة سورية الجديدة كتابة أني أوقفت تشهير جميل صفدي بناءً على أنّ اللجنة المفوضة ستتخذ جميع التدابير لتعطيل مفاسده في أوساط الجالية، ويقتصر التبليغ في هذه المسألة على هذه النقطة. وأن تبلّغ اللجنة المفوضة مجلس إدارة سورية الجديدة تعليماتي فيما يختص بالرفيق رشيد شكور مع نسخة مما كتبته في هذه الرسالة بشأنه، ليستنير المجلس الإداري ويتخذ ما يراه مناسباً لتنفيذ هذه التعليمات ضمن روح الجرأة والاستقامة والحرص على النظام والصراحة التي يجب أن تعلو على الاعتبارات الشخصية أو الخصوصية وفي الظروف التي يفضّلها.
ويجب أن يكون واضحاً أن الحزب السوري القومي قد قطع كل علاقة بمناورات الجمعيات التقليدية، وأن أعماله الهامّة لا تسمح بصرف وقت كثير من المجادلات ودرس الاعتبارات الشخصية.
في البريد القادم سأرسل المرسوم القاضي بتعيين أعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة رسمياً تثبيتاً للإشعار الأولي بتعيينهم، وبتعيين صلاحيات المجلس التي يسير على ضوئها من أجل سلامة وحدة العمل والإدارة.
وأطلب من اللجنة المفوضة تبليغ أعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة تهنئتي لهم على عملهم النظامي، وفهمهم الموقف والاستعداد لتحمل مسؤولياتهم والاضطلاع بأعباء ما ألقيته عليهم.
ولتحيى سورية.

أنطون سعاده

__________________

- الأعمال الكاملة بأغلبها عن النسخة التي نشرتها "مؤسسة سعاده".
- الترجمات إلى الأنكليزية للدكتور عادل بشارة، حصلنا عليها عبر الأنترنت.
- عدد من الدراسات والمقالات حصلنا عليها من الأنترنت.
- هناك عدد من المقالات والدراسات كتبت خصيصاً للموقع.